يفتح المدرّب باب الطائرة، يصطفّ المشاركون في القفزة الربيعية، الأغلب هذه المرة إناث حصلن على خفض في السعر بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، وكثير منهنّ يقفزن لأول مرّة، جئن -بلا شكّ- لإثبات شيء ما، لأنفسهنّ أو أقربائهن، أو دفعًا لوسواس أو تهمة، وعسى أن ينجحن في ذلك، ولو بعد حين.
آخذ دوري خلف صديقة عمري؛ جمانة، طبيبة الأسنان التي يدين لها كثيرٌ من سكّان عَمّان بابتساماتهم، المعالجة الناجحة في إرضاء مراجعيها، وجعلهم أكثر استعدادًا لخوض الحياة مزهوّين. وكما تُحرّك جمانة يدَها بكفاءة وثقة في أفواه مراجعيها، ستُلقي بجسدها من فم الطائرة برشاقة وحيوية تبهرني، وتذهب بوعيي للحظات، كما يحدث كلما قفزنا معًا.
آه.. لو أنّني أحوز رُبع ما تملك جمانة من ثقة وامتلاء بالذات! لكنت إذن عشت حياةً مختلفة مع زوجي؛ السيد سمير، ولشعر أني مساندة له في شنّ حملاته الانتخابية، وإلقاء خطبه الرنّانة وخوض مغامراته التجارية في البورصة، ولأجدت بدوري التقمّص في الأمسيات التمهيدية للتصويت، حيث يجب أن أكون حرمَ المرشّح وحسب، أن أقطّر ابتساماتي، وأحسب مضغي للطعام، وأتبادل الجمل المعلّبة مع الغرباء، وأقنّن حركتي في فساتين الحرير البغيضة. ولو كنت مثل جمانة لبرعت في إبقاء علاقاتي مع من حولي متماسكة ولو بغِراء اللُّطف. يمكن لحلاوة اللسان أن تسمو بك إلى أيِّ مكانة، وهذا ما رأيته يعمل على الدوام كرافعة لنجاحات سمير وشهرة جمانة.
الشخصان الأقرب لي يتشابهان لدرجة تجعلني أشعر بالغربة في حياتي، فعندما أكون بينهما أشعر أن ملابسي ليست على مقاسي، كأنها تضيق تماهيًا مع الموقف. أراهما في مقابلات التلفزيون والمناسبات الاجتماعية محاطين بهالات متوهّجة. لو حزتُ تأثيرهما لربّما فهمني البروفيسور هاشم، مدير قسم العلوم في الجامعة، فلم يمهر طلبي للتقاعد المبكّر بقلمه الجاف فور استلامه، ولربحت المعارك الصغيرة في مهرجان الحياة، مع أميرة التي تزوجت دون موافقتي، ولم نعد بعدها في صداقة تجمع أمًّا بابنتها الكبرى. ولأفلحت مع جدّة أبنائي، الريفية التي لا تمارس نفاق المدن، ولا تفتأ تذكّرني في كل سانحة: “إنه لا يلزم المرأة أن تحبّ كَنّتَـها ما دامت العلاقة جالسة على الاحترام، كقِدر على الأثافي”، أو كنت على الأقل حصلت على قسطٍ أوفر من النوم، بدون أقراص ماغنيسيوم أو حصص يوجا.
بَلغتِ الطائرةُ الارتفاع المنشود، ألتفت لأرى خلفي في الصفّ مجموعة المبتدئات في القفز، أرى شفاههنّ تتحرك بالـمُطمئِنات الدينية وغيرها من مُعزِّزات الثقة. تدخل إحداهن في نوبة هلع، فيهرع الكابتن حسام للتعامل مع الموقف وإخماده، فإذا لم يفعل سيندلع البكاء في الطائرة كأنّنا في اليوم الأول في حضانة، حدث هذا سابقًا، رأيته بعينيّ وسمعته بأذنيّ.
بالنسبة لي.. ليس هذا يومًا عاديًّا كي أهدرَه في تأمّل الآخرين. يخاطبنا الكابتن حسام كأنّنا زميلاته: “جمانة.. ماجدة.. تعرفن ما يجب عمله، فلتتحقّق كلّ واحدة من عدّة السلامة لدى الأخرى”. أبتسم بالموافقة، أشدّ مقابض المظلّات في حقيبة جمانة، وأفعل ما يجب فعله، ثم تستدير هي للتحقق من حقيبتي إنّما بلا مبالاة، أو باهتمام مزيّف، ومع ذلك فإني أحب مشاهدتها تمارس ذاتها. صديقتي الغالية.. ما زالت تحتفظ برونقها وقوامها حتى بتجاوزنا الخمسين. تقفز وأتبعها فورًا، أدفع الحافة المعدنية بقدم واحدة، وأطير.
