RIDE

يشاركوننا ركوب الحافلات مجاناً

منذ أن كانت الحياة في ربوع الأحياء الشعبية مرتعاً للعب الأطفال؛ لأن الحي الشعبي وبشكل اعتيادي يشكل هذه المساحة من ذاكرة (عمران) أحد أبناء الحي هذا، فهو جزء من الحياة الشعبية التي يعيشها آنذاك، فمن الطبيعي أن تكون ذاكرته قد انسجمت مع هذا المحيط، وفي الحقيقة الحياة الشعبية مغرية جداً، وتطلعك على العديد من البشر الذين يعيشون في كنفها، كل له طابع معين، بعيدين عن ما يكونون عليه من سير في الحياة نفسها، هذا ما دفع (عمران) الذي نشأ في الحي الشعبي هذا ليستغلها بنحو مجزٍ، فهذه التركيبة الوحيدة التي سمحت له أن يراهن على الحياة البسيطة وقلبها رأساً على عقب في ممارسة هوايته المفضلة وهي قيادة دراجة نارية اشتراها له أبيه، فأخذ يتباها باقتناء هذه الدراجة النارية، وأنه أصبح عليه أن يمارس هذه الهواية علناً، وبشكل فج في أن يسرع بدراجته النارية ويخترق الناس المتواجدين على المقاعد الطينية وهم يتبادلون أحاديثهم وأحياناً يشتم المارة ويزعجهم بدراجته بأن يعفرهم بالتراب من خلال عجلات الدراجة، فتصبح الدراجة جزءاً من منظومة عامة لمشاغبته وتهكمه على من في الحي، ولأنه يعرف أن لا أحد من الموجودين لديه دراجة نارية، فهو الوحيد الذي لديه، ويحلو له المرح بها في كل مكان، وبهذه الطريقة استطاع أن يبرمج نفسه على أنه جزء متمم لفعل تام في تقصي الحركات البهلوانية المسرعة من خلال هذه الدراجة التي تحدث صوتاً مزعجاً، بهذه المشاغبة التي امتهنها (عمران) عد نفسه مسؤولاً مباشراً عن تزعمه القوة، فعندما يقدم من بعيد تسمع أزيز الدراجة كأنها جزء من لحظة مواتية للانقضاض على المارة وتفريقهم، وتأتي هذه اللحظة على مقدرة من قدرة واعدة لشل حركة الناس، وأنه هو المسيطر على المكان ومن حقه أن يحدث هذا الضجيج، كل الناس عندما يقبل من بعيد يقولون: «عمران جاء.. عمران انصرف» من خلال سماع صوت عادم دراجته الذي يرن بقوة ويسمع البعيد، بهذه الطريقة عُد (عمران) جزءاً من فعل على الحي الشعبي أن يتقبله، فلا أحد يوقفه مطلقاً في هذه المشاغبة التي كوّنها هو لنفسه، وهذا التحدي الفج، أصبح الكل يخاف من هذا التصرف، وكأنه جزء من عدم رغبته في فترة وجيزة في أن يسطو على كل شيء محدد، فهو شخص عنيف، وعنفه صاحبه امتلاكه دراجة نارية يجول بها ثنايا الحي الشعبي ويزعج بها السكان، مع مرور الوقت أصبح من في الحي الشعبي يلاحظ أن (عمران) قدرته تفوق تصوراته يملك جسماً قوياً وجباراً ولن يوقف هذا التحدي حتى هو شخصياً، لديه هذا الاعتقاد الذي تسرب له أنه جزء من قدرة غير عادية يتملكها، وخاصة عندما يعتلي دراجته النارية تجد أن الفضاء خط له وكأنه هو، وتحول مع هذه السرعة الجنونية التي ينطلق بها على الأرضية الترابية يعفر التراب على الجميع، ويضحك وهو يقوم بهذه السرعة واختراق التراب ويعفره على من يصادفه في طريقه، ومع قعقعة الدراجة النارية قام بكل قوة وعفر التراب ككتل على وجه (سعيد مؤمن) وهو شاب في سنه حمطاوي اللون ذو بشرة داكنة تنال أقدامه الأرض ويستجاب لها كلما حاول أن يسير مع أن (سعيد مؤمن) تماسك نفسه عندما أصابته زخات التراب القادمة من عجلات دراجة (عمران) إلا أنه قرر التصدي لنزوات (عمران) هذه، فأوقفه قائلاً له:

ـ ما هذا…؟!

