الابتسامة الخضراء

الابتسامة الخضراء

يذهب مع والده كل صباح إلى المزرعة، المكان الذي يفضله دائما، حيث البهجة التي ينتظرها طوال أيامه. لا يرتدي نعلا ولا حذاء، ويفضل أن يمشي حافيا، تدغدغ قدميه صخور الطريق. وعندما يصل، ينطلق راكضا نحو حوض الماء، الذي دائما ما يستحم فيه ويقضي جل وقته فيه.

وهو يجري باتجاه الحوض، إذ بوالده ينادي عليه غضبانا، ويزمجر:

يا محمد، توقف، تعال إلى هنا.

يتوقف محمد عن الجري، وينظر باتجاه والده، وإذا بالشرر يتطاير من عينيه. يتسمر محمد في مكانه، وعيناه الخضراوان شاخصتان، إذ لم يألف هذه النبرة من والده قط، وكأن وحشا صرخ بأعلى صوته. لم يحرك ساكنا، وبقي واقفا ينتظر، إلى أن جاء والده ووقف بالقرب منه، ثم دفعه بيده القوية حتى سقط على الطين. بقي ملقى على الأرض إلى أن صرخ به أبوه مرة أخرى:

اذهب وأحضر ذاك الشيء من هناك.

كان والده يشير إلى أداة لجمع المحصول، فجرى محمد سريعا، يملؤه الخوف، وأحضر الذي طلب منه، وأعطاه لوالده، ولمح مرة أخرى تلك النظرة الشيطانية في عينيه.

لأول مرة يتعرض محمد لمثل هذا الموقف من والده بالذات، الذي كان يحبه كثيرا، ودائما يلعب ويضحك معه، لكن اليوم كان مختلفا جدا. لم يخطر على بال محمد، ذي الاثني عشر ربيعا، أن يحدث له ما حدث.

انتهى العمل في المزرعة، ولا يعلم محمد كيف أن الوقت مر عليه طويلا على غير العادة، لكنه انقضى على كل حال. بقي محمد صامتا طوال اليوم، في البيت، وعند أهله، وبين إخوته، وفي كل مكان، وكأنما انطفأت تلك الملامح الضاحكة من وجهه، وعلت روحه الكآبة والصمت.

لاحظت والدته هذا التغيير مع مرور الوقت، حتى إنها سألته، لكنها لم تصل إلى نتيجة. لكنها، بالمقابل، لاحظت أيضا تغير والده تجاهه، إذ بدأ يعامله بقسوة على غير عادته، وفي كل حين، ودون سبب أحيانا.

أوقفته يوما قبل أن يخرج إلى عمله، وقالت له:

ألاحظ أنك يا أبا محمد قد تغيرت قليلا، وأخذت تقسو على ابننا محمد. ما هو السبب؟ هل حدث شيء ما؟

أجابها الزوج:

دعيه يتعلم القسوة، الناس تصفه بالرعونة، وعليه أن يتبدل، وأن يصبح رجلا ذا قيمة.

ردت الأم قائلة:

ومن أشار عليك بهذه الطريقة في التعامل معه؟

أجابها:

عندما ترى أن الأمور بدأت تفلت من بين يديك، عليك حينها أن تتخذ موقفا حازما، وأن تستخدم القوة في التعامل، حتى تستقيم الأمور.

فتحت الأم فمها، ثم أعادت عليه السؤال نفسه:

ومن أشار عليك بهذه الطريقة في التعامل معه؟

رد عليها بغضب:

لا أحد، ولماذا تلحين بالسؤال؟ أنا أعرف كيف أتصرف.

وهم بالخروج، لكنه عاد إليها مرة أخرى، وقال:

الناس تتكلم، أحسهم ينعتونني بأعينهم بأنني لم أرب ولدي بشكل صحيح. كانوا يتهامسون سابقا، أما الآن فهمسهم أصبح مسموعا.

أنهى كلماته وخرج، والأم تراقبه، والكلمات الأخيرة نزلت على مسامعها كالصواعق. لم تصدق ما سمعته، فذهبت ولبست عباءتها، وخرجت باتجاه بيت أهلها.

وصلت، ثم بدأت بسرد الأمر على أمها، وأمها تستمع إليها بإمعان، حتى انتهت أم محمد من كلامها. أجابتها أمها قائلة:

لا عليك يا بنيتي، هذا الأمر عادي جدا. الأب يحاول أن يربي ولده بشكل أفضل، وهذه هي الطريقة المثلى لذلك. لا عليك، كلنا تعرضنا لمثل هذه القسوة عندما كنا صغارا، حتى أنت لم تسلمي من العصا.

