ذات ظهيرة

ذات ظهيرة عطشى

لا أحد يدرك متعة الجلوس على المقاعد الخشبية الطويلة الصلدة، والتي ما زالت تلمع بذلك الدهان البني رغم كثرة الجلوس، والتي لا تستطيع أن تتذكر أو تعد المؤخرات التي استقرت عليها بإهمال متعمد، تغلبك ساعات النهار الصيفية، خاصة بعد أن ظل الآخرون يذكّرونك أنك قد وصلت الستين، وأن شهادات التقدير صارت تنهال عليك نظير جهودك المثمرة ومشاركاتك الفاعلة في كثير من الملتقيات والمحافل التي لا تحمل إلا خِواء الكلمات والصور المبهرة لنهار جديد للصحف، المدن تفرض عليك ظهيرتها العطشى، وتدلك بتواطئ ديني خبيث على أحد مشاربها التي تشبه صدر امرأة ترملت مبكراً، وتكاد أن تأخذك متأبطاً بتلك المغامرة النهارية التي تحبها أن تدوم دونما أي ندم، تدلف لذلك المشرب البافاري في أطراف زيورخ، وتجوس مقاعده وزواياه التي تعشق أركانها المتطرفة أو الماثلة على نافذة تعبر بك الأرصفة، وتتبع المارين عليها بعجالتهم الدائمة، كل زواياك المفضلة ذاك النهار العطشى ظهيرته محتلة من أناس يريدون أن يتركون مشكلاتهم على كراسيها ويرحلون خفافاً نهارها، علها لا تعود مضجرة في مسائهم، تختار كرسياً أقرب لتلك الكراسي التي لا يطيقها سمان الجثث ذات الأرجل العالية، والتي هي أقرب لكراسي حلاق القرية لصبية ينتظرون حلاقة رؤوسهم قبل دخولهم الصفوف الإبتدائية، ثَمّ صدر أنثى بافارية يتحدى الطاولة الخشبية يدعوك للجلوس قبالته، فلا تريد أن تخيّب ظنه، تحاول إعتلاء ذاك الكرسي المتطاول كرجل ستيني ترك الفروسية منذ زمن، ولا عاد قادراً على امتطاء أحصنة جامحة، تعتدل في جلستك الخشبية، وتحاول أن تعطيها شيئاً من الراحة المتفق عليها بينك وبين نفسك في مواجهة زجاجات واقفة وكؤوس متدلية ووجه أنثى محمر بالعافية، ورجرجة الصدر البافاري في القميص الأبيض حين تتحرك، خاصة حين تتربع بمرفقيك على الطاولة التي شبعت من تبقع بقايا كأسات السُكر ساعات ظهيرة الصيف، من قبل عمال متعبين أو بحّارة في إجازاتهم بعيداً عن البحر، وأنت لا تريد شيئاً من هذه الدنيا ساعتها إلا متعة الحياة وأن تكون بعيداً عن الأذى أو رؤية مظلوماً أو فقيراً يدق عظمه الفقر أو شخصاً يشتهي حلوى فتقصر به اليد.