عمران لم يستجب له بل عاود الكرة مرة أخرى ورش (سعيد مؤمن) بالتراب حتى أن كل ملابس (سعيد مؤمن) أصبحت معفرة، فعاود الكرة وبكل قوة وتصاعد صوت الدراجة النارية بشدة وعادمها الفذ ينفث كل هذه الأشياء بكل سرعة رد (سعيد مؤمن) عليه:

ـ ماذا تفعل؟!

رد عمران وهو يعلو دراجته النارية:

ـ الذي تراه لا شيء سأدفنك بالتراب.

فعلاً انعطف عمران بدراجته بانحناءة سريعة وبكل قوة سحبها بسرعة فذة وأخذ يعفر التراب على ملابس (سعيد مؤمن) وجاء التراب بشدة على وجهه فأسرع (سعيد مؤمن) وأمسك بمؤخرة الدراجة وسحبها ناحيته فانقلب (عمران) من عليها وبين الشد والجذب طرح (سعيد مؤمن) (عمران) أرضاً وأذاقه التراب، كان الجميع يشاهدون كل هذا الذي يحدث أمامهم، وتحت الانفعال الصادم من قبل الجميع كيف بشخص بائس من سكان الحي أن يتجرأ ويطرح (عمران) أرضاً؟ كل هذه المشاهد المذهلة كانت تعد نوعاً من عدمية الوجود والتردد التي قد تصيب الجميع، وهم يشاهدون (عمران) معفراً بالتراب وأقدام (سعيد مؤمن) فوقه وهو يصرخ:

ـ إن أعدتها سأفعصك..

هذه الكلمة أعلمت الجميع أن (سعيد مؤمن) ليس بهين، وأنه أسكت الجميع بهذه الجرأة وهذا الإقدام، وأنه تحدى عمران وانتصر عليه، هذه الأحداث وهذه المشاهد ما كانت أن تحدث لولا أن (عمران) استهان بمن حوله، الحياة قد تؤكل في غضون التحرك نفسه إلى عراك أو منازلة بين خصمين، ولكن (عمران) كان يؤمن بأن القوة في الجبروت الذي يملكه هو لا غيره، عندما فاق (عمران) من هول الصدمة والتي انتصر فيها (سعيد مؤمن) بهيكله الأسمر المدبب وملابسه الرثة عندها ظل (عمران) في تساؤل تام طوال اليوم هل استطاع أحد في الحي الشعبي أن يجثم علي ويثبتني بالأرض؟ إذاً هو قوي، عليّ أن أثأر لكرامتي إذاً، فنفض ملابسه ورفع دراجته النارية ثم نظر إلى (سعيد مؤمن) بتحدٍ وقال له:

ـ نريد أن نتعارك معاً مرة أخرى وأمام الجميع.

