IMG_3508-rn0x9m7d2ziulo17b3rxrbgq14tz6wa9egohpw9ojs

جنتلمان

في السابعة إلا ربعاً صباحاً، تتوقف أمام بوابة المدرسة سيارة زرقاء قديمة. ينزل منها السائق بهدوء، ويدور حول السيارة من الخلف ليفتح الباب الأمامي الآخر لسيدة، هي في الحقيقة زوجته وهو ليس سائقها، بل زوجها الذي يتولى توصيلها كل يوم إلى المدرسة حيث تعمل.

يفتح الباب بانحناءة خفيفة، فتترجل وكأنها سيدة أعمال ذاهبة إلى اجتماع مهم، أو ضيفة شرف تصل إلى حفل زفاف، لا إلى مقر عمل يومي مزدحم.

يوماً بعد آخر، لفت هذا المشهد عيون الآخرين واهتمامهم، خاصة المدرسات زميلاتها، بعد ان صار المشهد جزءاً من صباح المدرسة. الحارس عند الباب ينتظر وصول السيارة الزرقاء، والمعلمات يراقبن من النوافذ، وهمسات الإعجاب تنتشر في غرفة المدرسات وتطير في فضاء المدرسة.

قالت إحداهن: «رجل محترم».

وعقبت أخرى: «جنتلمان حقيقي».

وأضافت ثالثة: «شيء من الخيال… كل يوم يفتح لها الباب باحترام».

وهمست رابعة: «ليت زوجي مثله».

أما الزوجة المعلمة فقد بدأت تستمتع بالمكانة الجديدة التي ترسمها لها كلمات الزميلات، المعجبات أو الغيورات أو الحسودات. وهي تخفي في داخلها ابتسامة ماكرة؛ فهي تعلم أن زوجها رجل طيب حقاً، لكنه ليس رومانسياً كما يتخيلنه. كان صموتاً أغلب الوقت، لا يهتم بالمناسبات ولا بالمظاهر، ولا يفعل شيئاً أكثر من ذهابه إلى العمل وعودته. حتى شراء علبة شاي أو كرتونة بيض للبيت او ما شابه من لوازم لا يقوم به. وغير طيبته لا يملك ميزة تجعله مختلفاً، لكنه أمام باب المدرسة يبدو للجميع مختلفاً تماماً.

مع الأيام، لاحظ الزوج نظرات الإعجاب في عيون الآخرين، خاصة المعلمات، فصار يبطئ من حركته وهو يفتح الباب، ويعدل من عقاله وغترته قبل أن يترجل من السيارة، ويبتسم للحارس بثقة رجل يعرف أن الناس يراقبونه بإعجاب. وهو قد أعجبه هذا الدور. لاحظت زوجته ذلك، وقالت له ذات صباح وهي تراقبه: «شكلك داخل على فيلم أبيض وأسود، مع أن الدور غير لائق عليك»، فرد مبتسماً: «الواحد لازم يحافظ على صورته»، فقالت: «لازم تصلّح الباب بسرعة»، غير أنه لم يرد عليها، ونزل مسرعاً ودار حول السيارة ليفتح لها الباب كعادته.

في الصباح التالي، توقفت السيارة كعادتها أمام المدرسة، لكن المحرك أصدر صوتاً خشناً ثم انطفأ تماماً. حاول تشغيلها مرة ومرتين، إلا أنها أنَّت وزمجرت أحشاؤها ولم تشتغل. جاء الحارس مسرعاً وقال للرجل: «علينا دفعها بعيداً عن باب المدرسة»، ونادى أحد المزارعين لمساعدته.

نزل الرجل بسرعة، ودار حول السيارة المعطلة هذه المرة، وفتح الباب لزوجته بحركته المعتادة التي حفظتها المدرسة كلها عن ظهر قلب، لكن المرتبكة اليوم. ترجلت الزوجة وعدلت عباءتها، وقالت بضيق حقيقي مخاطبة زوجها: «الحمد لله خربت أخيراً. يمكنك إصلاح الباب الخربان بالمرة… اللي حابسني كل يوم».

ساد صمت، ورمش الحارس بعينيه غير مصدق، بينما عيون المدرسات تراقب المشهد من النوافذ، وترى الحارس والمزارع والزوج يدفعون السيارة بعيداً عن المدخل.

قالت إحداهن: «الرومانسية أصابتها عين».

وردت أخرى: «حاشا لله… ليس منا. ومع ذلك، لا يؤثر هذا في أنه رومانسي وجنتلمان».

قال الحارس مندهشاً: «الباب خربان؟»

فأشارت الزوجة إلى الباب قبل توجهها إلى داخل المدرسة: «ما يفتح من الداخل من زمان».

رد بدهشة: «يعني كل يوم الأستاذ ينزل يفتح لك الباب لأنه فعلاً لازم ينزل؟»

أخفضت الزوجة رأسها في طريقها إلى الداخل وهي تخفي ابتسامة خفيفة، بينما تنهد الرجل وقال للحارس: صار لي أربع سنين أصلّحه من دون نتيجة.