بدت السماء معلقة بين غيمة رمادية تميل إلى السواد وفضاء معكر الضوء، مع نسمة باردة تتسلل من نافذة تركها نصف مفتوحة، كان المطر يتهيأ للهطول على ذلك المساء الهادئ، فشعر أن نهاره ينتهي نهاية غير عادية، لقد تجاوز السبعين بعدة أيام، وشعر أن الزمن يمشي فيه أكثر مما يمشي هو في الزمن . كان يجلس وحيداً، وقد صار وحيداً منذ فارقه الأولاد كل إلى بيته الخاص، يستمتع بوحدته أغلب الأحيان كما هو اليوم حيث انجذب فجأة إلى صندوق خشبي صغير ليس بعيداً عن مقعده في مكتبته الصغيرة، التي كانت ركناً من صالة البيت فحولها إلى مكتبة يلوذ إليها من الملل والكآبة. كان الصندوق الذي لم يلمسه منذ سنوات طويلة موضوعاً في زاوية بعيدة . كان يخاف مما بداخله ويخشى أن يوقظ ما نام في قلبه عقوداً طويلة. وضع الصندوق أمامه ثم فتحه ببطء وتخيل أن الخشب يئن من ثقل الذكريات. ظهرت رسائل مالت إلى الاصفرار وكادت خطوطها تنمحي. وردة شاحبة، فقدت لونها، قصاصات قديمة وتذاكر وبطاقات لم يعد يتذكرها، لكنه عينه وقعت على شيء واحد فقط لا يستطيع نسيانه : صورة صغيرة في حجم كف اليد، باخت أطرافها، تحمل وجهاً تكاد ملامحه أن تغيب، لم يره منذ حوالي خمسين عاماً.
رفع الصورة بيد مرتجفة ومسح عنها الغبار بطرف كمه، ثم قربها من عينيه التي أرهقها العمر مع بداية عتمة الغروب. كانت هي. كانت ابتسامتها كما هي، تلك الابتسامة التي كانت تضيء العالم أمامه حين كان العالم قابلاً للإضاءة. وكان امضاؤها في أسفل الصورة بخطها المائل الرقيق: إلى من علمني أن أرى العالم بقلب مفتوح.
ارتجف قلبه كما لو أن الزمن عاد فجأة إلى الوراء. وصدح لحن في ذاكرته كانت تردده : عالصورة أمضيلي عالصورة وهي تضحك، كأنها تعرف أن هذه اللازمة ستبقى معه أطول مما بقيت هي. أغمض عينيه وترك الصورة ترتاح بين يديه كما عصفورة صغيرة ، وعاد إلى أيام كان في مقتبل العمر شاباً، يدرس الأدب ويكتب الشعر على أوراق متناثرة لا أحد يعرف عنها شيئاً. تذكر أول مرة رآها فيها. كانت تدخل قاعة المحاضرات بخطوات خفيفة، يسبقها ضوء لا يعرف مصدره، لم تكن الأجمل بين زميلاتها، لكن شيئاً فيها كان يخطف النظر: طريقة مشيتها، ضحكتها التي تشبه رقرقة الماء، وعيونها الضاحكة، التي كانت تلمع كلما تحدثت عن الكتب. راقبها بصمت وكتب لها قصائد لم يجرؤ أن يقرأها لأحد. لقد سرقت قلبه، بعد أن خطفت نظره.
في يوم ما جلست قربه صدفة، ابتسمت وقالت: أنت تكتب كثيراً.. أليس كذلك؟ ارتبك، وقال : أكتب لأنني لا أعرف كيف أعيش دون كتابة، ضحكت وقالت: جميل .. إذن أنت شاعر. لم يكن شاعراً، لكنه أحب أن يسمع منها ذلك، ومنذ ذلك اليوم صار اللقاء بينهما عادة، يجلسان في مقهى الجامعة، يتحدثان عن الكتب، عن الموسيقى، والشعر، عن الحياة التي كانت تبدو واسعة وتعد بالآمال والإمكانيات، كانت تقول له دائماً: انت ترى العالم بطريقة مختلفة، وهذا ما يعجبني فيك. وكان هو كلما سمع صوتها يشعر أن قلبه يتسع أكثر مما ينبغي.