ظل (سعيد مؤمن) في مكانه ونظر إليه وهز رأسه موافقاً، وفي اليوم التالي تقابل الاثنان أمام دكان (إسماعيل ميشو)، هذا الدكان مشهور الكل يرتاده هناك، البعض يتسلى في العادة بشراء مشروب بارد ساعة الحر فيصبح كأنه قطعة ثلج تسري في الحلقوم، والمتعة التي يحسها الجميع هي أن (إسماعيل ميشو) يعد جزءاً من المكان نفسه وفتح دكانه لكي يصبح محطة للشراء والجلوس، وعلى ضوء هذا انقلبت المسائل هناك في محاولة من كل الناس في الحي الشعبي لمشاهدة (عمران) يطلب منازلة (سعيد مؤمن) أمام الدكان الساعة الرابعة والنصف قبل المغيب، حضر كل أبناء الحي وحضر كل من (سعيد مؤمن) و(عمران) وترجل (عمران) من دراجته وتم النزال وبشكل أسرع وانتصر فيه (سعيد مؤمن) وركل رأس (عمران ) مؤكداً هذه المرة أحقيته في الانتصار عندما جعل (عمران) يسف التراب على وجهه ويلعقه وتغيرت هيبته وأخذ نفساً عميقاً من فمه وهو يصرخ «اتركني .. اتركني» بعد أن وجد نفسه قد أصبح نزيل الأرض وبعد أن كان في الماضي يجيد فن التجمهر والتحرك في مناطق الحي الشعبي ويراهن على قوته ودراجته ذات الصوت الصاخب أصبحت المسألة الآن مسألة حياة وهي الدفاع عن النفس وهي التي لا تعيد أي شيء، ليصبح كل شيء قابلاً للتحرر من مكانه بالرغم أن الناس في الحي الشعبي شاهدوا هذه المحاولات من (عمران) أنه شخص قوي وأن (سعيد مؤمن) ليس إلا جرادة صغيرة، ولكن الناس في الحي غلب عليهم التهكم في مشاهد عراك انتصر فيها شخص ضعيف على شخص قوي متفوقاً على خصمه، هذا السؤال الذي أرّق الكثير بمن فيهم (عمران) نفسه كيف يغلبني هذا الضعيف؟ حتى أصبحا صديقين، بعد هذا العراك مباشرة أصبحا يتجولان معاً ويركب (سعيد مؤمن) خلفه الدراجة والناس في الحي الشعبي يشاهدون كل هذا وهم يقولون:

ـ سبحان الله.. يا مغير الأحوال.

