0.0phot copy

يسير معنا

في السنوات الأخيرة صرت استيقظ على الموت، أكثر مما استيقظ على أي شيء آخر، عندما ألتقط الهاتف صباحاً أجد رسائل صباح الخير، ويسعد يومك من بعض المعارف، فأعرف أنهم ما زالوا أحياء، أو صورة لفنجان قهوة، أرسلها متقاعد مثلي يعتقد أن العالم مهتم بما يشربه الناس صباحاً. لكن لا يمر يوم أو يومان في الأسبوع، من غير أن أجد رسالة: انتقل إلى رحمة الله، أو توفي صباح اليوم، ثم تكتمل الرسالة بموعد صلاة الجنازة والدفن وبقية المعلومات. في البداية كانت هذه الرسائل تخص كبار السن من الأقارب والأباعد أو الجيران القدامى، ثم امتدت إلى زملاء الدراسة وأصدقاء الطفولة ثم إلى أشخاص كنت أظن أنهم أصغر من أن يموتوا. قلت لنفسي: الموت صار أكثر نشاطاً، إنه في الأنحاء والجوار. أدركت مع امتداد العمر أن رصيدي من المعارف قد ازداد كثيراً، فكل عام أضيف عدداً جديداً، مع هذه الزيادة، ازداد عدد الراحلين أيضاً، وكثرت أخبار الذين يشملهم الموت، وتتخيل للحظة كيف يمكن أن يكونوا قد ماتوا، فمع العمر لا بد أن تظهر عليهم أعراض الموت، على شكل عجز وكسل وقلة حركة وانعدام الرغبة في الحياة والأمراض التي جعلت وجهتهم المفضلة العيادات والمستشفيات وزيارة الأطباء، مع شعور يتفاقم بأنه لا فائدة، إذ في النهاية صرعهم المرض أو الشيخوخة وانتهوا إلى الموت.

لذلك صرت وقصص الموت في تآلف. أقصد لم يعد يرعبني كما كان في شبابي، نعم أتأسف وأحزن لفقد أحدهم رحل مبكراً إثر حادث أو مرض خبيث لم يمهله طويلاً، في مقابل شعور بشيء من الارتياح غير المعلن لرحيل آخر قضى سنوات على فراش المرض حتى انتهى إلى الموت السريري، أو آخر دخل في غيبوبة لم يستيقظ منها، مثل هؤلاء أترحم عليهم بلا حزن حقيقي، لأنهم في الحقيقة رحلوا منذ زمن ولم يعد باقياً سوى دفنهم، وهذا ما حدث في النهاية.

في النهاية سنموت، أنا وأنت وهم، جميعنا. الفقير المزارع راكب البغلة صباحاً في طريقه إلى مزارع البصل في أقصى قرية في كيرالا، أو الغني راكب الرولز رويس في المقعد الخلفي الوثير في طريقه إلى مكتبه في أعلى برج في نيويورك، لا يوجد طريق آخر للحياة سوى هذا الطريق. هذا ما تقوله الأساطير والحكايات والأديان، وتقوله الطبيعة، ويقوله التاريخ والناس. الناس تعرف هذا لكنهم يميلون إلى التناسي أو التجاهل، وكأن هذا التجاهل سوف يحميهم من الموت.

ومنذ أيام وصلني صباحاً خبر وفاة صديق قديم لم أره منذ، لا أتذكر متى. حدقت في صورته المرفقة مع الخبر طويلاً. رجل مسن لكنه يبتسم للكاميرا، حاولت أن أتذكر آخر لقاء بيننا فلم أستطع. بدلاً من ذلك عاد إلى ذاكرتي مشهد بعيد: كنا صبيين نركض خلف كرة في ساحة ترابية في الفريج، كان يسبقني دائماً، ويضحك كلماتعثرت، ظل المشهد حاضراً أمامي للحظات ثم اختفى، وعادت صورة الرجل المسن على شاشة الهاتف. أغلقت الرسالة وأنا أفكر أن ذلك الصبي الذي كان يركض في الساحة اختفى منذ زمن بعيد، وأن الرجل الذي في الصورة لحق به الآن.

الغريب أننا لا نتذكر أو نعرف الموت إلا إذا التحق به أحدهم ممن نعرف أو يعرفنا، أما موت الآخرين وهم كثر ويحدث يومياً بالآلاف فلا نتذكره ولا نتوقف عنده، فهو مجرد صور يبثها التلفزيون وتنقلها وسائل التواصل الاجتماعي، صور معلقة على جدار الذاكرة، صور تكفينا من مؤونة الموت، لكنها لم تعد ترعب أو تخيف أو تحرك المشاعر، كأنها شريط في فيلم سينمائي عابر. كل هؤلاء البشر ماتوا وغيرهم سيموت، وسيولد آخرون أيضاً ليموتوا في النهاية لتستمر الصور معلقة على الجدار.

