
في صيف لاهب من عام 1953 نال حريته، كان يتحين الوقت المناسب لكي يخرج ركضاً إلى السارية، سارية العلم، فيتمسك بها تحت الرعاية البريطانية. كان الظلام لا يزال مخيّماً ولم تسفر أنوار السحر بعد، حين قرر التسلل من الدار في حماية العتمة وقبيل استيقاظ أهل البيت بمن فيهم العبيد، ركض فيحان بما يستطيع من قوة صوب دارة المعتمد البريطاني، وحين وصل كان الفجر قد بدأ يرسل خيوط الضياء التي خالطت حبات الرطوبة والطل، لكنه ما كاد يمسك بالسارية حتى انهالت عليه العصي ولسعات حامية من خيزرانات أفعوانية، فقد نما لعلم سيده هلال المسعودي أن فيحان قد هرب فأرسل في إثره من عساه أن يردعه قبل الوصول إلى السارية، لكن فيحان كان قد وصلها. شق عويل فيحان هدوء المكان ومزق صراخه سكون الفجر، وهو يتمسك بالسارية غير مبالٍ بلسع الخيزران على ظهره المُدمى، حتى انتبه إليه حراس الدار فهرعوا لنجدته.
– توقفوا ما هذا؟ توقفوا فوراً.
لكن حاشية هلال وخدمه استمروا في جلد فيحان الذي خالط عرقه الغزير قطرات من دمه القاني. فيحان يعرف أنها مجرد لحظات صبر ويكون حراً. فمنذ أعلن البريطانيون تحرير العبيد في دول الخليج، وحينما تقاعس السادة وملاك العبيد وقاوموا، سنَّ الإنجليز قراراً أن كل عبد يلوذ بالسارية يحظى بالحماية ويُعتبر حراً ويعطى شهادة حريته.
– توقفوا فوراً. صاح الحرس، ثم أطلقوا الرصاص في الهواء، فأخُليَ سبيل فيحان.
قال حارس لفيحان: أترك السارية الآن، لقد انتهى الأمر. وإذا تركتها؟ قال فيحان. رد الحارس: لن تحتاجها بعد اليوم، أنت حر حسب القانون وفي حمايتنا.
حين انهال الضرب المبرح على ظهره زاد تمسكه بخشبة السارية، كان يشعر أن الأصابع إن انفلتت، انفلت معها شيء أكبر من الألم. لم يتمسك بالخشب بل بإحساس غامض بالنجاة، وشعر بفراغ مفاجئ حين قال له الحارس، انتهى، وبخفة غير عادية، وبكمية من الهواء تدخل صدره نقية منعشة. شعر أن الأرض تحت أقدامه تتسع أكثر مما ينبغي.
يتذكر فيحان ذلك اليوم وقد شارف على السبعين فيقول لأولاده وأحفاده إنه كان يوم مولده، ويترحم على أمهم تفوح التي من أجلها قام بمغامرته تلك. يجلس وحيداً في فناء الدار مع حفنة من ذكريات يسترجعها كلما خلا إلى نفسه.
كان يعيش في بيت سيده هلال القريب من الشاطئ. يتذكر سيده بمحبة كبيرة، فهو رغم قسوته عليه أحياناً إلا أنه كان لطيفاً معه على خلاف الأعمام الآخرين، ولم يختلف مع سيده في شيء سوى في أمر تفوح، ولولاها لاستمر تحت كنف هذا السيد حتى يعتقه طواعية دون حاجة إلى اللجوء إلى السارية، كان فيحان أفضل خادم لدى هلال، يدخل معه البحر والغوص، ويساعده في أعمال المنزل والتجارة معاً، قال له عمه هلال: لو صبرت! فرد فيحان: يا عمي قلت لـك أريد الزواج من تفوح عدة مرات، لكنك رفضت، رد عليه عمه هلال: الزواج يا فيحان يفسد الخدم.