فعلاً تطورت علاقة الاثنين حتى أصبحا يتجولان سوياً على الدراجة النارية ويعبران الحي الشعبي بشكل رئيسي وكأنهما امتلكا هذا الحي والناس مصوبة العيون عليهم يشاهدونهم بكل صراحة وهم يعبران أمام دكان (إسماعيل ميشو) حتى كبرا وأصبحا موظفين في مؤسسات متفرقة وأضحت هذه الجولات نوعاً من الذكريات، أما (عمران) فقد أصبح موظفاً مرموقاً في مؤسسة مرموقة جداً، وأصبحت صوره بارزة في الصحف، أما (سعيد مؤمن) فقد عمل في دائرة كلها موظفين من مختلف الجنسيات هو واحد منهم، يدخل كل صباح ويصادف مجموعة منهم منتظرين مديرهم (فجر) المتجهم بالترحاب، هو لا يلقي عليهم تحية الصباح بل يبادر بإلقاء نوع من النكات السمجة ويتصنع خفة الدم وهو يعبر الممر الطويل بعد أن ينفرج أمامه الباب الزجاجي وتلحق به سكرتيرته (هند) ذات القامة الفارعة والخدود النضرة وشعرها يطير وهي تتحرك خلف المدير الفذ هذا، عند عبوره الممر الطويل يصادف موظفيه فيركل باتجاههم كراسي الحضور بكل عنفوان ولا يسلم على أحد بل يصيغ لنفسه هيبة اقتبسها من مشاهدته المسلسلات المنزلية، ولهذا تجد أن لباسه عبارة عن خرقة بيضاء اشتراها من محل مرموق ويوضع عليها ماركة متزينة للمحل نفسه، يحمل شارباً يملأ وجهه حتى سقط على لحيته الكثة السوداء اللون، يمتلك قدراً غير طبيعي في شم ما يحيط من حوله من أطعمة فيطلبها لنفسه، ظل (سعيد مؤمن) ينظر إلى هذا الشخص المدير الذي يعد نفسه جزءاً من برنامج يومي يشاهده هو ولا يحسه إلا هو في سير اليوم المرسوم له الذي يعمل به، في هذه المؤسسة أيقن أن المؤسسات من هذا النوع والتي يكتنفها نوع من هذه الصلافة تسقط من خلال مديرها، فهو القائد وهو الذي يسيّر أمورها ولهذا كان (سعيد مؤمن) يحس في قرارة نفسه أن هذه النوعية من هؤلاء الرجال هم جزء مكمل لواقع مميت لا طائل للحياة فيه، لكن الحياة هي جزئية متممة لمنحنى قد يقودك أن تقبل به لذاته، ولكن لا أحد يعترض من الذين في المكان فهم في الأساس موظفون، فالحياة لديهم قائمة على طاعة الأوامر، لهذا فضلوا كلهم استقبال مديرهم عند دخوله المؤسسة وإعطائه نوعاً من التمائم في أنه هو الملك، وأن المكان لا يدار من دونه، هذا الانطباع الذي ظل يشاهده (سعيد مؤمن) طيلة يومه في العمل، لا شيء يكمن في تفصيل المسائل على أنها محاولة من أحد، إذاً عليه أن يحقق للحياة مشية أخرى هو يكنها ويسير على منوالها، ولكن (سعيد مؤمن) كان طيلة يومه يحس أن هناك خللاً يكمن في مدير المؤسسة نفسها وفي تجبره واستعلائه، لهذا كان مكلفاً طيلة عمله في كتابة المحاضرات ويقوم بإلقائها على الأهالي من سكان الأرياف، ويستقل عند ذهابه إليهم سيارة النقل الخاصة بالمؤسسة التي تظل تتمايل به وهو ذاهب إلى حيث الأهالي هناك، عند وصوله إليهم يأخذ بإرشادهم في كيفية الصوم عند انصرافهم من عنده، ويوماً يصومونه عندما تصبح المجرة في طريق التبانة في خط واحد، عندها سيحسون أن المطر يهطل سريعاً عليهم وهم نيام، وحثهم في محاضراته أن لا يضربوا أطفالهم عند مشاهدة الفجر أو لحظة بزوع الشمس عند الغروب، وإن رأوا ديكاً يدبك عليهم يربونه بعناية قبل أن يطير ليقف على الزريبة مترنحاً مع الشروق لأنه يؤقت للفرج، بإمكانهم أن ينحنوا عند مرور الهواء الناعم عليهم، فالجوع جزء من الحياة، فهو قدرهم، عليهم حين إذ، إن يكنوا له الاحترام، فهو فريضة المستسلم، وأن يكونوا على استعداد دائم على تقبل التذمر فهو جزء من مشيئة تواجدهم في الريف، كلها مشاهد تحرص المؤسسة على أن توصلها إلى الأهالي وتشحذ هممهم في إضاعة الوقت على ألا يلجأوا إلى أسلوب التذمر فهو مضر بصحتهم، وعلى الواحد إن ظل كما هو، ظل الأهالي منصتين للمحاضرة التي يلقيها (سعيد مؤمن) وهو في قرارة نفسه أن الذي يصل للأهالي هو نزر يسير من سياسة عامة تعيد الحياة إلى مسار ناعم يفوق أي جزء من التفكير، ظل (سعيد مؤمن) يمني نفسه على أن يكون في ثنايا المكان ويشارك الأهالي النقاش وهم يسألونه ما معنى أن يظل الإنسان في قمة يومه أجاب بشكل مقتضب قائلاً:

ـ الحزن قد يأتي دوماً إنما الذي يأتي هو السهر أثناء الحزن.

 ظل يزور الأهالي وهو في قمة أناقته ليعطي انطباعاً أن كل شيء يفوق الخيال في المدينة وأن الهبة تأتي مع إنسان حاول يسوق نفسه للفرح، وكان عندما يعود إلى المؤسسة يجد مديره (فجر) بهيئته الصلفة كاشح الوجه وقد أخذ يشرب الشاي المغلي الذي تقدمه له سكرتيرته (هند)، يحتسي الشاي بشراهة ويتبع شربه هذا أكله الفجل الأحمر يقضمه بلحيته الكثة، وبنهم يغترف الحلوى الداكنة المغموسة بالزيت الموضوعة في الوعاء الرصاصي المفلطح، أخذ (فجر) يغرس أصابعه بعناية في الحلوى التي أمامه، في ظل كل هذه المصوغات يسأل (سعيد مؤمن) قائلاً:

ـ ماذا صنعت اليوم..؟!

أجاب سعيد مؤمن:

ـ ألقيت محاضرة عن أساليب إضاعة المياه وشربها..

