بينما كان مرزوق يصف الأسماك، الصغيرة منها ثم الأصغر، في وسط الدكة، والكبيرة على الأطراف، ويرش عليها رذاذاً من الماء حتى تلمع كأنها خرجت لتوها من البحر، كان مسعود، في الجهة المقابلة، يقوم بعمل مماثل، لكن مع الرطب.
كان يصف أنواعه في تلال صغيرة مستديرة: أصفر، وأحمر، ونصف أحمر ونصف أصفر، ويترك وسط الدكة فارغاً ليملأه بعد قليل بتلة أكبر من رطب منوع ومخلوط، للدعاية وجذب الأنظار.
كانت الساعة السادسة صباحاً، وهو الوقت الذي يبدأ فيه السوق عادة استقبال الزبائن، وبالذات المبكرين منهم. وكان مرزوق ومسعود يبكران كعادتهما، فالرزق، حسب مرزوق، يحب التبكير.
وكان مرزوق أسعد حظاً من مسعود؛ فما هي إلا سويعات ثلاث حتى يكون قد باع حلاله كله، وما يتبقى منه يحمله معه إلى البيت لغدائه أو عشائه. أما مسعود، المقابل له، فكان يصيح منذ السادسة:
يا رزاق يا كريم!
لكنه كان نادراً ما ينتهي من السوق قبل الظهر. وكان الرطب، في أغلب الأحيان، يبقى في مكانه على الدكة، فيغطيه بقطعة قماش وينصرف، ثم يعود بعد الظهر ليقف خلف دكته منتظراً الزبائن حتى آخر النهار.
كان السوق صغيراً، على قدر الحي الذي يعيشان فيه منذ نشأتهما. وإلى جانب دكتيهما كانت هناك دكاكين ودكات صغيرة أخرى: دكان للفواكه المجففة، وآخر للمكسرات والبذور والتوابل، وثالث للأعشاب الطبية، وبقالة صغيرة للمعلبات والسمن، ثم دكان في آخر السوق للخردوات وأدوات المطبخ والمسامير والمعدات الخفيفة.
وكان السوق ممتداً طولياً، وعلى جانبيه صفان من الدكات والمصاطب والدكاكين. وله مدخلان، هما أيضاً مخرجان؛ فإذا دخل الشاري من أحدهما استطاع أن يغادر من الآخر.
وكان مرزوق ومسعود يشغلان هذا المدخل، أو المخرج، لا فرق.
وينتهي السوق عند دكة عويش، بائعة الرويد والبقل والبصل والفرقو والليمون الحامض واللومي الأخضر الصغير.
وكالعادة، تبدأ الحركة بعد السادسة بقليل. ومع مرور الوقت يضج السوق بالنشاط والأصوات، ومعهما يعلو طنين الذباب، الذي كان زبوناً شبه مقيم، لكنه غير مرحب به عند مرزوق.
كان لا يكف عن كشه بمهفة من السعف، فيطير قليلاً ثم يعود إلى أسماكه.
وكان لمسعود نصيب من الذباب أيضاً، وقليلاً منه كان يبعده عن رطبه بيده، إلا أن الذباب لم يكن يزعجه بقدر ما كان يزعجه مرزوق؛ فهذا يبيع أسماكه بسرعة، بينما هو ينتظر طويلاً ولا يبيع إلا اليسير.
وكثيراً ما تساءل مسعود:
لماذا ينصرف الزبائن عنه ويقبلون على دكة مرزوق؟
ثم يقول في سره:
الذي يأكل سمكاً لا بد أن يأكل رطباً أيضاً.
لكن الأمر لم يكن كذلك.
فما السر الذي يجذب الزبائن إلى دكة مرزوق؟ ولماذا لا يمر هؤلاء على دكته؟
كان يحاول جذب انتباه المشترين برفع صوته:
يا رزاق يا كريم!
خلاص! برحي! خنيزي! لولو!
إلى آخر أنواع الرطب التي كانت على دكته.
وكان يرى الزبائن، إذا دخلوا من المدخل الخلفي للسوق، يتوجهون مباشرة إلى دكة مرزوق، حيث تلمع أسماكه. وإذا دخلوا من المدخل الآخر وخرجوا منه، كانت دكة مرزوق آخر محطة لهم أيضاً.
وكأن لدى مرزوق مغناطيساً يجذب الشارين.
وعلى هذه الحال كانت أوقات مسعود تمضي في السوق: ينتظر، وينادي، ويراقب الدكة المقابلة، ويغلي في داخله غيظاً.
ذات يوم قرر أن يستشير مطوع الحي، لعله يجد عنده تفسيراً أو حلاً.
استمع إليه المطوع، ثم قال:
يا مسعود، الرزق كله من عند الله، ولكل نصيب من هذا الرزق. فلا تتعجل، ورزقك لن يذهب إلى غيرك.
خرج مسعود من عنده، ولم يكن قد وجد ما يبحث عنه.
فالرزق لم يأت إليه كما كان يأتي إلى غريمه.
بل إن مرزوق توسع في دكته، وكبرت، وزادت كميات أسماكه، مما يعني أن تجارته في ازدهار، فيما تجارة مسعود لا تسر الحال.
وبعد أيام شكا مسعود إلى جاره، الذي كان قد درس على يد المطوع، ثم نال من العلم ما مكنه من العمل في بيع الأراضي والدلالة، والاحتكاك بمختلف الناس، حتى ازدادت خبرته ومعرفته.
استمع الجار إلى شكواه، ثم ظل صامتاً قليلاً.
وفجأة لمعت في ذهنه فكرة.
قالها لمسعود.
تردد مسعود في البداية.
لكن الجار أقنعه بأنه لا ضرر من التجربة.
وفي اليوم التالي نادى الجار ابنه، وطلب منه أن يساعد مسعود في تنفيذ الفكرة.
بعد ايام فوجئ زبائن السوق ومرتادوه بلافتة لم يألفوا مثلها من قبل.
كانت لافتة من خشب أبيض، ارتفعت فوق مصطبة مسعود.
وكانت أول لافتة يعرفها السوق.
فلم تكن المحلات ولا الدكاكين تحمل آنذاك أسماء أو لافتات.
توقف بعض مرتادي السوق أمامها، وقرأوا ما كتب عليها. وكان آخرون يرفعون رؤوسهم إليها كلما مروا أمامها أو اشتروا شيئاً من مرزوق؛ إذ لا بد أن تطالعهم اللافتة قبل أن ينصرفوا.
وكان مكتوباً عليها:
«قال الراوي: إذا أسمكتم فأرطبوا».
ومنذ ذلك الصباح بدأ شيء يتغير.
صار بعض الزبائن يتوقفون عند دكة مسعود.
وبدأت مبيعات الرطب تتحسن شيئاً فشيئاً.
وصار لمسعود زبائن ينتقون ما يعجبهم من الرطب ويشترون، وإن كان بعضهم قد تقاسمهم مع مرزوق.
وبدأ مسعود يشعر، لأول مرة، أن حظه قد تغير.
وفي الصباحات التالية كان يقف خلف دكته، ويرفع صوته:
اللهم لك الشكر على ما رزقتنا!
ثم يرفع صوته أكثر، مخاطباً الناس، وهو يشير إلى اللافتة فوق رأسه:
أرطبوا… أرطبوا!
ومنذ ذلك اليوم، كان الناس كلما أسمكوا… أرطبوا.