نشرة-الاخبار_1

نشـرة الأخبار

مع إنه في السبعين الآن، إلا أن عمره الحقيقي –كما يقول ساخراً– هو عدد السنوات التي قضاها جالساً أمام نشـرة الأخبار، خمسون عاماً كاملة، خمسون عاماً من التحديق في الشاشة والاستماع إلى الإذاعة، تغير خلالها كثير من المذيعين والمذيعات الذين صار يعرفهم وصاروا جزءاً من عائلته، خمسون عاماً وهو ينتظر في صبر خبراً سعيداً، حدثاً استثنائياً، جملة واحدة تقول له إن الغد أفضل، وإن هذا العالم المسمى بالعربي أحياناً، والشرق الأوسط أحياناً، قرر أخيراً أن يبتسم وأن يعرف الفرح.

منذ كان شاباً، كان يتسمر، بعد العمل في دكان والده الصغير، أمام التلفزيون، وفي البداية كان يشاهد بعض التمثيليات والمسلسلات، ثم تركها إلى نشرات الأخبار، فقد وجدها أكثر تسلية، وأكثر دراما، مسلسل أحداثه رعب وطرافة وكوميديا سوداء، وخطب عصماء، ومؤتمرات وبيانات، يرفع الصوت عند بداية النشرة، ويخفضه لاحقاً عندما بدأت إعلانات مساحيق التجميل والألبان والثلاجات والسيارات وغيرها تزاحم النشرة، كان يعتقد أن الأخبار ليست مجرد حكايات بعيدة عنه، بل مفاتيح سرية لتغيير الحياة من حوله، وأن مع الأحداث الكبيرة بالذات يمكن أن يحدث الانفراج وتتحقق الآمال، حاله في ذلك حال الملايين من الشباب ممن حلموا وملأوا الفضاء بأحلامهم الوردية في التغيير وفي غدٍ أفضل، كان صابر ممتلئاً بالحلم، يتابع أخبار القمم العربية وخطابات الزعماء، وأخبار الانقلابات والثورات، بحماسة، ويقول لأصدقائه في المقهى: الأمة تمر في مخاض، وبعده سوف تولد من جديد. بعضهم كان يضحك ويهزأ منه، وبعضهم يؤيده، وظل وحده على يقين أن التغيير قادم.

مات زعماء وجاء آخرون، سقطت حكومات وجاءت أخرى، شرعت مبادرات واطلقت غيرها بعد حين، اندلعت حروب ثم جاءت هدنة وأخرى، ثم سلام وسلام آخر، وعندما شاهد الدبابات الإسرائيلية تغزو بيروت ورأى الدخان يتصاعد ويغمر الشاشات كلها، لم يطفئ في تلك الأيام والليالي التلفزيون، كان يشعر أن إطفاءه خيانة، وكأن المدينة ستسقط أكثر إن هو أدار ظهره، لكن سرعان ما سقطت المدينة، وحدثت تسوية، حمل عرفات ورفاقه متاعهم وركبوا البحر، وغادروا ولم يعودوا.

وكثيراً ما بكى صابر في داخله، وكثيراً ما شعر بالانكسار وأنه يهوي إلى قاع مظلم، لكنه في كل مرة يقنع نفسه أن الانكسارات ضرورية، وأن المقاومة ستنتصر، وأن الدم لا يضيع هباءً ولا يذهب سدى، ولا بد له أن يصنع حياة وأن يعطي معنى.

لم تمنعه نشرات الأخبار من أن يلتفت لحياته، وعندما تزوج وأنجب ولدين، صارت العائلة تعرف أوقات النشرات كما تعرف مواعيد الطعام والصلاة، زوجته كانت تقول له: الأخبار لن تطعمنا خبزاً، فيرد عليها: لكنها تعلمنا لماذا نجوع، ومع الوقت صار الولدان يشاهدان الأخبار مع أبيهما، أو من دونه، وعندما كبُرا، وتركا البيت بقي صابر والكرسي ذاته، والشاشة التي تبث الأخبار الآن بشكل دائم وغير متقطع، ويظهر عليها مع المذيعين محللون ومعلقون وصحافيون يشرحون لصابر الأحداث وصار هو يتسلى تسلية مرة أكثر معهم، صار يسمع مصطلحات المبادرة العربية، والتحالف الدولي، والشرعية الدولية، والضربة الجراحية. جلس مذهولاً للمرة الثانية بعد سنوات من غزو بيروت مع حدث آخر تحول إلى كابوس لأشهر طويلة حين غزت الدبابات العراقية الكويت، وحين حررتها القوات الدولية، قوات التحالف، ثم حدوث الانهيارات الكبيرة واحدة تلو الأخرى، بكى صابر، بكى طويلاً بصمت، جرت دموعه في داخله أنهاراً،  لم يكن هذا هو الصراع الذي تربى عليه، ولا الأحلام التي أغرقت أيام شبابه، وحياة جيله، شعر أن نشرة الأخبار للمرة الأولى لا تخبره بما يجري فقط، بل تعيد تشكيل ما كان يظنه ثابتاً، في تلك الفترة مات والده، لكن صابر لم يبك عليه كثيراً، فقد كان مشغولاً بتتبع أخبار عالمه وهو ينهار، بصوت المذيع الرصين، ومع تحليلات المحللين، ومشغولاً بالبكاء على أحلامه التي صارت الآن تبتعد أكثر.

