جلست “عذاري” تراقب عين الماء، تاركة خلفها كومة من الثياب التي عليها غسلها. كانت ثيابًا كثيرة للعائلة كلها: أب، وأم، وإخوة سبعة، وأيضًا الجدة. ثياب عائلة كبيرة فقيرة.
العين هي المكان الوحيد الذي يمكن أن تنفرد فيه بنفسها قليلًا، بعيدًا عن صوت والدتها الآمر، وصمت والدها الأبدي. والدها الأبكم الذي يعمل طوال النهار في حمل بضائع مراكب البحر التي تجوب العالم، ولولا بنيته القوية لما وُفِّق في إيجاد عمل مع ضياع صوته ورصيده البائس من التعليم. أما والدتها، فكانت فتاة يتيمة من عائلة أشد فقرًا من عائلة والدها، تزوجت منه حتى “يأخذ فيها ثوابًا”، كما فكرت الجدة.
تجلس عذاري قرابة النصف ساعة في كل مرة تذهب فيها إلى عين الماء، ولا تفعل شيئًا. تغمض عينيها وتستمع إلى أي صوت من حولها: حركة الماء، الطيور، الهواء الذي يحرك سعف النخيل، صوت الأطفال والنساء من بعيد. في كل مرة تجلس فيها عذاري بعيدًا عن التجمعات النسائية وقت غسيل الثياب، حتى تكون وحدها وتقضي وقتًا في فعل لا شيء. كانت ماهرة في شغل البيت وغسيل الثياب، تنتهي من ذلك أسرع من الأخريات، لذا فهي تحصل على ذلك الوقت الإضافي لسماع صوت الأشياء والبقاء مع أفكارها في الأيام الثلاثة التي تذهب فيها إلى العين لغسل ثياب العائلة.
في ذلك اليوم، كانت أم عذاري في غاية الاضطراب، وغاضبة أكثر من أي وقتٍ مضى. لقد رُفِد زوجها، والد عذاري، من عمله الذي بالكاد كان مرتبه يكفي لمصاريف البيت المتقشفة. ظل الوالد صامتًا، صمتًا مختلفًا هذه المرة، صمت المرض مع صمت الخزي والعجز. طُرد من عمله لأنه اصطدم بشخص مهم أثناء عمله في الميناء، فغضب ذلك الشخص لأن والد عذاري لم يعتذر منه. لم يعلم أنه شخص أبكم عاجز عن النطق، رغم أن ملامح وجهه ولغة جسده كانتا في غاية الأسف، وتحملان كل شكل من أشكال الاعتذار.
أم عذاري في حالة غضب وتوتر وبكاء طوال الوقت، والجدة تحاول تهدئتها وتوكل الأمر إلى الله الرزاق الكريم، أما الوالد، فيهيم على وجهه كل يوم باحثًا عن عمل. الأطفال غير مدركين لما يحصل، وعذاري ترغب في غسل الثياب.
أخذت كومة الثياب، وكانت أقل من كل مرة، فقد استطاعوا بيع بعض ثيابهم ليحصلوا على قروش قليلة. مثل كل مرة، رمت عذاري كساء العائلة البالي على الصخرة التي بجانبها، وسلمت نفسها إلى الطبيعة، الطبيعة التي تتخللها وتدخل إلى أعماقها، إلى كل خلية فيها. أغمضت عينيها بقوة، وكأنها تريد سرقة هذه اللحظة من الزمن والاحتفاظ بها في داخلها إلى الأبد، تجعل اللحظة بيتًا، بيتًا لا يشبه بيتهم، وتجعل هذه اللحظة درعًا لكل شيء قبيح قد يواجهها. كانت ترى نفسها داخل فقاعة اللحظة، لحظةٌ هي داخلها وخارجها، لحظةٌ هي كل شيء.
فتحت عينيها.
