البحر الازرق

البحر الأزرق

ما زالَ لهاث أنفاسه ودقات قلبه تُسمع بلا حراكٍ منهُ، وحدهُ في تلك الأرض البعيدة، يسمع أقدامًا بخطواتٍ كبيرةٍ تارةً، وتارةً أخرى يسمع قفزات، وما زالت صورة القصر الجميل وإضاءاته الملكية تنعكس على صفحات المياه الزرقاء، يجد نفسه ولا يجدها.

 يقول: هل أنا وحدي، أم أنا وسط البشر؟

استقرت قدماه على شاطئ البحر الأزرق، عندها نزعت خيوط الفجر ظلمة الليل الحالكِ لتخبره قائلةً: لم تبق من معالم القصر إلا صورته، عندها أخذ حفنةً من التراب بيده اليمنى ليحثو بها على صورة القصر لعلها تعود أو حتى تسمع أنفاسه وهو يحثو.

فاستلقى على ظهره ليرى شروق الشمس، فتقلب على تلك الرمال الذهبية، يصرخ بأعلى صوته، فلا مجيب سوى الرياح والبحر، والطيور المحلقة عاليًا ترسم في السماء بداية يوم جديدٍ، فتقول له: أنتَ الناجي الوحيد من الغرق، لقد قذفت بك الأمواج من البحر الأزرق بعد تحطّم الباخرة التي كانت تقل مائة وستة وتسعين راكبًا، منهم العلماء والأطباء والتجار وربان الباخرة، في ليلةٍ  دامسةٍ سرمدية  لا يُرى فيها ضوء القمر، هاجت فيها الأمواج لتبعثر أجزاء الباخرة، فكنت أنتَ أيها الطبيب الناجي الوحيد، وقد كنتُ وقتها نائمًا.

يرجعُ الطبيب بذاكرته وهو يزيل أثر التراب من على جسده، فيذكر الحلم وهو على متن الباخرة، فقد رأى نفسه في أحد قصور فارس، حيث الأبواب المزخرفة، والسجاجيد المنقوشة، والخزفيات التي تنطق بجمال صنعتها، والثريّات التي تحتضن أسقف القصر وكأنها عرائش عنب.

تسيل دموعه؛ فقد ودّع الحلم والباخرة والمهنة ليجد على جسمه أثر ملابس ممزقة، فيبحث في المكانِ علّه يجد ما يسد به جوعه وعطشه أو شيئًا يستظل تحته.

يمشي قليلًا فيجد سنجابًا، يقرض حبة كستناء، فأخذ يجمع لنفسه الكستناء، ووجد شجرةَ خوخ فقطف من ثمرها اللذيذ، وأكل منه حتى شبع، ونامَ إلى أن أيقظه صوت صفارةٍ يأتي من قبالةِ الساحل، فيلوّح بيده ويصرخ بكل ما أوتي من قوة ويقول: أنا هنا.. أنا الطبيب رونان!

فتقترب منه يدٌ صغيرة وتوقظه: أبي أبي.. لماذا تصرخ؟ استيقظ يا أبي!

 فيفتح عينيه ليستيقظ من حلم البحر الأزرق.

من المجموعة القصصية (الجلنار)