وهذا زميل عرفته منذ أربعين عاماً، جاءني أمس خبر وفاته فتذكرته. لقد ظل اسمه مألوفاً في ذاكرتي مثل قطعة أثاث تراها كل يوم فلا تنتبه إلى وجودها إلا عندما تختفي. حدقت في صورته المرفقة مع خبر وفاته الذي وصلني على أحد جروبات الواتساب، كان هو أيضاًُ يبتسم. فكرت أن أغلب الذين يتم نعيهم يبتسمون في الصور كأن المصورين يتآمرون مع الموت على إخفاء الحقيقة، أو كأن هؤلاء الموتى يسخرون من الأحياء، فجأة خطرت على بالي فكرة غريبة: لماذا لا أتسلى بإحصاء من أعرف، الأحياء في قائمة والأموات في قائمة أخرى؟ أغلقت الهاتف وأحضرت ورقة وقلماً وبدأت أولاً اكتب أسماء الموتى الذي عرفتهم في حياتي، سواء أقارب أم أصدقاء، أم زملاء أم مجرد معارف. ظننت أن الأمر لن يستغرق أكثر من دقائق، لكن الوقت طال، فكل اسم يستدعي اسماً آخر: هذا زميل دراسة جر وراءه زملاء عدة، وذلك جار قديم، وما أكثر الجيران القدامى، وهذا صديق جمعني وإياه أصدقاء آخرون لا بد من تسجيلهم، وهذا مدير عملت معه كان يصرخ في الجميع ثم مات بهدوء بلا صراخ.

امتلأت الورقة سريعاً، فأحضرت الورقة الثانية والثالثة. مع كل اسم كنت استعيد وجهاً أو ضحكة أو حادثة صغيرة نسيتها منذ عقود. شعرت كأنني أنبش مدينة مدفونة تحت الرمال، وهكذا حتى فرغت قائمة الأموات، لأبدأ في قائمة الأحياء. بدأت أكتب أسماء كل من عرفته أو تذكرته: أقارب، جيران، أصدقاء، زملاء دراسة، زملاء عمل، معارف عابرون. كنت أعتقد أن الأمر سهل لكنه طال واستغرق وقتاً أكثر مما تصورت، إذ كلما ظننت أنني انتهيت ظهر اسم جديد من زاوية مهملة في الذاكرة، فأضيفه إلى قائمة الأموات، أو قائمة الأحياء، وأحياناً كنت أهب من فراشي ليلاً لأضيف اسماً تذكرته فجأة.

وجدت أن اللعبة جميلة وطريفة وتستحق بعض العناء لأنها تنشط الذاكرة التي بدأت تشيخ وتشحب مع العمر كذلك، ولما انتهيت أخيراً من القائمتين جلست أمام الأوراق وبدأت العد: الأحياء أولاً ثم الأموات، وللتأكد أعدت الحساب للدقة.

كان عدد الموتى أكبر بفارق واضح. لم أشعر بالصدمة وبدا الأمر منطقياً، إذ كلما امتدت الحياة بنا ازداد عدد الذين يغادرونها، إذا لم نكن قد غادرنا قبلهم.

تركت الأوراق على الطاولة مقابل السرير، وعند الفجر نهضت بعد أن شربت كوب ماء إلى الأوراق سريعاً، لا أعرف لماذا، ربما للتأكد للمرة الأخيرة لأن قائمة الأموات الطويلة سببت لي شيئاً من الأرققلبت الصفحات ببطء، الأحياء أولاً ثم الأموات، وتوقفت فجأة. حدقت في الصفحة، وأعدت النظر ثم اقتربت أكثر: كان هناك اسم لم أكتبه، مكتوب بخط واضح بين أسماء الموتى: كان اسمي! شعرت بقشعريرة باردة، فقلبت الورقة فوراً، ثم لما عدت وفتحتها ثانية رأيت الاسم في مكانه، اسمي الكامل، بين رجل توفي قبل سنوات وصديق رحل العام الماضي، جلست صامتاًحاولت أن أتذكر إن كنت قد كتبته دون انتباه، ربما، فالعمر يخرب الذاكرة، لكنني لم أقتنع. كنت متأكداً أنني لم أكتبه. حين رفعت رأسي ونظرت حولي كان كل شيء طبيعياً، فالساعة تتك، والثلاجة الصغيرة تصدر أزيزها الخافت وأصوات السيارات تأتي من الخارج. حتى العصافير المبكرة كانت تتشاجر وتزقزق فوق الشجرة نفسها، التي تتشاجر عليها كل صباح.

وضعت الأوراق جانباً وأغلقت عليها الدرج وخرجت أتمشى في الجو الصباحي الناعم. مررت بجانب لافتة عزاء رأيتها في منطقتنا منذ أيام. كان العمال يفككونها ويحملونها إلى شاحنة صغيرة. بعد ساعات لن يبقى لها أثر، وسيختفي الاسم. وفكرت أنه في هذه الآونة حتى طريقي إلى البيت صار مذكراً بالموت، إذ تنتصب لافتة عزاء في المنطقة، كل أسبوع لأحدهم وأحياناً أكثر من لافتة، وإذا لم تر لافتة أو فاتتك أو مات أحدهم من منطقة أخرى فإن خبره سوف يصلك على الواتساب أو برسالة نصية أو على وسائل التواصل لا مفر. فالموت الآن معلن على الهواء مباشرة، لكنه في الحقيقة لم يكن غائباً في يوم من الأيام، كان يسير معنا على الطريق نفسه منذ البداية، بصبر لا ينفد، فهو الحي الوحيد بيننا طوال الوقت.