في تلك الظهيرة العطشى، تريد شيئاً يبرّد الجوف، وتريد أن تتذكر سنوات راكضة بسرعة عربات النار، تريد أن تتوقف عند أول صبية أرسلت لها رسالة وعليها عبارات منمقة بخط يشق طريقه نحو التأنق، راسماً قلباً مجروحاً، وسهماً لـ”كيوبيد” مكسوراً، كان وجهها يشبه وجه ” نجاة الصغيرة” في بداية حفلاتها الفنية التي كنت تراها في جهاز تلفزيونكم “الفيليبس” الأبيض والأسود والذي أحضره والدك بعد شقاء كدّ وتعب في معسكر المحطة والفلاح في الشارقة، ونظير أجر أشهر من العمل في جيش ” تي. أو. إس” البريطاني، يومها لم تفهم من رسالتك التي ترطبت من تعرق يديك، إلا أنك قليل الأدب، مثلما سمعت من أمها في تحذيراتها الأولية والأساسية والمتكررة تجاه الجنس الذي لا يشبه جنسها، حزنت ساعتها عليها، لأنها ستدفن في بيت، ولم تذق أول طعم الثمر الحلو المر، ومع دفع تلك المرأة البافارية بالكأس ودلق صدرها الأبيض كامل الدسم، والذي بالتأكيد ما كان لتلك الصبية التي تشبه الفنانة ” نجاة الصغيرة ” مثله، تقول: أين هي الآن؟ هل من المعقول أن تدفن المدن الناس أو تؤطرهم خارج محيطها، ولا يعدون منها وفيها أو حتى من خلالها، بعض الوجوه خلقوا للنسيان منذ وهم صغاراً.
تعود تلك الفتاة البافارية بقميصها الأبيض الذي يكوى كل يوم، وثمة نظافة واضحة فيما تحت الياقة، واعتناء بأطراف الأكمام، وتفاصيل إن غابت فضحها القميص الأبيض، كان مزموماً بحيث تستطيع أن تعرف استدارة الصدر، ورقم محيطه، وما يمكن أن تلبس عليه من قياسات، كثيراً ما يخفين النساء أرقامها وكأنها من اسرار الاستراتيجية الإنثوية، في حين كثير من الرجال يقدرون المساحات من بعيد المسافات.
تطل نادلة المشرب لتبدأ حديثاً معتادة عليه، مثل فضول مهني تخبئه في قميصها الأبيض لزبائن ذلك اليوم، وتبدأه بسؤالين يتيمين؛ إما هل أعجبتك الأجواء في هذا المشرب والمطعم؟ أو من أي البلاد أنت آت، إذا ما اختلفت السُحنة نحو السُمرة قليلاً؟ ولا تتوقع أن يفاجئها الزبون بسؤال قبل سوأليها المعتادين، معتمدة على بهرجة ما يخبئه الأبيض، والذي تعرف نضاله مع لمعة عيون الرجال، ومع سرعة تصاعد نشوة كأس الظهيرة وخاصة إن كانت عطشى.

 تقلقها بسؤال خاطف؛ هل أنت مرتبطة بقصة حب، ولا أستطيع إلا أن أبارك خطواتك؟ أم تعيشين وحدك مثلي تجالدين الحياة، ومحاولة اقتطاف وردها الملون الجميل؟ تحاول أن تكون صادقاً قدر الإمكان وأنت تتحدث عن نقطة كثيراً ما كنت تستعملها تسهيلاً لصيد ممكن، تعتدل وتفرد طولها، وتكاد أن تلقي بصدرها كلها على تلك الطاولة الخشبية التي يمكن أن أقدر عمرها بما فوق الخمسين عاماً دون حسابات عمرها أثناء الحرب العالمية الثانية، وكيف تنقلت من أيد ومن عائلات كانت تدعي بإرستقراطيتها التي لم تحترمها الحروب طوال عصور التغيرات. قالت مباشرة، وكدت اعتقد ساعتها أنها صادقة في ذاك اليوم العطشى ظهيرته؛ أنا عشت حباً جميلاً، لم يبق منه الإ فتاة نادلة في بار أحبه، وأحب الناس فيه، وطفلاً ينمو ليكتمل كأي ألماني بسرعة!
تبدو لي المسألة عادة إن ذكرت الأنثى أنها تنتمي للأمومة أن تجزّ النفس، وتشعر أنك كذئب غريب تشارك طفلها حليب صدرها!
دفعت بتلك الكأس البارّدة من عطش الظهيرة بيدها الممتلئة والتي تكاد تعد زغبها الأشقر المتنامي ببطء، تلقفت عروتها يدك المرتجفة عطشاً، لتقول بما حصل وحضر من عبارات عامة؛ ما زلت صغيرة وجميلة الجميلات! ساعتها لابد وأن ترى إحمرار في أطراف الخد، فتعرف أنها بدأت بالقبول، وإن غاب ذاك الإحمرار، فتيقن أنك تحطب في ليلة ظلماء.