تفاجأت أم محمد برد أمها، وقالت:

لكن يا أمي، لا يجب عليه أن يعامله هكذا دائما، عليه أن يتوازن في تعامله معه. إنه قاس طوال الوقت معه، وهذا ليس أمرا مريحا، ولا يمت للتربية في شيء.

ردت عليها الأم:

لا تقلقي، سوف تتعدل الأمور، هي مرحلة وسوف تنقضي ويعتاد عليها، ثقي بي.

ردت أم محمد:

أتمنى ذلك، أشعر بالخوف يا أمي.

لم ترد عليها أمها، بل وضعت يدها عليها، ثم قامت وذهبت إلى الداخل، وأحضرت إبريق القهوة والفناجين وبعض التمر، ووضعته على الأرض. أخذتا تتناولان القهوة، وتتحدثان في أمور حياتية أخرى، إلى أن انقضى الوقت.

نهضت أم محمد، واستأذنت بالعودة إلى بيتها. أعطتها أمها القليل من التمر، وغادرت باتجاه بيتها. وعند اقترابها من البيت، إذ بها تسمع صوتا قويا يأتي من الداخل. إنه صوت أبي محمد، وهو يصرخ ويزمجر.

انطلقت بسرعة وخوف، ودخلت البيت، وإذا بها ترى أبا محمد يحمل عصا ويهبط بها على ظهر ابنها محمد، الذي أخذ يصرخ من الألم ويبكي. ذهلت الأم، ثم اندفعت باتجاههما، ووقفت في وجه أبي محمد، الذي توقف في لحظة وقوفها أمامه، وهدأ، لكنه أطلق وعيدا لابنه، حيث قال:

إياك أن تخرج دون إذن بعد هذا اليوم، وإلا سوف أقتلك ضربا، هل تسمع؟

ثم أدار وجهه وذهب باتجاه الغرفة.

الموقف كان عصيبا على الأم. نظرت إلى ابنها، وشاهدت الكدمات والدماء التي سالت من وجهه. احتضنته وهي تبكي، ثم حملته وأجلسته على الأريكة، وذهبت لتحضر له الضمادات وأشياء أخرى تسعفه بها. كانت تعالجه والدموع تملأ عينيها، وهي تتمتم بكلمات لا يعلمها أحد إلا هي، ربما هي أدعية، وربما آيات قرآنية، أو أنها بدأت تهذي.

محمد، ولد متفوق في دراسته، وهو ذكي جدا بالنسبة إلى أقرانه وزملائه، وذكاؤه يفوق سنه. هو مرح ويحب اللعب والضحك، ولديه ابتسامة وضحكة لا يمكن وصفهما. لكنه تبدل وأصبح شخصا آخر غير الذي كان عليه، حتى إنه تعود على قسوة والده، ولم يعد يعرها اهتماما بالغا، وأصبحت وكأنها نظام حياته الجديدة. حتى إن القسوة بدأت تظهر عليه في بعض الأحيان، إلا أن قلبه لم يتغير قط، بقي نظيفا ناصعا وطيبا.

بدأت السنوات تجري، وينقضي معها العمر، وبدأت معها المشكلات والمشاحنات. وصل محمد إلى سن الثامنة عشرة، وما زال يدرس في المراحل الوسطى، إذ إنه كان دائم الرسوب. أجبره والده على الذهاب والبحث عن عمل في السلك العسكري، وفعلا أطاعه في هذا الأمر. عمل في منطقة قريبة، في معسكر مخصص بالقوات العسكرية والدفاع. وبعد التزامه بدوامه الجديد وتفوقه فيه، مرت سنة عليه، وفي خضم انشغاله في عمله، إذ باتصال هاتفي يأتيه. ذهب ليتلقى المكالمة، واستقبلها، وكان يستمع. أغلق الهاتف، وبدأ بالبكاء الشديد.

سأله أصحابه:

ماذا هناك؟ ما بك؟ ماذا حصل؟

أجابهم والدموع تملأ عينيه:

أمي، لقد ماتت، من كانت تدافع عني، من كانت تضمد جراحي. يا ويلتاه… أمي.

صرخ بصوت عال، ولم يستطع أن يكبح دموعه الغزيرة، ولم يستأذن أحدا، وخرج من المعسكر، وتوجه إلى البيت مباشرة. كان البيت يزدحم عن آخره بالناس والجيران، والنساء في كل مكان. بدأت النساء بتغسيلها، ويلقين الأدعية، ويكبرن، ويستغفرن. وكان محمد مطأطئ الرأس، ويتمتم بكلمات غير مسموعة، حيث كان يقول:

أمي… لماذا تذهبين؟ أشعر بأن ظلاما يحاصرني من كل جانب. أمي، أنا ابنك محمد، هل تسمعينني؟ ألا تأخذينني معك؟ أرجوك، لا تذهبي.