نظر إليه (فجر) وأشار عليه أن يحفظ المحاضرة التي ألقاها في الملف الذي أمامه في الدولاب، سار (سعيد مؤمن) ناحية الدولاب ووضع المحاضرة التي ألقاها على الأهالي في ملف للحفظ ثم أطبق الملف وعاد إلى الباب نظر من شق الباب وجد (فجر) قد اعتدل في جلسته وصب كاساً ملائماً له بينما السكرتيرة (هند) أخذت ترتجل مقالاً كتبه (سعيد مؤمن) عن معنى أن تكون هنا قالت (هند):

ـ سوف احفظه في الملفات التي في الدولاب.

أشار عليها بالإيجاب في أن تضع المقال في الملف لطباعته في كتاب باسمه، فقامت (هند) بوضع المحاضرات التي ألقاها (سعيد مؤمن) في نفس الملف الذي أوصاها إياه مديرها (فجر).

خلال أسابيع امتلأت القاعة في المؤسسة بالمدعوين في مؤتمر صحفي أغلبهم من الصحفيين جلهم مهنيون، وجلس المدير (فجر) متعجرفاً كعادته مستعرضاً جزءاً مما يحسه من مطاردة الوقت، وحلمه في أن يصبح هذا الوقت الذي يجده في المؤسسة ويعده جزءاً من وجوده من الصباح حتى المساء يحاول أن يحقق شيئاً سامياً سيناله الجميع في المكان، بعدها أخرج كتابه ولوّح بنسخة منه إنها مجموعة محاضرات كتبها، وقال إنه يسعى أن يؤسس محوراً لتلقيح الزهور قبل أن تتحول إلى ثمر مستقبلاً، وأن يفتح في فناء كل مدرسة جزءاً من مختبر للتجارب في إزالة القتامة من الحياة، فعلاً حيّاه كل الحضور على هذا الطرح فيه كل شيء، وموجود في كتابه عبارة عن مجموعة محاضرات ألقيت على الأهالي في الأرياف، وقال للحضور:

ـ لقد كانت الاستجابة من الأهالي على تواجده، وليصبح شخصاً جيداً عليه أن يشتبك مع واقعه على أنه هو من يصنع الواقع ويرضى به، وأن الذي يحصل في الموجودات هو أنه لا يستطيع أن يجازف في حلم أنه واقف الآن في القاعة بعد قدومه من بين الأهالي في الأرياف، وذكر في حديثه أن كل همه أنهم ينسون ما يحتويه يومهم من هم.

لكن السيد (فجر) زعم أن الحياة تأتي إليه يومياً وتطرق بابه لتجده مستريحاً في مكتبه ولا يهدئ مطلقاً، ولوّح بكتابه وإلى جواره السكرتيرة (هند)، وذكر متبجحاً أن الكثير لا يعبأون بالحياة وتقلباتها، وأنهم لا يصنفون في أن الريف هو جزء من امتداد المدينة، ولا أحد عنده هذا الإحساس غيره، هذا التماس الذي ذكره (فجر) جعله محط أنظار الحضور وهم يسوقون الأمثلة على اهتمامه بالبعيد، وتم توزيع الكتاب على الحضور عندما تصفح (سعيد مؤمن) الكتاب وجد أن الكتاب عبارة عن مجموعة المحاضرات كان قد كتبها وألقاها هو على الأهالي في الأرياف، وأن (فجر) سطا عليها ونسبها لنفسه حاول أن يقلّب الكتاب بشكل أسرع وصرخ بعدها في القاعة وأمام الصحفيين: «إنها محاضراتي إنها ملكي هذا اللص سرقها»، سمعت (هند) صراخه فأرسلت رجل الأمن إليه فكبله وطرده رماه إلى خارج القاعة، شعر (سعيد مؤمن) أن الأمر مدبر من (فجر) وأن الممر اللولبي سيقوده إلى حيث المكاتب المنكفئة على نفسها ذات اللون القرمزي، وأن الأبواب الزجاجية المؤدية إلى المكاتب هي عبارة عن طريق طويل عليه أن يجتازه ليصل إلى مكتب (فجر)، واقتربت منه مجموعة من الحواش الفعلية للمكاتب الإدارية خالية من الموظفين سار في محاذاتها حتى وجد نفسه ملاصقاً لمكتب (فجر) انتظره حتى انتهى من المؤتمر الصحفي وشاهد (هند) وهي تلحق به وهما يدخلان المكتب انتظر قليلاً واندفع ناحية مكتب (فجر) وطرد هند منه، قائلاً لها: اخرجي لدي حديث خاص مع المدير.

