عبد الحميد احمد

على غير ما يبدو

كان هناك أحد عشر صبيًا تحت المراوح الثلاث الكبيرة في الفناء الداخلي للمستوصف الذي تم تشييده حديثًا. صفّوا جنبًا إلى جنب، خمسة منهم في جانب، والستة الآخرون في الجهة المقابلة. رؤوسهم إلى الخارج، وتتقابل أقدامهم دون أن تتلامس. كان بعضهم يئن ويتوجع، وآخرون صامتين، مع أنهم يشعرون بالألم والحرقة. كانت قمصان ناعمة تغطي نصفهم الأعلى، فيما نصفهم الأسفل عارٍ، إلا من قطعة شاش أبيض لطختها بقع الميكروكروم، تغطي أعضاءهم.

كان الوقت ضحى، والرطوبة بدأت تملأ المكان. ومع المراوح الكبيرة، وُضعت مروحتان أخريان على الأرض تعملان بكامل طاقتهما، للتبريد من ناحية، ولطرد الذباب في حال سوّلت له نفسه التجمع على الأعضاء المجروحة الطازجة.

بعد قليل، سينضم إلى الأحد عشر طفلًا سبعة آخرون، ليصبح العدد الإجمالي الذين قام الطبيب اليوم بتطهيرهم ثمانية عشر صبيًا، ما بين الخامسة والعاشرة. أتى بهم أهاليهم منذ الصباح إلى المستوصف لإزالة القلفة من أعضائهم.

لم يكن يُسمع، مع دوران المراوح واشتداد الرطوبة، سوى آهات بعض الصبية المتوجعين. وبعضهم، الأصغر سنًا، انخرط في البكاء والعويل لفترة من الزمن ثم صمت.

جاء الأهالي لأطفالهم، الأمهات والآباء والمرافقون لهم، ببعض الليمون المثلج وبشراب الفيمتو، فشرب بعض الصبية قليلًا وتبردوا بهذه السوائل. وعندما أضيف السبعة الآخرون، صار في كل صف تسعة، وعلا بكاء بعض الذين تمت إضافتهم وتم تطهيرهم قبل حين.

كان الأهالي في فرح وهم يرقبون أولادهم ممددين، يوسّعون ما بين أرجلهم لكي لا تحتك بالعضو المجروح فتسبب ألمًا أكثر. ونصحهم الممرض، بناءً على تعليمات الطبيب، بتهوية الأعضاء قدر الإمكان، لكي لا تتسبب الرطوبة في إيذاء الجرح والتهابه.

لذلك اشترى الأهالي مراوح من السوق لتهوية أولادهم في البيت، فالجو حار والرطوبة خانقة. وأعطاهم الممرض زجاجات الميكروكروم ذي اللون الأحمر القاني، وكمية من الشاش لكي يداووا بها الأعضاء عند استبدال الشاش.

وطبعًا سوف يتبع ذلك إقامة الولائم والعزائم ابتهاجًا بهذه المناسبة التي تعني للأهالي أن الصبية باتوا على عتبة الفتوة والشباب.

ولكن ما تبع ذلك لأحد الصبية كان غريبًا ومدهشًا حدّ الغرابة لأبويه وللطبيب. فحسبها البعض علامة على العصيان، وآخرون إشارة مقلقة.

فبعد سبعة أيام من العناية بهؤلاء الصبية، الذين صار الواحد منهم يسير مباعدًا بين رجليه في الفريج، ورافعًا بيده وزاره في فخر، لكي لا يلامس عضوه فيلتهب ويتسبب في مضاعفات وآلام ، أزيلت عن كل صبي قطعة الشاش.بعضهم في المستوصف، وبعضهم في البحر، حيث أخذهم أهلهم إلى هناك وأدخلوهم إلى المياه المالحة لحدّ خصورهم، فسقط الشاش تلقائيًا وتملّح الجرح، وبان الان العضو سليما ونظيفا من القلفة.