تذكر اليوم الذي طلبت فيه أن يلتقطا صورة معاً. سأل وهو يضحك: لماذا. أجابت بجرأة: لأنني أريد أن أتذكر هذا الوقت، أريد أن احتفظ بشيء منك . وقفا قرب شجرة مورقة في فناء الجامعة، والتقط زميل لهما الصورة، بعد يومين أعطته الصورة وقالت له: وقعت لك عليها، وأنت وقع لي على هذه النسخة. قالت ذلك وهي تردد: عالصورة امضيلي عالصورة، بدلال صاخب وفتنة طاغية.
دمعت في مجلسه ذاك عيناه. لقد كان حباً خاطفاً ترك في قلبه جمرة وقّادة لسنوات، زادها اتقاداً ووهجاً بعدها المفاجئ عنه. تذكر اليوم الذي أخبرته فيه أنها ستسافر مع عائلتها إلى بلد بعيد. قال لها وهو يحاول أن يخفي رجفان صوته: ومتى تعودين؟ أجابت : لا أعرف .. ثم أضافت : ربما لن أعود، لقد وجد أبي عملاً جيداً هناك، وقرر الرحيل. شعر أن الأرضي تميد تحت قدميه، لكنه تماسك ولم يقل شيئاً. قالت له وهي تنظر إلى الأرض: أردت أن أخبرك منذ زمن، لكنني كنت أخشى أن أراك تتألم. رفع وجهها بيده وقال: أنت تعلمين أنني أحبك. أغمضت عينيها وردت: وأنا أحبك أيضاً، لكن الحب لا يوقف الرحيل ولا الزمن. في ذلك اليوم الذي انكسر فيه قلبه توادعا عند بوابة الجامعة. مشت مبتعدة وفي كل خطوة منها كانت تسحب معها قطعة من روحه، وحين اختفت شعر أن العالم صار أصغر وأن الهواء صار أثقل، وأن ما مر عليهما لم يكن سوى حلم قصير، لكنه سوف يزين نومهما لسنوات قادمة.
ولسنوات طويلة عاش حياة كاملة مثل غيره، تزوج، وأنجب، وعمل، ونجح، وفشل، وضحك وبكى، ومرض، وسافر وعاد، لكنها ناقصة بشيء لا يعرف كيف يسميه. لم يخبر أحداً عنها ولم يذكر اسمها لأحد. كانت ذكرى خاصة، وسراً صغيراً يحتفظ فيه لوحده، لم يتبادلا الرسائل ولم يعرف أحدهما عن الآخر أو يسمع عنه، ولم يبق لأي منهما سوى تلك الصورة عبر السنين وإن خفتت حتى كادت تنسى.
ظن أنه نسيها مع الوقت لكن الصورة التي بقيت في الصندوق أعادت ذكراها، وتساءل : هل لا تزال هي تحتفظ بالصورة؟ والآن وهو ينظر في الصورة شعر أن الزمن كله يعود إليه دفعة واحدة، رأى نفسه شاباً في الجامعة،ورآها تضحك، ورأي الشجرة والمقهى والكتب وقصاصات الشعر الذي كتبه لها ورنين الأغنية التي كانت ترددها، وقال لنفسه همساً : الحياة تغيّر كل شيء، لكنها لم تغيّر قلبي.
ولما بدأ المطر يهطل ناعماً أخيراً ويطرق زجاج نافذته كما لو أنه يعزف لحناً يعرفه هو وحده، نهض خفيفاً من كرسيه وفي يده الصورة، وخرج إلى حديقة بيته الصغيرة. بلله المطر فأنعشه أكثر، بحث عن مكان مناسب بين الزهور، ثم حفر حفرة صغيرة ووضع الصورة فيها بعد أن قبلها ثم رش عليها قليلاً من الماء وتركها في باطن التراب . لقد دفن جزءاً من ذكرياته للتو، على أمل أن تورق الصورة عن وردة فواحة في زمن آخر حين يرحل هو إلى الأبد.