إنه وقت الأصيل، الشمس أرخت بأشعتها الحمراء وأعطت الأفق البعيد لوناً برتقالياً. البحر هادئ.
الأمواج الصغيرة تداعب جانبي «البتيل» وجميع البحارة متكئون في أوضاع مختلفة.
في تلك اللحظة كنت أتخذ من الصاري مسنداً لجسمي بعد عمل طويل تجميع الحبال.. تحويل الشراع حسبما يقتضيه اتجاه الريح.. تنظيف السطح.. تصفية باطن البتيل من المياه.. العمل يجري وسط صياح النوخذة الذي يصم الآذان «تحركوا بسرعــة.. لعنة الله عليكم». لا نرى الراحة إلا في هذه الساعات التي يقل فيها العمل أو تلك التي تعقب تناول طعام العشاء الذي يتكون من الأرز والسمك المملح والطازج في بعض الأحيان، نظرت إلى الشراع الذي احتضن الريح التي تدفع «البتيل» تجاه الشمال.. نسير بمحاذاة الشاطئ الشرقي لأفريقيا.. الحمولة خشب ونارجيل.. الطقس رائع.. يزداد جمالاً بين حين وآخـر.. أسراب من الطيور في استعراض بديع متجهة إلى الجنوب.. شعرت بأن شيئاً سيحدث أو ربما هو الهدوء الذي يسبق العاصفة.. لم أهتم.. تشوبني فرحة عظيمة…الأولاد.. الديار التي رحلت عنها منذ ثلاثة أشهر، وهي التي أسرتني بحبها سأحتضنها وأقبلها.. ويا لها من سعادة، أيام قليلة وترسو على تلك الشواطئ العزيزة.. بالتأكيد تنتظرني مع الأخريات تبتسم عندما تراني بعد تلك الرحلة والصغار سيفرحون بالهدايا التي أحضرتها من أفريقيا.. إنه النارجيل… وفجأة صاح النوخذة قائلاً: محمد.. سالم.. إبراهيم.
.. أنت.. أنت هيا خذوا الاحتياطات اللازمة لمواجهة عاصفة قد تهب من الجنوب.
نهضت بفزع بالغ.. يا ترى هل…؟! لا أدري ماذا أقول.. بالتأكيد سنصل ولن تؤثر العاصفة. أخذنا الاستعداد الكافي، جهزنا الشراع الصغير.. تفحصنا الدفة ومدى قوتها.. جهزنا البضائع الثقيلة الممكن رميها للحفاظ على توازن البتيل..
أحضرنا المراسي الثقيلة مع الحبال.. ساعتان من العمل العنيف.. «البتيل» يمخر البحر باعتزاز غير آبه بما سيحدث، العيون تراقب الأفق البعيد أقبل الليل.. بدأ الظلام يغطي المحيط من حولنا ازداد تمايل «البتيل» أكثر فأكثر. وسط الصمت المخيف، قال النوخذة سيرنا الآن محاذٍ للساحل الصومالي عليكم الحذر والاستعداد لكثرة الجبال في هذه الأماكن الصمت المميت.. الترقب.. القلوب في خفقان مستمر.. سلسلة الأحلام التي في ذهن كل منا اضمحلت واختفت.. درجة الأمل قلّت.. لم يعد إلا اليأس.. العيون تراقب.. الآذان ترصد وفجأة حدثت الصاعقة.. ريح عاتية اقتلعت الأقمشة المثبتة في المؤخرة والمستخدمة للظلال.. تطاير عدد كبير من الأخشاب الموجودة على سطح المركب.. معركة حقيقية.. «البتيل» في صراع مع الأمواج العالية. يرتفع ويهبط إلى الأسفل ومياه الأمواج تغطيه عرضاً وطولاً وتكاد تغرقه.. الصياح يتعالى لبذل أقصى ما يمكن من الجهد أنزل الشراع الكبير.. رميت المراسي.. ومجموعة أخرى ترمي البضائع الثقيلة لعنات النوخذة تنهال علينا كالسياط لا أريد أن أخسر.. أريد «البتيل» يرجع سليماً. أعطوني الثقة فيكم لا أريد أحداً من دون عمل.. كلنا نعمل.. الواقع يفرض علينا ذلك.. لم نعره اهتماماً.. نتألم.. وسيطر الفزع.. السواعد الضعيفة ممسكة بقوة في كل جهة. هدأت الريح، استقر «البتيل».. هدأت الأمواج الثائرة، الساعة تشير إلى منتصف الليل انبعثت فينا روح الأمل.. تجمعنا.. والتحمنا في عناق طويل.. تفقدنا الجميع.. التعب حطم قوانا.. جروح متفرقة في أجسادنا لم تكن بالغة… تجمعنا عند النوخذة نهنئه بالسلامة.. خرج من غرفة القيادة… نادي بإحضار المصباح.. تقدم يتفحص البضاعة.. نحن مكلفون برمي الثقيلة منها.. بعد جولة في «البتيل» وصلنا وهو في حالة غضب شديدة قائلاً من الذي تصرف بحماقة وفعل ذلك؟ سينال جزاءه.
