سويلم-الثاني-rpzyps1ex8fympg4mvxra9c50l3fi4lbvbdad2kk20

سويلم الثاني

اسمي سويلم، لكن كاتب القصة سوف يسميني سويلم الأول، ليميزني عن الآخر، كنت على شاطئ البحر استروح في نهاية النهار بعد يوم عمل طويل، انتهى بخناقة مع أم العيال على بعض شؤون البيت ومنها المصروف. كان الوقت يميل إلى الغروب لكن الشمس لا تزال تسحب خيوطها في شحوب وكسل، رحت أراقب  ثبج الموج من فوق صخرتي، وأستمتع قليلاً بنسمة بحرية ندية حين سمعت صوتاً يلقي على التحية، التفت يميناً، ويساراً وإلى الخلف لكنني لم آر أحداً، فيما الصوت راح يكرر : السلام عليكم، إلا ترد التحية؟ قلت لعلي أتوهم، فما من أحد هنا، والشاطئ خالٍ تماماً من الناس والحركة، لكن الصوت عاد يلقي التحية بإصرار، فقلت أرد لأعرف أهو وهم أم حقيقة: وعليكم السلام، من أنت؟ فأجابني: أنا سويلم. ذعرت من ذلك: سويلم؛

كيف أنا سويلم؟ فقال بلهجة مطمئنة: لا تقلق، أنا أيضاً سويلم، هل تمزح؟ قال : كلا، ولماذا أمزح؟ أين أنت، إنني لا أراك؟ قال لا يهم أن تراني، أنا أراك وهذا يكفي. شعرت أن هناك مزحة ثقيلة، أو أن مساً أصابني، فسألت المدعو سويلم الثاني: هل أنت جني؟ أجاب بثقة: كلا أنا بشر مثلك، وأهلاً وسهلاً بك يا سويلم، قلت مذعوراً هذه المرة: هل أنت من المخلوقات الخرافية التي تخرج للبشر من البحر؟ أجاب: لا يا صاحبي، أنا لا أؤمن مثلكم بهذه الخرافات، بابا درياه وما شابه، هذه خرافات خلقتها عقولكم القاصرة وخيالكم المجنّح. نظرت إلى البحر، إلى الأعماق، كان لون الماء يضرب إلى السواد قليلاً، مع شحوب الشمس وبداية انصرافها، ثم تلفت مرة أخرى إلى اليمين واليسار وإلى الخلف، لم يكن ثمة أحد بقربي، فقلت دعني أتجاهل ما سمعت، لعلني أتوهم، وقفت وفي بالي أن أنصرف فجاء صوت سويلم الثاني: ماذا، هل أصابك الملل، الشمس لم تغرب بعد والجو جميل، ومريح، ألست مستمتعاً؟ قلت: كنت كذلك، حتى وصولك واقتحام خلوتي، قال: كلا لم أقتحم خلوتك، بل أنت من جاء إلى بيتي، فأهلاً وسهلاً. قلت : بيتك؟! وأين هو بيتك؟ قهقه سويلم الثاني، لعله يضحك علي أو يسخر مني وقال: هذا بيتي، إلا تراه، وها هم أولادي يلعبون في الفناء، ألا تسمع أصواتهم، وهناك زوجتي تشعل النار في أقصى البيت لتعد العشاء.

نظرت لمعرفة البيت الذي يدعيه، لم يكن ثمة بيت، بل شاطئ شبه مهجور الآن، وثمة صخرة أجلس عليها وأمامي صخرة أخرى يتلاطم موج البحر عليها، فأنا لم أكن في مكان سكني، ولا في ميناء صيادين أو ما شابه ذلك، فإين البيت؟! قلت: أنت تكذب، لا أرى بيتاً. رد ساخراً: طبعاً لن ترى البيت يا سويلم فأنت لم ترني من قبل حتى وأنا أتحدث إليك.

ثم أضاف: على كل حال: أهلاً وسهلاً  بك في بيتك واعتبرني صديقاً إن لم يكن يعجبك أن أكون أخاً لك. قلت: كيف أكون صديقاً أو أخاً لخيال أو شبح لا ظل له؟! ولكن لا بأس والآن دعني أذهب، فقد حل المساء.

لكن سويلم الثاني قال من فوره: كلا لن أدعك تذهب خالي الوفاض، لقد حللت ضيفاً علينا، فإما أن نتعشى معاً، أو تنتظر أعطيك عشاءك. ثم أضاف : انتظرني دقائق، سوف أدخل البحر وأعود سريعاً.

مرت دقائق معدودات، لم أسمع له صوتاً، فقلت: الحمد لله، لقد انصرف، لكنني سرعان ما رأيت سمكة طازجة أمامي رماها أحدهم وهو يقول: تفضل، هذه السمكة عشاؤك! لمست السمكة فإذا هي طازجة خرجت للتو من البحر، شهية تلبط، فقد كان الصوت صوت سويلم الثاني، فقلت له: يبدو أنك صياد ماهر، وإذا كان الأمر كذلك تصطاد السمك كالسحرة، فقد آتي إليك كل يوم لتعطيني السمك، فقال : إذن أنت ترى السمكة، لكن لا ترى من اصطادها لك، على كل حال، هذا نصيبك اليوم يا سويلم، أما إذا عدت في الغد فربما لا أكون هنا، قلت لماذا وأنت تقول هنا بيتك؟  رد هامساً: أنا أرحل كل يوم وكل ساعة إلى أماكن أخرى ولا أعرف غداً أين أكون، مع السلامة.

حملت السمكة إلى البيت وكانت عشاءً شهياً.