على الجسر القائم فوق القناة المائية الصغيرة، الواصل بين المجمعين السكنيين الصغيرين، توقفا فجأة. أمسك بيده المرتجفة خصلة الشعر الأبيض الصغيرة التي سقطت فوق إحدى عينيها. قام بإعادتها إلى مكانها، بينما كانت هي مستسلمةً تماما لما يفعل.
كانت آثار العمر قد رسمت خطوطها على وجهيهما وفوق الجبينين. واضحٌ أنهما قد عبرا مرحلة الكهولة منذ سنواتٍ إلى مرحلة الشيخوخة. وبخطواتٍ وئيدةٍ كانا يعبران ذلك الجسر الصغير، وعن يمينهما وشمالهما كان يمر عددٌ من الذين كانوا يمارسون رياضة المشي في ذلك الصباح الخريفي المائل للبرودة.
تساءلْتُ: أيّ الخريفين أجدر بالتأمل؛ فصل الخريف الذي كان يودع ممهداً لدخول الشتاء، أم خريف العمر الذي كنت أراه أمامي بهذا الجمال الآسر؟
حاولت أن أتفادى النظر إلى الرفيقين اللذين خرجا في الصباح، مثل غيرهما من بقية الناس، يمارسان رياضة المشي في ذلك المجمع السكني الصغير، الذي يضم جنسياتٍ مختلفةً من البشر.
لم تكن ملامحهما غريبة في مجتمع يضم أكثر من مئتي جنسية، يحمل أصحابها ثقافاتٍ مختلفة، ويعتنقون دياناتٍ متعددة، ولهم سحنات وجوه لا تخطئ العين تحديد جنسيات بعض أصحابها، ويبقى الجزء الآخر قابلا لاحتمالاتٍ كثيرةٍ تتوزع على جهات الكرة الأرضية الأربع.
تأمل الرجل وجه رفيقته بعد أن رفع خصلة الشعر البيضاء التي سقطت لتغطي إحدى عينيها، تأكد أنها لن تسقط ثانية، مسح على وجهها بيده المرتجفة قبل أن يواصلا المسير. كنتُ أعبر الجسر في الاتجاه المعاكس لخط سيرهما، تفاديت النظر إلى الخلف كي لا أحرجهما.
كان هذا هو الحدث الأهم في ذلك اليوم. وكان يمكن أن يعبر ويذهب إلى زاوية من زوايا النسيان لولا أنني رأيتهما في اليوم التالي يعبران الشارع الذي يقسم المجمع السكني إلى قسمين، وليس الجسر، هذه المرة.
كانت هي تعبر الشارع الصغير ذا الاتجاهين، بينما كان هو يقف وسط الشارع، فوق خطوط عبور المشاة البيضاء، يراقب السيارات القادمة من الجهتين كي يؤمّن لرفيقته عبوراً آمنا. هذه المرة تأملتهما مليّاً، وقد أتاحت لي خطواتهما البطيئة فرصة تأملٍ أكبر.
في اليوم الثالث رأيتهما يجلسان حول طاولةٍ في مقهى من المقاهي المنتشرة في المجمع السكني الصغير، فأخذت موقعي حول طاولةٍ قريبةٍ منهما. هذه المرة أتاح لي جلوسي بالقرب منهما، مدفوعاً بفضولي، فرصة تأملٍ أعمق، فلفتت نظري النقطة التي كانت تضعها السيدة، التي ما زالت تحتفظ بآثار جمالٍ غاربٍ، بين عينيها وسط الجبهة. كان لون النقطة أحمر. تذكرت ساعتها ما حدث عندما كنت، ومجموعة من الأصدقاء، نزور شمال الهند في رحلةٍ شملت مدناً عدة، واستغرقت ما يقرب من أسبوعين.