لكن عندما جاء ما سمي بالربيع العربي يومها، عاد أكثر فتوة لأسابيع وشهور قليلة، شاهد الناس في الساحات والطرقات، سمع الهتافات والإعلام والشعارات، والوجوه الشابة التي تشبه وجهه قبل أربعين عاماً، وعاد متحمساً للشاشة يتابعها أكثر مما مضى، وهي تنتقل من عاصمة إلى أخرى تنقل المظاهرات والأحداث السريعة، سقطت حكومات ما كان يعتقد أنها ستسقط بهذه السهولة، رحلت جاءت أخرى، قادة جدد، قال لزوجته: هذه هي اللحظة التي انتظرناها لم ترد عليه، لم يعد لديها الثقة مما جرى ويجري. اشترى صابر دفتراً بدأ يدوّن عليه ملاحظاته ومشاعره، أشغل نفسه أكثر بما يجري من خلال الوسائط الرقمية والمنصات الإلكترونية التي جاءت لتنافس الشاشات التقليدية، يتابع عليها بين النشرة والأخرى، ما يقوله الناس، والمتظاهرون وزعماؤهم وما يقوله قادة العالم أيضاً.

ما هي إلا شهور حتى احترق الربيع، وتحول إلى رماد، الثورات تحولت إلى حروب أهلية والأحلام إلى لاجئين ومخيمات وهاربين، ومساجين، والدول مرة أخرى أثخنت بالجراح، وصابر انكفأ إلى الوراء، يشاهد الأخبار في صمت لا يغضب، لا يعلق، لا يتحمس، لا يحزن، فقط ينظر إلى الشاشة، ويحدّق فيها بحكم العادة وكأن الشاشة تسحب منه شيئاً كل مساء، شيئاً من روحه، من طاقته، من أحلامه.

في السنوات الأخيرة، ومع ما شاهده من مجازر في غزة وأطفال يقصفون ونساء يصرخن ومع الركام البشري، والعنف غير الموصوف المنقول على الهواء مباشرة من غزة إلى بيروت ومن بيروت إلى غزة، ومع الدم الذي فاض عن الشاشة، صار يعرف أن القلق الدولي لا يعني شيئاً وأن الفيتو يعني مزيداً من القتل وأن ضبط النفس ليس إلا وهماً، وأن العالم كله ينهار حين لا يستطيع وقف القتل والانتصار للأبرياء، وعندما جلس أمس أمام التلفاز وقد أكمل السبعين عاماً، خمسون منها أمام الشاشة، نظر صابر إلى انعكاس وجهه على الشاشة السوداء، فرأى رجلاً لم يعد يشبه أحلامه القديمة. تمهل قليلاً قبل أن يكبس زر التشغيل ليرى الأخبار، وجلس في صمت. لم يشعر بالهزيمة، بل بالخواء وكأن روحه قد شفطت من داخله. الآخرون انهزموا. أدرك أن حياته مرت بانتظار خبر سعيد، وأن الأخبار لم تكن نافذة للتغيير بل مرآة لعجز جماعي طويل.

في اليوم التالي خرج صابر يتمشى في الحي، سلم على الجيران وتجاذب الحديث معهم، وكانوا مثله منكسرين، ورأى سحابات حزن على وجوههم. نظر للأزقة وكأنه يراها لأول مرة، ابتسم لطفل يلعب بالكرة، اشترى كعكاً ساخناً، ذاق منه قليلاً، شعر بخفة لم يألفها، ربما فكر أن حملاً انزاح عن كاهله، فكر لم يكن التغيير في نشرة الأخبار، بل في هذه التفاصيل الصغيرة التي لا تنتظر إذناً من العالم، وفي المساء عاد التلفزيون يعمل، لكن بصوت منخفض، لم يعد صابر ينتظر الأخبار أو يسمعها كما كان، خمسون عاماً من الانتظار كافية، أما الآن وقد صار الحطام الذي نجا، قرر أن يعيش ما تبقى خارج النشرة.