غناش-rpgpxh09gv1l3omuiaw0rux1ckovuhayw9d1uxt8co

غناش

لم تعرف أبداً لماذا أطلقت عليها أمها اسم غناش، ربما كانت في لحظة هوس غريب بالرفاهية الفرنسية والمذاق المخملي، فأمها الأرستقراطية ورثت مالاً، وثروة جعلتها تنظر إلى العالم من فوق، لم تدخل مطبخاً في حياتها ولم تمسك بمكنسة، كل شيء يأتيها جاهزاً عند الطلب، حتى الشوكولاته التي عشقتها والعطور الفاخرة، والملابس المرفهة تأتيها من باريس من ارقى المحلات، ولعل لهذا السبب عشقت غناش ابنتها الوحيدة، الشوكولاته أيضاً، وأخذت عنها رقتها ونعومة جلدها، الذي في أكثر لحظات يومها عرقاً يفوح برائحة فانيليا مدغشقر وكاكاو البرازيل.

تلك الليلة كان الصمت في غرفتها ثقيلاً حين انزلقت غناش إلى الفراش وغرقت في النوم، وجدت نفسها تقف في بهو يتمدد وينكمش مع حركة تنفسها، بهو واسع لا نهائي جدرانه والأرضية والسقف مصنوع بالكامل من شوكولاته داكنه، سميكة، لزجة، تلمع تحت ضوء قمر باهت ومريض.

خطت غناش خطوتها الأولى، فسمعت صوتاً يشبه تحطم الزجاج تحت أقدامها، لم تكن الأرض صلبة، بل سائلة متحركة، حين أمعنت النظر لاحظت أن حذاءها بدأ يغوص لا في شوكولاته، بل في فكوك لا تتوقف عن الإطباق والفتح، وتجمدت غناش في مكانها، وسرت رعشة باردة في عمودها الفقري، حين أدركت أن الأرضية تتحرك وتسفر عن ملايين من الكائنات التي تشبه النمل في لون الشوكولاته، كانت الأرجل الصغيرة تتشابك في تماسك مرعب، يحاكي قوام الغناش الذي طالما أحبته أمها فأطلقت عليها اسمه. شعرت الآن بجلدها الناعم المترف يفقد تماسكه، وبدأ في الذوبان، وتحول إلى سائل لزج وساخن، بدأت أطرافها تتلاشى، تقضم وتزال، كان النمل يتسلق ساقيها ببطء، ولكن بإصرار وقوة وتقتلع قطعاً من جسدها. ليس من دم، بل فيض من سائل أسود حلو الرائحة يتساقط على الأرض ويتغذى منه جيش النمل الذي يزداد عدداً ووحشية.

صرخت غناش، ومن فمها المفتوح خرج سرب من النمل الصغير وقد حملت كل منها ذرة من لسانها وكأنها تحمل قطعاً من الحلوى، بدأت تشعر بكل قضمة وبكل نملة تتوغل داخلها، تشعر بنشوة الموت البطيء، أصبحت هيكلاً مفرغاً، وعاءاً يملؤه سواد متحرك استيقظت مرعوبة لاهثة، راجفة الجسد وقد غطاها العرق الفواح بالفانيليا، لم تكن هناك جدران شوكولاته ولا أرضية حلوى، إنها في غرفتها، ساد صمت قصير والتقطت أنفاسها محاولة طرد صور النمل التي لا تزال عالقة في ذاكرتها.

تفقدت بعينيها الغرفة لتطمئن أنها بخير وأن ما رأته ليس إلا كابوساً، قررت العودة إلى النوم لكنها عندما نظرت إلى مخدتها جمد الدم في عروقها، فقد كانت هناك نملة واحدة كبيرة الحجم بشكل غير طبيعي، تسير ببطء وفي فمها قطعة صغيرة داكنة من جلدها، قطعة كانت قد فقدتها في الحلم.