أرى جمانة تمدّ يدها نحوي في دعوة للتصافح والتقاط بضعة صور بأوضاع مشاكسة، لكني أتجاهلها وأبتعد. في الرياضة أفضّل العلاقات المرنة والروابط المطّاطة، ولا أربط مصيري بأحد، لا سيما في القفز بالمظلّات والغوص البحري، رغم تعليمات المدرّبين المكرّرة بالالتزام مع شريك طوال الوقت.
نصير أقرب من الأرض، فتعاود جمانة دعوتي لالتقاط الصور قبل أن نغدو معلّقتين بالقماش، فأشير لها أني سأفتح المظلّة بعد قليل، لست في عجلة من أمري، كما أني لم أحبَّ يومًا الصور البلهاء لأشخاص بوجوه منبعجة، وشفاهٍ كأنها لأحصنة متململة. أنا أنثى من جيل بائد، عزمتْ أن تخوض المغامرات عوض الجلوس على أطراف الحياة والاكتفاء بالفرجة كما فعلت لردح طويل، امرأة ذكية وحمقاء في الوقت ذاته، امرأة بقيت حبيسةَ النظام الأكاديمي الحديث، وترسًا مخلصًا فيه، فلم تفعل سوى أن غيّرت خانتها في قاعة الدرس من طالبة إلى معلّمة، أما في بيتها فبقيت عقودًا دون تغيير لشيء.
نجحتُ في كل شيء أرادوه لي، كما قمت على تربية أبنائي حتى كبروا وانطلقوا في حياتهم. أميرة خبيرة تغذية وناشطة بيئية، أما أيمن فمبرمج يعمل لصالح شركة عالمية، وهديل صحفية وصانعة أفلام. إذن آن لي أن أستمتع بصحبة نفسي، طافية كسحابة كما يليق بأكاديمية متقاعدة، أرملة تسكن في بيت به ستة أجنحة، وله بستان من الجهات الأربع، ومسبح لا يستخدمه أحد. أريد أن أبقى حرّة في الهواء، أبادل بين إغماض عينيّ والنظر إلى حيث يتوجّه الناس بالدعاء.
يزعم أبنائي أن التدريس في الجامعة الأردنية، الرصينة في أنظمتها والمحافظة على تقاليدها الأكاديمية، جعلني منظّمة أكثر من اللازم، وكلما فاجؤوني برحلة وأنا ما زلت على مائدة الإفطار، واعتذرت بسبب انشغالي بالتحضير للدروس أو العمل على الأبحاث، كرّروا مزحتهم السخيفة، “ماما.. العفوية مِلحُ الحياة، وقليل من الإقدام لا يفسد الطعام”، أعلم أنهم بذلك يقولون إنني إنسانة مملّة، وربما جبانة، لكن بالتهذيب الذي تلقّوه من أبيهم؛ السياسي البارز، ذي اللسان المعسول، عضلته الوحيدة التي كانت تعمل بكفاءة في البيت. يهذر ويهرف، يحاضرنا عن النجاح والأداء الجيّد، ثم يذهب للنوم مبكّرًا؛ لأنه مشغول، وعلينا جميعًا أن نصفّق له.
تعالوا يا أبناء الــ … لتروا أمّكم بروفيسورة الفيزياء تتدرّب على الإقدام بطريقة باهظة. ليس إلّا هنا في الهواء أستطيع إيقاف التفكيـر في سميـر، ونزواته التـي غضضت عنـها الطرف عمرًا كاملًا، هنا وتحت الماء أتناسى الطريقة التي رحل بها، شريكي وأبو عيالي، ساقطًا من جبل شاهق، ليفجعني مرة أخيرة، أبدية الأثر.
