يأتي أول النهار في موعده، مع أول خيط للضوء. ينزل إلى العشب بخفة، يطوي جناحيه في وقار، ثم يبدأ عمله. منقاره يحفر بين الخضرة بإصرار صامت، ينقر التربة كأنه يعرفها ويشمها. يتوقف لحظة، يرفع رأسه، يتأمل، ثم يعود إلى تنقيبه.
أجلس غير بعيد أراقبه. فتنني جماله الهادئ، ألوانه الزاهية غير المتغطرسة. جميل على نحو لا يطلب الإعجاب. تاجه الريشي ينفتح أحياناً ثم ينغلق، وخطوطه السوداء والصفراء والمحمرة كأنها محاولة دائمة للتوازن بين متناقضات. يسير بخفة لا تريد أن توقظ الأرض.
في البداية كان يتوجس مني. يتوقف فجأة، يبتعد خطوة أو خطوتين، يحدّق بعينين حذرتين، فيما أبقى ساكناً لا أتحرك. ومع الأيام لم يعد يخاف. صار يقترب من موضع قدمي وهو منهمك في عمله، كأنني جزء من المشهد لا تهديداً له. صرت أخرج إليه في موعده، الذي صار موعدنا معاً. هو يسبقني إلى العشب الندي، وأنا أتبعه بصمتي.
كاد لساني أن يسميه: هدهدي. ثم تراجعت. عرفت أنه لا يحتمل القيد، وأنه إن أُسر ذبل سريعاً. كان حضوره يمنحني إحساساً خفيفاً بالحرية، فتتراجع متاعبي خطوة إلى الخلف ويخفّ ثقل الأيام.
أمضيت عمراً في طاحونة لا تهدأ. مكتب وملفات وهاتف لا يصمت، توقيع يتكرر حتى يفقد اسمه. أربعون عاماً مضت بين مراجعين وموظفين وأوراق، وبين بيت يمتلئ بالالتزامات. كنت أظن أنني أعيش، ولم أكن أسمع سوى الضجيج. وحين صار لدي وقت أوسع، اكتشفت أن في الصباح أشياء لا تحتاج إلى إنجاز.
قيل إن هذا الطائر يعرف مواضع الماء تحت الأرض. كنت أراه يحفر بثقة، فأفكر: لعلّه يعرف أيضاً مواضع العطش في داخلي. لم يكن يخطط ليومه، لكنه ينجز عمله. لا يحمل هم الغد، كأنه واثق أن الغد سيأتي. ثقوب صغيرة في الأرض تكفيه، ثم يفرد جناحيه ويطير.
صارت بيننا صداقة بلا كلام. نمضي سويعة معاً في حديقة البيت التي تضج بأصوات العصافير. يعمل بمنقاره، وأحرث أنا أفكاري. ثم يغادر خفيفاً مثلما جاء، تاركاً العشب كما كان، وتاركاً في نفسي شيئاً لا أستطيع تسميته.
وذات صباح تأخرت في النوم. خرجت مذعوراً. الحديقة هناك، الضوء ذاته، العشب ذاته، لكن الهدهد لم يكن. قلت لنفسي لعله جاء وانصرف. غير أن الغد جاء ولم يأتِ، ولا الذي بعده.
عاتبت نفسي طويلاً. تخيلته يختار حديقة أخرى، أو يفرد جناحيه ويطير بعيداً، أو تنتهي رحلته على الأرض بهدوء يليق به. ثم خفّ الألم تدريجياً. أدركت أن ما جاء ليمنحني إياه قد مُنح، وأن الصباح لا يتوقف على حضور طائر.
وفي أحد الأيام، بينما كنت أراقب الضوء يستقر على العشب، شعرت به يعود إلى خيالي، يحفر الأرض بهدوئه المعهود. لم أشعر بالفقد كما في البداية، ولا بالذنب. شعرت فقط أن شيئاً انتهى في وقته، وأن الصباح سيأتي على كل حال.
كان صديق صباح، لا صديق عمر.