شعرت أن الأمر يعني مزيداً من الديون.. بلغ بي الغضب حداً كدت معه أن أحطم رأسه.. ضغطت على أعصابي.. نهايتي أعرفها.. ولكن كل شيء هين في سبيل أولئك الذين يرتقبون وصولي بعيون الأمل.. تقدّم وبيده المصباح مشيراً إليَّ.. أنت ستدفع الثمن. نظرت إلى من حولي فرأيت وجوهاً يعلوها الألم والحزن.
ظهيرة اليوم الأخير.. اقترب «البتيل» من الشاطئ. راقبت بأعين مليئة بالشوق والحنين. قال النوخذة سندخل خورفكان بعد ساعة. تجمعات على الشاطئ.. أطفال.. شيوخ.. نساء..
بدأنا الترتيبات اللازمة للإرساء.. تجهيز قارب النقل.. توزيع مراكز البحارة في أعمال مختلفة.. تنظيفات.. تجميع حبال المراسي. جهزنا أمتعتنا. أنزلنا قارب النقل.. نزل النوخذة وثلاثة آخرون وانتظرنا عودة القارب.. إنني أرى الشاطئ يقترب مني.. يشدني.. إنهم ينتظرون.. الابتسامة تعلو وجوههم.. مددت يدي ملوحاً لهم.. الشوق يدفعني، وضعت رجلي على الشاطئ.. قفزت احتضنتها.. قبلتهم جميعاً، ضممتهم بصدري الدموع تذرف فرحة باللقاء بعد صراع مع اليأس، الصعاب وكلمات النوخذة الحادة، لحظات الصمت الحاد مع الموت.. والآن شعرت بأنني قد خلقت من جديد.. لم تعد رحلتي الشاقة بذات تأثير، وقفت قليلاً ونظرت إليهم بحزن لم يشعروا به.. قرار النوخذة.. تهديده.. الاستفزازات المستمرة.. مرت خمسة أيام كان الأطفال في سرور عظيم وهم يرتدون الملابس الزاهية، وهي.. تعيش ليلة الزفاف.. الثوب الأفريقي الملون.. الابتسامة ترتسم على شفتيها. اجتمعنا في جلسة نحيط بطعام العشاء، قرص من البيض.. الخبز… الأرز.. طرقات على الباب الخارجي. ساد الصمت عدا الكلمة التي قالتها خير…!! نهضت لأفتح الباب إنها المفاجأة. رسمت في ذهني علامة استفهام.. إنه صاحب «البتيل». دعوته للدخول.. بادرني قائلاً: عليك الالتحاق «بالبتيل» إلى الهند.
- ولكن منذ أيام جئت من أفريقيا.
- قلت لك يجب أن تتجه إلى الهند «البتيل» جاهز.. الجميع ينتظرونك الرحيل الليلة.
- الليلة…!! هذا مستحيل أريد بعض الراحة.
- عليك أن تستعد.. أو؟!
- لا.. لا.. أرجوك، أعرف جيداً سوف التحق حالاً.
أقفلت الباب، رجعت بخطوات ثقيلة.. الألم يعصر قلبي.. بلعت ريقي بحرقة وساد الصمت وانفجرت باكياً. احتضنت الأولاد.. هي احتضنتها بحرارة أخبرتها بالأمر. شعرت برحلة الوداع.. انفجرت باكية.. مزقت ملابسها تمسكت بي.. تعلقت بملابسي قائلة: أرجوك لا ترحل، أستحلفك. هؤلاء الأطفال.. لا عليك من إنذاراته.
ووسط بكاء بالغ وضعت وجبة العشاء في حقيبة السفر.. جففت دموعها ودموع الأولاد البريئة.. ودعتهم بقبلات حارة خرجت من المنزل بخطوات ثقيلة. وقفت بالباب قليلاً. سادني تفكير بالعدول عن الذهاب.. لكن لقمة العيش قررت الرحيل. غبت عن المنزل.. بكاء الوداع يملأ الدار.. يتفجر قلبي ألماً.. فردنا الشراع اتكأت على حافة «البتيل» سددت نظراتي الحزينة إلى الشاطئ الذي يبتعد وسط الظلام.. وتوارى «البتيل» في الأفق البعيد ومع ذكريات العودة رحلنا.
مجموعة قصصية – علي عبد العزيز الشرهان
منشورات اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات
الطبعة الثانية 1992