ستة وعشرون سنة لم تكن كافية ليقلّل من معدّل سفره، ويرحل -ربما- على سريره معزّزًا مكرمًا. لطالما حلم سمير بحياة مميّـزة، ليست عادية، وهذا ما حصل عليه منذ أن كان صبيًّا يحصد الألقاب في مسابقات المصارعة الرومانية، ثم رجلَ مجتمع من الطراز الأول بمعايير الحداثة، بمجموعة شركاته، ومقعد في مجلس النوّاب، ومناصبه في المجتمع المدني التي يغلط المرء في عدّها. حصل على ما تمنّاه في حياته، إضافة إلى ميتة مميزة كذلك، انزلقت رجله من السفح في رحلتنا إلى نيبال قبل سنوات، وكما يفعل الساقطون دومًا، حاول أن يستعيد توازنه بعد فوات الأوان، صاح باسمي وهو يهوي، يا للخسارة! طرفة عين.. وانتهى كل شيء.
كان قد قدّم تلك الرحلة عربونًا لتحسين علاقتنا، ولتغيير ما آلت إليه بعد قطيعة دامت ثمانية أشهر وزيادة. قبلتها لأسباب عديدة، ليس أدناها أني أردت أن أرتاح من هذا الهمّ الجاثم، رغم أنني وقتها لم أكن أحبّ الرياضات الخطِرة، ولا النظر إلى الوديان من مواضع مرتفعة، كنت أتعرّق لمجرد الجلوس في مطعم يقع في الطوابق الأخيرة من برج مكسوّ بالزجاج، ومع هذا كلّه ذهبت معه في رحلة التجوال في الجبال، من أجل نفسي وأبنائنا، أردت أن تعود المياه إلى مجاريها ولو بالحد الأدنى من الصفاء، وأن ينتهي هذا الخصام.
لكن هل يفوّت سمير فرصة ليثبت نفسه لي؟ منذ أيام الخطوبة التي لم تتجاوز الأربعة أشهر، بعدما قابل أبي السياسي المخضرم وسمّاه قدوته، أدرك أن نشأته في القرى في أسرة تعمل في الفلاحة تجعله في اختبار دائم، هكذا توهّم، وأن قدومه للعاصمة متأخّرًا للدراسة ثم العمل يجعله مطالبًا بالتدليل على اندماجه في المدنيّة، وتبنّيها نمط حياة شامل، سواء في فطوره المستورد أكثره من قارات بعيدة، ثمّ في ملبسه، ومسكنه ومركبه؛ الممتلكات التي حرص أن تشترك جميعًا في الاتّسام بالعصرية، والثراء اللوني والغلاء.
ورغم أن مساحة مكتبه في بيتنا الجديد تفوق مساحة الطابق الثاني كله من بيت أسرتي، فإن زوجي المبجّل ظلّ يؤكّد بكلامه وأفعاله النقطة ذاتها، أننا لم نفهم جيّدًا من هو، وأن أبي يسيء التقدير للغاية عندما يداهمه في السوانح بسؤاله عن ذكرياته في القرية، عن طرائق الاحتفال بالعائدين من الحج، والزيجات والموالد، عن الأنشطة الأهلية، ومجالس العزاء، ولعب الكرة في التراب المبتلّ، ومواسم الحصاد وسنوات القحط، عن حميمية العلاقات ودفئها في المجتمعات الصغيرة، عن زواج القُصّر، والثأر والحكم بالعرف، وكل ذاك.
لم يعجب سمير هذا النهج في التعامل، فهو يفضّل التحدث عن المدينة وحياته الجديدة، وعليه يعمد إلى الإمساك بدفّة الحوار ويبحر نحو السياسة، والتجارة والاكتشافات العلمية، يسهب في سرد آرائه وقراءاته للواقع ولو كان أبي منغمرًا في الحياة ذاتها، بل يبزّ سمير في الخبرة بها، ومع ذلك يبقى زوجي العزيز يستعرض معرفته كأنه لاعب كمال أجسام، يستعرض تفوّقه في التفاصيل، ثم يتناول الموضوع الذي يليه، ويحدث كثيرًا أن يغفل عن مضيّ الوقت.