فيأتيه صوت من الخلف يقول له:

استغفر الله، وادع لها بالرحمة والمغفرة، فلله ما أعطى، ولله ما أخذ.

كان أحد الجيران هو من يتحدث إليه، ثم أخذه إلى مكان آخر.

مرت مراسم التشييع والدفن، وغادر الناس، لكن محمد بقي بجانب أمه، يتحدث إليها، ويسألها البقاء ولو لمرة واحدة، ويسألها السماح، وينشدها الصفح والسلام، وعيناه تدمعان.

تغيرت أحوال محمد بعد ذهاب أمه المفاجئ. أصبح لا يهتم بشيء، حتى إن أباه ما زال يضربه، وقد أمسى رجلا كبيرا. أصبح لا يتألم، ولا يشعر بشيء. تعب أبوه من ضربه ونصحه دون فائدة، وحتى إخوته أيضا حاولوا دون طائل. بدأ يخرج في كل وقت، ويعود في أي وقت، وبدأ يدخن السجائر. حتى عمله بدأ يهمله، ولا يعيره أي اهتمام. يمشي كالمحطم، ورأسه إلى الأرض دائما، وعيناه الخضراوان تائهتان.

بدأت الأمراض تعتريه مع مرور السنين. شعر بأنه كبر سريعا، وفي غير أوانه. أحس أبوه بهذا الانقلاب، وشعر أيضا بالجريمة التي ارتكبها في حقه، عندما كانت لديه فرصة أن يكون عادلا معه، لكن كل هذا جاء متأخرا.

بدأ الأب يهذي أيضا بأشياء تخصه، إذ كان يقول:

ويحي، أكان علي أن أستمع إلى كلام الناس؟ كان ابني ناجحا وذكيا، لقد صنعت منه، دون أن أشعر، طفلا على هيئة خرقة بالية. والناس الآن يقولون: انظروا ماذا فعل بابنه الكبير، جعله مجنونا من كثرة التعنيف والضرب والإهمال. آه، ما أحمقني، لكن لا يفيد الندم الآن، ولا يفيد حتى العلاج. يا رب، سامحني، لقد أخطأت في تربية ابني، أستغفر الله العظيم.

بهذه الكلمات أخذ أبو محمد يتمتم، وعيناه تذرفان الدمع.

مرت السنوات، وأحوال محمد بدأت تسوء. أصيب بمرض السكري، وأصاب قدمه كثير من العطب، وقالوا إنها مصابة بالغرغرينا. بدأ يأخذ علاجات قوية جعلت جسده نحيلا جدا.

تزوج، ولم يشعر بفرح، بل أخذ الزواج على أنه شكل حياتي اعتيادي لدى الناس، وربما رغبة نفسية ملحة، ففعل ما يفعله الناس، ولم يرزق بأطفال يحملون مأساته. حتى إنه، بعد إصرار من زوجته، حاول الإنجاب عن طريق الأنابيب، ولم يفلح.

عاش حياته في مأساة حقيقية. لم يشعر بالحياة وطولها وألقها وتفصيلاتها المعقدة، ولم يكن حتى على الأرض، كان يحلق صامتا كالطير، ويزقزق همسا في كل الأزقة والطرقات.

مات محمد، وقد ناهز عمره السابعة والأربعين عاما. رحل متأثرا بمرضه الشديد وجراحاته الداخلية التي لم تندمل. نسي أن يأخذ الدواء الموصوف له في وقته، فمات متألما، ووجهه يعلوه الحزن.

أجريت مراسم التشييع والدفن واستقبال المعزين، وفي مكان العزاء كان الأب يبكي كل يوم حسرة وألما، حتى دخل عليه أحد الأشخاص، وطرح عليه سؤالا:

كيف توفي محمد، رحمه الله؟

أجابه الأب والدموع تغلب عليه:

أنا من قتله، من أهمله ورماه بعيدا عن حضنه، أنا من قربته إلى الموت ودفعته إليه. تخيل أن أجعله يموت قبلي. أليس حزينا أن يموت ابنك قبلك، وكان بالإمكان أن تهبه الحياة؟ أنا السبب، أنا السبب.

وأخذ يبكي بحرقة.

غادرنا محمد، وغادرت الضحكة الجميلة جنبات الحياة. غادرنا إلى مكان أفضل بلا شك، مصطحبا معه أمنياته وأحلامه وطموحاته التي لم يتعرف إليها أو يحققها يوما. غادر باتجاه أمه، باتجاه قبلته الأولى، باتجاه مصيره الأبدي المحتوم، تاركا خلفه ابتسامته الخضراء تلمع في زوايا المدينة، وذكريات كادت أن تكتمل لولا تحولات الحياة وقسوتها.