كنا قد وصلنا إلى مدينة “شيملا” في شمال الهند عندما وجدنا الفندق الذي سنقيم فيه يستقبلنا بفرقة فنونٍ شعبيةٍ تعزف ألحاناً هنديةً راقصة، وعلى الباب تصطف مجموعة من الفتيات بأكاليل ورودٍ وأطباقٍ صغيرةٍ يحملن فيها مادة تميل إلى اللون الأصفر أو البرتقالي.
ما أن هبطنا من الحافلة المقلة لنا، حتى تقدمت الفتيات ليضعن أكاليل من الورد الأبيض حول أعناقنا، ويطبعن بإصبعهن الصغيرة نقطةً صفراء أو برتقاليةً بين العينين في منتصف جباهنا. كنا نظن أن هذا الطقس خاصٌ بمدينة “شيملا” التي تعتبر وجهةً رومانسيةً شهيرةً للأزواج، ومقصداً مفضلاً للكتاب والفنانين الباحثين عن الهدوء والطبيعة الخلابة. لكنه تكرر في كل المدن التي زرناها في الشمال الهندي بعد ذلك، دون استثناء.
بحثت عن أصل هذا الطقس فعرفت أنه عادةٌ قديمةٌ في الثقافة الهندوسية، يطلق عليها “البندي”، تعرف في الموروث الهندي باسم “العين الثالثة” أو “مركز الطاقة الروحية”. عرفت أن لها دلالاتٍ دينيةً وروحيةً وثقافية، تختلف حسب اللون والشكل والظرف الذي توضع فيه.
يرمز “البندي” إلى الوعي والبصيرة الروحية والتركيز والهدوء الداخلي أثناء العبادة، ويحمي الشخص من الشرور وفق المعتقدات الهندوسية القديمة. اللون الأحمر، وهو الأكثر شيوعاً، تستخدمه المتزوجات رمزاً للحب والخصوبة والبركة، ويصنع غالباً من مسحوق الكحل أو الكركم الممزوج بالليمون. واللون الأسود تستخدمه الفتيات الصغيرات وغير المتزوجات، ويُعتقَد أنه يدفع الحسد ويُبعد الطاقة السلبية. والأصفر أو البرتقالي يُستخدم في الطقوس الدينية، ويرتبط بالروحانية والتأمل، ويستخدمه الرجال على شكل “تيلك”، ويعني خطاً عمودياً أو علامات متوازية، أو شكل حرف U باللغة الإنجليزية، ويُصنَع من الكركم والسندور الأحمر والرماد المقدس وخشب الصندل. وهناك اللون الأبيض الذي يرمز للسلام، والحداد أحياناً، وكانت الأرامل يستخدمنه في الماضي، وأخيراً الذهبي والملون والمزخرف، الذي هو للزينة، من غير دلالاتٍ دينيةٍ محددة، ويُستخدم في الحفلات والأعراس والمناسبات السعيدة.
كانت المرأة تضع بين عينيها، وسط الجبهة، نقطةً حمراء. أما الرجل فلم يكن يضع نقطةً من أي لون، لعله أراد أن يجمع الألوان كلها في شعره الذي كان مصبوغاً بالحناء التي تراجع لونها، خاصةً عند منابت الشعر، فأصبح يميل إلى الاصفرار أو اللون البرتقالي الفاتح، وقد برز البياض الناصع من بين خصلات الشعر الكثيف.
“ماذا كل هذا الفضول يا رجل؟ سألت نفسي وأنا أغادر المقهى دون أن ألتفت إلى الرفيقين اللذين كانا يغرقان في صمت. لعلها لحظة تأمّل، أو تَفكّر، أو عودةٍ إلى الماضي، بكل ما فيه من شجنٍ شفيف.
غادرت المقهى، وعيني تلتقط صورة أخيرة للنقطة الحمراء التي تتخذ مكانها وسط جبهة المرأة، وقد بدا لي أن الرجل، ذا الشعر الكثيف، متأهبٌ لإعادة خصلة الشعر البيضاء إلى مكانها فيما لو سقطت على عين المرأة مرة أخرى.
علي عبيد الهاملي
21 ديسمبر 2025