استدارت وأعطتني ظهرها، وحاولت أن تشتغل بأي شيء، لاحظت أنها سحبت حقيبتها اليدوية وأخرجت زجاجة مزيل العرق، ورشت منه تحت إبطيها بحركة سريعة ومخفية، واستدارت كأنها أدت حركة في رقصة “باليه” رشيقة، وقابلتني بوجهها الواثق، وبكثير من العناد والتحدي، فقلت لها: اتدرين أن نابليون حين يغيب في حروبه البعيدة والعبثية، وحين يرجع يرسل لزوجته “جوفلين” قائلاً لها: لا تستحمي فأنا قادم بعد يومين! لم تفهم مغزى الحديث واعتقدت أنني لاحظت حركة عطر حقيبتها، وتحرجت من فعله، لكن أجمل ما يفعله المرء حينها أن يدفع الكرة في ملعبها بهدوء، لتفرح بالمتلقي، وقلت: ليس أجمل من عطر في الحياة مثل عطر جسد امرأة!
غابت دقيقة، ولا ادري ما كتبت على آلة حسابات المشرب شبه القديمة، ودفعت بكأس مثلج ومغبش بالبرودة، وقالت: هذا على حساب المحل، غير مدفوع!
شكرتها، وايقنت أن الجملة الأخيرة وصلت إلى ثنايا قلبها الذي بدأ يعشب بالكثير.
جلست محاولاً استدراج تلك الصور الباهتة من ألبوم صوري في تلك المدينة التي تسكن رأسي، والتي كانت تغفو على ندى الفجر وتفتح السِمنّ والياسمين، وبكور شجرة السدر والنبق الزخمي، وتسابق الأطفال في جمعه في مخابيهم قبل الذهاب لمدارس القرآن، والمدارس النظامية التي بدأت تظهر في اطراف الحي، وتلاقي نفوراً من الأهالي، معتبرين إياها أن تخرّب العقول!
تضحك لك نادلة المشرب، وتفكر في أزرار قميصها الأبيض، ثم تتذكر أن هناك إبطاً متعوباً عليه كثيراً، ولا يذكرك بأي شقاء في هذه الدنيا، وأنك رأيته لأول مرة أثناء التطعيم الجماعي لمرض الكوليرا في الستينيات، متخيلاً تمثالاً مرمرياً لآلهات اليونان التي تشع نورها من نور القمر.
ضحكت في خاطرك، وقلت من يجلب كل تلك الأشياء في لحظة ما، وتباعاً، ولو جلست القرفصاء في تمارين اليوغا التي تركتها مع تصلب الركب، ما أستطعت أن تتذكرها لا تجمعها في لحظة ما وسريعة، ضحكت تلك النادلة لضحكتك، مدركة أن صورة ما أضحكتك، وليتها هي، وبدأت تتغلى كأي أنثى، عرفت للتو أنها سيدة العرين، تبادلنا صوراً في الهاتف النقّال، وعناوين، وطرق مراسلات، وصورة جماعية ساعدنا زميلها الذي بلا إقامة شرعية بعد في التقاطها بشيء من الرجفة التي تنتاب المهاجر الذي بلا أوراق رسمية، لكنها كانت واضحة، ويمكننا أن نتبادلها ونتذكرها متى ما أردنا.
تتوارد على تلك اللحظات في ذاك النهار ذي الظهيرة العطشى، بعض الفتيات ذوات الفك الذي يكاد يكون علامة فارقة خاصة عند الفتيات الضعاف، يعني لا يمكن أن تخطأه العين ولا تخطيء صاحبته أنها يمكن أن تراءت لك في صباك المغُبَرّ، وفجأة تنقلك الصور المتخيلة لنساء دون أن تكشف عنهن ملاحظاً ذلك الاسوداد في أطراف “السوتيان” الذي يشبه لون الجسد، والمُشترى من محلات عامة، ولا يحمل أي علامة تدل على جودة النسيج، تظل تراجع نفسك ثمة شيء يكون مانعاً لكل مغامرة غير محسوبة، وتدفعك للتريث.