لكن أحد هؤلاء الأطفال، والذي كان صامتًا في فناء المستوصف طيلة الوقت عقب العملية، ولم يلحظ أحد صمته، كانت قلفته في مكانها، وكأن شيئًا لم يكن.

أُندهش أبوه، وبسملت أمه واستعاذت بالله من الشيطان الرجيم، وأسرعا إلى المستوصف لرؤية الطبيب، الذي اتسعت حدقتا عينيه دهشة واستغرابًا.

— أيكون قد أخطأ ولم يُجرِ العملية لهذا الصبي؟ هذا فعلًا أمر مستغرب!

حدد الطبيب موعدًا آخر للصبي لإجراء عملية جديدة. وفي الموعد المذكور، تمدد الصبي مع آخرين في الرواق نفسه وتحت المراوح نفسها.

وبعد سبعة أيام، أزال الوالدان القماش عن العضو، فلما لم يريا القلفة، و اعتقدا  أن الختان أصبح تامًا، حمدا الله وعزما على إقامة وليمة للجيران والأقارب بسلامة الصبي ونجاح العملية.

لكن الشهود والناس الذين تحدثوا عن هذه الواقعة أيام بدأت عمليات التطهير في المستوصفات، يتذكرون تلك الأيام، وفي مخيلتهم منظر الصبية ممددين، يقطع القماش الأبيض والشاش المبقع بالأحمر القاني ، لم  ينسوا هذا الصبي الذي نجا من القطع أول مرة.

فالذي جرى بعد ذلك أنه في كل مرة، وبعد حوالي شهر أو شهرين من العملية، تعود القلفة إلى مكانها، مما أصاب الحي والناس كلهم بالذهول، فيما أصيب الطبيب بما يشبه الجنون.

تكرر ذلك سبع مرات، بعد سبع عمليات جراحية، وفي كل مرة يعود الأمر كما كان، وكأن هذا الصبي تحميه قوة غامضة.

عدّ الأهالي ذلك من المستحيلات، حتى بعد أن جيء بالمطوّع ليقرأ عليه في كل مرة آيات الكرسي والبقرة والمعوذات، لعل العملية تنجح ويعود إلى طبيعته مثل كل الناس.

كما أن الطبيب استعان بزملاء، وأرسل تقارير للخارج بالحالة، لعله يجد تفسيرًا علميًا ومنطقيًا، ومن ثم يجري عملية ناجحة ويضع حدًا لهذا التحدي والاستفزاز.

وفي الحقيقة، أنه بعد كل تلك العمليات ظلت الحالة على ما هي عليه، وظلت قطعة الجلد المشؤومة تلك في مكانها بعد مرور وقت قصير عقب كل عملية.

دخل الأهل في حرج شديد، إذ إن فتاهم، كما يعرف الناس كلهم، غير مختتن، وعدّوا ذلك شؤمًا عليهم ومخالفة شرعية.

وحين نفد صبرهم، قرروا التستر على الأمر، بأن أجروا عملية ثامنة في غضون أقل من سنتين للصبي، لكن الأمر لم يسفر عن نتيجة ترضيهم ، فأشار عليهم المطوّع نفسه بأن يزعموا نجاح العملية هذه المرة، وأن يقيموا الموائد والعزائم لثلاثة أيام احتفالًا بالنهاية السعيدة، وأن يحفظوا السر بينهم ، فكل  شيء بمشيئة الله، وربما كانت هذه إحدى معجزاته ، وفي  أعماقه، أصابه ما يشبه المسّ، وهو يتصور أن هذا الصبي ربما كان مختارًا لأمر جلل لا يعلمه إلا الله، فسلّم الأمر للقضاء والقدر،فبعد أعوام طويلة، سوف ينسى الناس الأمر برمته بعد أن يكبر الصبي ويصبح شابًا فرجلًا، ويتزوج وينجب الأولاد مثل غيره ، ولا راد لحكم الله… وهكذا كان.