نَظَم هذا الاستعراض للقدرة خيطَ حياتنا، ولم تكن رحلة نيبال استثناءً. استيقظنا صباحًا فسبقني إلى المطعم، وحين وصلت استقبلني بالوقوف والابتسام، ثم شرع يشرح كيف ينبغي أن تسير الأمور، كلّمني بلهجة الخبير عمّا يجب أن تنتبه له سيدة محدودة التجربة مثلي؛ سائحة مثقلة تنشئ حوارًا مع الجبال العظيمة للمرة الأولى، ظلّ يحرك يديه، ويعلي صوته ثم يستدرك، أنسَتْه حماسته ما بيننا من خصام، لكنني ألتمس له العذر، فلم يكن يعلم، غالبًا لقرب الانتخابات، أنني تلك المرّة لم أكن أعبرُ عاصفة مزاجية. يحلو له أن يربط الاضطرابات بمرحلتي السنية، لم يعلم أنني اكتشفت، عن طريق الصدفة لا غير، علاقته بسيدة من الدائرة القريبة، وأن هذه الصفعة كانت القاضية، وأن مجيئي إلى هنا لم يكن لقطع الجبال والاستمتاع بهوائها النقي، وإنما لإنهاء الخلاف بهدوء، بالكاد، وبعيدًا عن أعين مجتمعنا وشراهته للكلام.
ولأنه سمير وأنا ماجدة، استمرّت الملهاة. تحدث إلى ممثلي الشركة المقدمة لخدمات الإرشاد محاولًا إقناعهم أنه قادر على تولّـي الأمر دون مساعدة أحد، ثم عندما رأى أن مقاومتهم شكليّة تحوّل إلى مستوى الإصرار ألّا يرافقنا مرشد، أراهم عُدّة المشي، وعتاد السلامة، وخزين الماء، وقوالب الشوفان بالمكسرات والعسل لرفد الطاقة، وشغّل أمامهم جهازه للاتصال عبر الأقمار الصناعية ما يجعله منيعًا أمام انقطاع الشبكة، وختم بأن وقّع إقرارًا بتحمله المسؤولية كاملة، ووعدهم أن نأخذ الطريق الأقصر ونعود سريعًا.
لم أره يدسّ أوراقًا نقدية في جيب أحد، لكنّي أعرفه، ورأيت كيف يجيد -زوجي المحنّك- توظيف أمواله في مثل هذه المواقف، وها.. وافق المشرفون بابتسامة، فتهلّل سمير كما يليق لمنتصر، دفع الباب الخشبي المتهالك نحو الجبل، وتبعتُه صامتة.
بعد بضع ساعات، كانت ملامحه مختلفة تمامًا، ألقيت عليه نظرة قصيرة، دون أن أتشفّى أو أطرح عليه أسئلة توبيخية. كان مستلقيًا على النتوءات الصخرية، وعلى جبْـهته وخدِّه الأيمن سيل من الدماء الغامقة، فمه مفتوح كأنه في عيادة جمانة وهي قريبة منه بعطرها، تستخدم يديها الثنتين عليه، وفي ذلك الوادي كان، على غير عادته، صامتًا وأنا في صحبته، لا يحاول أن يثبت شيئًا.
في العزاء، أخبرت جمانة أنني “يومها شعرت أن الحمل أكبر من طاقتي، كان عليّ أن أتعامل مع الصدمة الأثقل من الجبل نفسه، والحزن، والتحقيق الشرطي، إضافة إلى الغربة، تلك العشبة المُرّة التي نبتت فجأة، كل ذلك دفعة واحدة”.
أظهر الضابط المتولّي التحقيق في الحادثة تعاطفَه، وحرص أن يحتوي الموقف بعبارات المواساة والدعم، وألّا يضغط عليّ بالأسئلة الدقيقة، أنا المرأة الغريبة، الكسيرة المكلومة بالفقد. كما كان المترجم ودودًا، بل إنه تجاوز دوره فطمأنني أني في أيدٍ أمينة، وأنني سأعود إلى بلدي فور انتهاء الإجراءات التي يجب ألا تطول بما أنه حادث عارض.