لا يتذكر فيحان متى صار عبداً. الذي يعرفه أن أحدهم منح أباه باروت هدية للعم هلال نظير دين له، وهكذا ولد فيحان في بيت عمه هلال وصار عبداً بالوراثة، في حين انتقل أبوه إلى سيد آخر، بعد أن قبض ثمنه هلال. كان صغيراً حين فهم أن اسمه لا ينادى كما تنادى الأسماء، بل كما تستدعى الأدوات، عاش في بيت سيده خادماً وعبداً وعاملاً نظير قوت يومه ومبيته ودشداشته وثيابه، عمه لم يكن قاسياً، وفيحان أدى وظيفته بإتقان وربما لهذا السبب صار عبئاً حين طلب ما يتجاوز العمل. الغوص علمه الصبر. تحت الماء لا يحق له أن يشكو، إن ضاق صدره يصعد. إن لم يستطع يبقى في القاع. لا أحد يراه والبحر لا يعرف الأسماء.
تفوح كانت خادمة مثله عند عوشة بنت سعيد جارتهم التي سمتها تفوح تصغيراً من تفاحة لمحبتها لها وعطفها عليها. دخلت حياته بلا إعلان. سمراء مثله شدة بياض أسنانها وبسمتها الناصعة. قالت له مرة عند بئر الماء : البحر يخيفني. قال: وأنا أيضاً أخاف البحر.
– لكنك غواص
– لهذا أخاف
ابتسمت ثم خفضت رأسها وسارت تحمل الماء ومنذ تلك اللحظة صار ينتظرها على الحليو كلما أمكنه ذلك.
الآن وقد أصبح حراً عند السارية، وحظي باللجوء والحماية البريطانية، لحين تسوية أمره مع سيده، الذي رفض التنازل عنه، إلا بشرطين: مئتا روبية. وأن يبقى عاملاً لديه. لبت عوشة بنت سعيد الطلب حباً في خادمتها تفاحة، ودفعت المائتي روبية لتشتري حرية فيحان، ووافقت كذلك على تحرير تفاحة لكي تتزوج فيحان، تزوجا في مساء هادئ بلا زينة، حظيا بعطف السيدة النبيلة عوشة بنت سعيد، التي أنشأت لهما بالقرب من بيتها وبيت هلال خيمة يعيشان فيها.
كان فيحان في العشرين من عمره حين أنقذته السارية، ومرت عليهما السنوات سريعة، ليشهد نهاية عصر وبداية عصر آخر، توقف العمل في الغوص وانهارت تجارة عمه هلال، ثم سرعان ما فارق الحياة، كان على فيحان أن يواجه حياة جديدة تماماً يعتمد فيها على قدراته وإمكانياته التي لا يملك منها الكثير غير قوة عضلاته وفطنته وصبره، رأى الدنيا تمر أمامه مسرعة صار سيد نفسه، له من الأبناء ثلاثة لم يقصر في تعليمهم حين فتحت الحكومة المدارس النظامية، فيما اشتغل هو سائقاً لباص دراسي، مرضت تفوح في آخر سنواتها، لم تشك كثيراً، قالت له مرة : هل أنت نادم؟ قال على ماذا؟ قالت على السارية، قال: لو عاد الزمن لفعلت الشيء نفسه. ضحكت ثم نامت ولم تستيقظ.
دمعت عينا فيحان في جلسته تلك في فناء داره فمسح دموعه بطرف غترته، ترحم على تفوح وعلى عوشة بنت سعيد وعلى عمه هلال، كان المساء يتسلل في هدوء، وفيحان يراقب بعينه الكليلة التي أكلها ملح البحر خيط الضوء الشاحب على الجدار فيما نسمة هواء جاف تلفح وجهه المتغضن، تذكر السارية وذات فجر لاهب ولسعات الخيزران على ظهره، وقال في نفسه: ما كان أغنانا عن السارية نركض إليها ونتمسك بها كالغريق يتعلق بقشة، إلا أنه شعر الآن وهو في هذا العمر أنه ليس بحاجة إلى الإمساك بشيء، كانت في يده لحظتها شهادة حريته التي منحها له الممثل البريطاني، التي لم يعد بحاجة إليها بعد هذا العمر، فالحرية عندما تأتي تبقى، وعندما كان صوت المؤذن يعلو في الهواء مذكراً بصلاة المغرب ومبدداً ذكريات صارت في ذمة الزمن، نهض فيحان وسار صوب المسجد وهو يذرو بقايا الشهادة في الهواء.