خرجت مباشرة هند من المكتب، أوصد الباب وسمع صوت مفتاح الباب وهو ينغلق عليهما حتى أصبحا وحيدين بالمكتب وجهاً لوجه، عندها شعر فجر بالخوف وشوهد شنبه الكث يعلو شفتيه وعيناه تخرجان من أنفه، بعد أن اعتراه الخوف سأله فجر:

 ـ ماذا تريد؟!

رد سعيد مؤمن:

ـ أريد أن أصفي حسابي معك.

ظل فجر ينظر إليه بجزع:

أهدئ ماذا تريد؟

ـ تسرق جميع محاضراتي وتنسبها لنفسك وتنشرها في كتاب باسمك ماذا تسميها؟

ـ أهدئ دعنا نتفاهم.

رد سعيد مؤمن:

ـ ليس لدي شيء أتفاهم حوله.

استولى الخوف على (فجر) حقاً وصعد وتكور شنبه فوق أنفه من خوفه تصبب عرقاً عندما تحول (سعيد مؤمن) إلى وحش كاسر وكور قبضته وصوبها نحوه عندها سقط (فجر) على طاولة المكتب وأخذ يستنجد بالسكرتيرة (هند).

ـ هند.. هند الحقي عليّ…

حاولت (هند) أن تنقذه خاصة عندما سمعت الصخب، حاولت معالجة الباب تريد نجدته، كان كل شيء قد أصبح في قمة عدم السيطرة، (سعيد مؤمن) لم يتمالك نفسه وهو يضع مديره (فجر) تحت طاولة المكتب وأنفه قد وصلت إلى السجادة وقد أخذ يدعكها بالسجادة حتى دميت ثم سحبه حتى أوصله إلى الكرسي الكبير، كرسي الجلوس الذي بجوار المكتب عندها جثم على صدره أخذ (فجر) يصدر أصواتاً فيها ويستنجد بالخارج ويطلب النجدة، بينما ظل مفتاح الباب معلقاً على ظلفة الباب و(هند) بالخارج في محاولة منها لفتح الباب عليهما، حاولت بشدة بعدما سمعت استنجاده لكنها عجزت، وبعد هنيهة فتح الباب وخرج (سعيد مؤمن) من مكتب (فجر) منتشياً بعد أن انتصر وأنجز ما وعد به نفسه أن يثأر لها، عندما دلف من باب المكتب وجد أمامه حشداً كبيراً من الموظفين يراقبون الموقف، وعدداً قليلاً من الصحفيين الذين قد حضروا المؤتمر الصحفي عند الصباح متواجدين هناك، نظر إليهم (سعيد مؤمن) ثم انصرف، قال لنفسه: «لقد انتهى كل شيء كان لا بد أن يعترف أنني أحب الحياة وهي تسير كما هي»، أغلق باب المكتب، عندها اندفعت (هند) لتجد مديرها (فجر) غارقاً في أنينه تحت مكتبه وقد تشققت ملابسه من شدة الضرب، عندها سار (سعيد مؤمن) واخترق الممرات الطويلة سار عبر الردهات كان البلاط يعكس ظله وهو يسير فوقه سار حتى وصل إلى حيث الباب الزجاجي المؤدي إلى خارج المبنى فتح الباب أمامه وواجه أمامه الحديقة الملاصقة للشارع تقدم نحو الشارع سمع صوت الباب الزجاجي وهو ينغلق من خلفه دخل أنفه هواء صادر من الشارع معبأ عوادم السيارات وسمع أصوات المارة وهي تعبر الشارع تقدم وتقدم حتى وجد أمامه سيارة أجرة أوقفها واستقلها، ظل المبنى الذي قدم منه يتضاءل من خلفه ويصغر ويختفي والسيارة التي استقلها تسير.