كان “راما” المترجم الوحيد المتاح وقتها، وبدى لي أنّ معرفتَه بالعربية ضحلة، وخبرتَه محصورة في الترجمة للجوّالة والمستكشفين، فلولا هيبة الموت، وأن المشهد لم يكن يحتمل إظهار أي مشاعر سوى الحزن، لتفاعلتُ بشكل مختلف مع لجوئه للاختصار مراعاة لوقت التحقيق باستخدام وصف “الساقط” عوض اسم الفقيد، “المعذرة مدام.. ما آخر جملة قالها الساقط؟”، فالنعت يثير في نفسي مشاعر شتّى، إضافة إلى جعل سمير في السياق اللغوي فاعلًا لا مفعولًا، هكذا يتحدث الناس في بعض الثقافات، يُحمّلون الأشخاص مسؤولية ما حدث لهم بإلقاء رداء اللغة، وكان عليّ أن أتماهى مع الأمر، “نعم.. أنا حرم الساقط سمير الشناونة”، وأن أتدبّر قليلًا من الدمع لإتمام المهمة، بينما أقول في نفسي: “أنا الفاعل وهو المفعول يا راما، لكنك لا تعلم، وكيف لك؟ أردت للعذاب أن ينتهي. كان الساقط المحترم يبـيت في شقة صديقتي جمانة، عصفورين هانئين في عشّ، وبدم بارد يتصل بي عبر الأقمار الصناعية ليقول إنه سيعود سريعًا من رحلات عمله التي تصبّ في مصلحة الأسرة. ولعلّه كان يتكلم أقلّ ويفعل أكثر في تلك الليالي. أما جمانة فكانت تتناول معي الإفطار في الصباحات التالية؛ لتؤنسني في غيابه”.
مرت أربع سنوات على حادثة سمير، لكني أتذكّره كأنه جالس أمامي، يمسح الزبدة على شريحة الخبز المحمّص، ثم يدهنها بمربّى المشمش، ويسكب لي الشاي مبادرًا.
وها أنا ذا أقفز بالمظلّات من جديد، مع صديقتي، أتقلّب في الزرقة لبرهة ثم أعود للاستلقاء على سرير الريح، أقيس وزني بالطريقة التي يمليها الضغط الجوّي. يا إلهي.. كم يعجبني الانعتاق من الأرض وأهلها. لست سيّدة لئيمة وأمًّا متحكّمة، أو جارة فظّة كما يظنّون، ولست زوجة تقليدية كما زعم المرحوم، ماذا كان يريدني أن أفعل ليرضى، أن أتدرّب على البذاءة لأنافس جمانة في مزحاتها المباغتة في أكثر الأوقات جديّة، وعباراتها الجريئة مع النساء والرجال، أم أتعلّم الرقص على العمود المعدني، أم ماذا؟ والله إنها نكتة. بوقار أدرّس الطبيعيات وحركة الأجسام صباحًا، أخفي تصدّعاتي عن زملائي وأكتم لهاثي عن أسرتي، أقبل بما تضعه الحياة في طريقي وأستمرّ، أتناول الشطائر والحليب بالفراولة لأستطيع المواصلة حتى آخر اليوم، سامحة لنفسي بكعكة أو قالب شوكولاتة في الاستراحات، وأتابع العمل مساء في المنزل فأضطر لهجر الرياضة، كما أتفانى في الأبحاث وحضور المؤتمرات والندوات، أفعل هذا لتكتمل صورة الأسرة بهية ناجحة، بما يدعم مركز السيد سمير الاجتماعي، ويريدني بعد هذا كلّه أن أحوز الرشاقة واللباقة لأمتعه ليلًا!
فليذهبوا حيث يشاؤون، أو إلى الجحيم، أما أنا فالأجدر بي أن أحضر بوعيي العميق في هذه القفزة الخاصة. أرخيت عضلاتي، وتركت لمفاصلي حرية الحركة. أنا من الماء، فما المشكلة إن تحرّكت مثله ولو بكثافة أعلى، برشاقة، بمرونة، بميوعة الزئبق الذي لا يمكن أن تمسك به الأيدي، القادر دائمًا على التملّص والنفاذ، في انتهاجه الدبلوماسية القصوى، مثل سمير وجمانة.
أفتح ذراعيّ إلى آخرهما وألقي بنفسي مطمئنّة، أحاول تمثيل اللحظات الأخيرة من حياة سمير حين هوى في الوادي، لكنّي بعيدة كفاية عن الأرض، عُدّة السلامة لديّ مكتملة، وليس جواري أحد ليغير المسار الطبيعي للأمور، كما فعلت أنا من قبل بالساقط. بعد قليل سأفتح المظلّة، أما حبيبتي جمانة فستكتشف قريبًا أن آليّة مظلّتها لا تعمل، فقد عطّلتُها بمقصٍّ كفوء، بينما المدرّب مشغول بتشجيع المبتدئات ومعالجة ذعرهنّ.
ستهوي جمانة كما هوى عشيقُها، ورغم أننا هنا بالقرب من البحر الميّت ولن يحتاج التحقيق إلى مترجم، سأختصر الوقت كما ينبغي، وأخون اللغة على أية حال، سأشير لها بجمانة “الساقطة”.