كانت تناظر باستمرار تقليب تلك السبحة اللؤلؤية المزينة بشواهد من حجر زعفراني بين أصابع يدي اليمنى، وحين ألمح عينيها ادرك أن سؤالاً يقبع في محجريهما، أزداد بتفريكها والتبرك بها، كطقس وثني تدرك تأثيره على نفس الآخر، حتى ينفذ صبرها، وتسأل عن السبحة اللؤلؤية التي غدت من طقوس الأشياء التي تحملها دفعاً لأي توتر طارئ، ولا تشعر أن إختلالاً ما أصابك إذا ما نسيتها، فتمددت حتى لامس ظهرك ذلك الكرسي الخشبي، مختلقاً حكاية مسلية، فليس من شيء يملك الإنسان مثل الحكاية التي تجبره على المتابعة والإنصات، قلت لها مثل قصة تحفظها، وتكررت معك في مواقف، ومدن كثيرة: أنها متوارثة من جد الجد، وهي منذ سنوات طوال آلت لي كجزء من وصية يرثها الأبن البكر بعد أن يبلغ الحلم، وأن اللآلي التي تزينها فهي من حاصلة الجد الأول من قاع البحر في زمن الغوص على اللؤلؤ البعيد، وبعد أن كاد أن يلامس القرش ظهره، ولولا الحيل التي يعرفها الغواصون لدخل في صراع مع القرش في ذاك القاع، ومع ذلك لم يخرج سليماً، فقد التهم القرش جزءاً كبيراً من عضلة الساق اليمنى، وكادت العضة أن تصل العظم، بعدها ترك ذلك الجد البحر، وظل محتفظاً بآخر اللآلي الذي سمح النوخذا له بالاحتفاظ بها مثل تعويض لآخر العمر، كان يمكنه أن يهديها كعقد لزوجته الصبورة أشهراً طوال السنين الطويلة في رحلات الغوص، لكنه قرر أن يشكها مسبحة يتوارثها أبناؤه إن جربوا البحردون أن يقص عليهم حكايته وحكايتها، ظلت منصتة، وربما هي تفكر في صورة ذلك الجد الشجاع الذي صارع القرش في قاع البحر، وأنه بقامة الرجال المحاربين في عصور التاريخ البعيد، ومحاولتها خلق التقارب بينه وبين هذا المربوع الجالس أمامها منذا ساعات غير مملة، راوياً أشياء تحبها، أيقنت حديث نفسها، وتربعت على ذلك الكرسي الخشبي المدهون بلون أقرب للون القهوة، واصطنعت شيئاً من الجدية، وبعض الحزن المصطنع على ذكرى الجد الأول، ورغم يقيني أن الجد الأول لم يفارق ظل نخلته أبداً في تلك الواحة التي تتوسط الصحراء، ويحوّط أطرافها جبل يختزن حكايات لا تنتهي.

إن كنت أريد مجداً فحولياً، قد أقول لكم أنني في اليوم التالي وقت إجازتها الأسبوعية إصطحبتها إلى مشرب هي من دلتني عليه، وقالت ضاحكة: هذا أفضل من مشربنا القديم! وقضينا يوماً ممتعاً، لا يُنسى، وأنها كانت سيدة المساء المتوجة من قلب شك أنه هرم من أقوال الذين ينعتونه بالستيني الذي عليه أن يتوب، لأن الرجل قد سبقته نحو درب القبر.

وإن كنت أريد تقوى آخر العمر، يمكنني أن أقول أننا التقينا كأصدقاء كل واحد منا يبحث عن الخلاص، ويبحث عن أشياء تفرح روحه، بعيداً عن دنس الجسد.

وإن كنت أريد أن أكون صادقاً مع النفس، فيمكنني أن أقول، أنها كانت جميلة في وقتها، وأنها صادقة مع إشتهاءات جسدها، وأنها وجدت توهجاً لن يدوم لرجل عابر، تتعبه المدن الباردة، وأن له حياة خجلى لا يود أن يشاركها معها، وقد يكره صبياً يشاركه حليب صدر الأم، ويكبر بسرعة كأي ألماني.

الشيء الوحيد والأكيد أنها كانت ذات ظهيرة صيف عطشى، لها تعتعة السُكر البارد، وخدر النوم على صدربافارية ترملت مبكراً، واختزنت جمالها في ذلك القميص الأبيض الذي تكاد أن تتفكك أزراره مثل دعوة مجانية آتية مع السحب الدخانية لدخول بيت الكاهنة المُعطربالرجس.