كومة الثياب على الصخرة بجانبها، عين الماء أمامها، وهي في مكانها، لكن الوقت كان مختلفًا. كان المكان مظلمًا. صوت الطيور قد اختفى، وحلّ مكانه صوت الليل. الأطفال والنساء رحلوا إلى بيوتهم، وسعف النخيل أصبح أشد سوادًا. لم تكن تلك اللحظة المسروقة ثانيةً واحدة، بل استمرت لساعات طويلة، وكأن الشمس عاقبتها على سرقتها واستبدلتها بالظلام.
حاولت عذاري أن تصرخ، ولكنها لم تستطع. خافت أن تجذب بصراخها كل الوحوش الأسطورية التي حكتها الجدة، أو أن تجذب الذئاب، سواءً الحيوانية أو البشرية، أو أن تهرب من صرختها تلك اللحظة المسروقة. في تلك اللحظة أحست أنها أصبحت مثل والدها، بكماء غير قادرة على الكلام.
ماذا عليها أن تفعل؟ تجمدت في مكانها لبعض الوقت. استخدمت غضب والدتها وصوتها الآمر، وحولتهما إلى شجاعة كي تنهض من مكانها. حملت كومة الثياب التي لم تُغسل.
ماذا ستقول لوالدتها؟ ماذا ستكون ردة فعل والدها والجدة؟ كان قلبها يدق بشدة. بدأت تمشي بحذر، تحاول أن تضيء دربها بشمعة خيالية ظهرت فجأة في عقلها. هي لا تعرف شكل الليل، دائمًا ما تكون في هذا الوقت شبه نائمة، تبحث عن مساحة لتنام فيها، تحشر جسدها المراهق بين أجساد إخوتها الصغار. هي لا تعرف شكل الليل، ولكن آن الأوان لتتعرف عليه.
الشمعة الخيالية في يمينها، والثياب محشورة في خرقة قماش قديمة على ظهرها، محكمة الربط، مشدودة، تحملها بيدها اليسرى. تمشي بحذر بين أشجار النخيل الطويلة الممتدة وكأنها لا تنتهي.
الشمعة الخيالية حاولت إحراق يدها، تألمت، ولكن ذلك جعلها تشعر بأنها ما زالت موجودة، شمعة خيالية تذكرها بالواقع.
شكل مستطيل مضيء قادم من أمامها جعلها تتوقف، وتوقفها المفاجئ كاد أن يُطفئ الشمعة الخيالية، لكنها لم تنطفئ، عاد لهبها مرة أخرى في حركة راقصة. انبهرت أمام هذا الجسم الغريب كما تنبهر الحشرات أمام الضوء.
تأخرت عذاري.
والد عذاري يبكي بصمت في إحدى زوايا البيت.
والدتها تبالغ في ردة فعلها، تضرب أحد الصغار لأنه سكب ماءً على السجادة القديمة.
الجدة تبحث عن ابنها، تجده يبكي،
تضعه في حضنها، يشعر بالأمان،
يتوقف عن البكاء.
تبكي الجدة.
تقترب عذاري من المستطيل، تحاول لمسه بسبابتها، تشعر بحرارة الجسم الغريب، حرارة لذيذة تدعوها للاقتراب، مثل حرارة الخبز الذي خرج للتو من التنور. تضع كفها على المستطيل وكأنها تلمس جدار بيت قد سكنت فيه من قبل.
الجدار يتحول إلى باب، تدخله عذاري، يحدث انفجار صامت.
عذاري والمستطيل وكل شيء حولهما قد تلاشى: حرارته، فضولها، كل النخيل الطويل قد اختفى، نصف الساعة التي تقضيها لوحدها أيضًا اختفت، الثياب المتسخة وأصحابها قد اختفوا، المراكب والبحر اختفوا أيضًا مع رغباتها وذكرياتها الصغيرة. كل شيء تلاشى، وحلّ في المكان فراغ.
في تلك اللحظة، أصبحا جزءًا جديدًا من الكون، تزاوج غريب بين مادتين مختلفتين. أصبحت عذاري مستطيلًا، وأصبح المستطيل عذاري. الشمعة الخيالية انطفأت في لحظة الاندماج.
تخرج عذاري من الجهة الأخرى من المستطيل، شعرها أصبح أخضر بلون سعف النخيل، والمستطيل أصبح لديه عينان.
والد عذاري ما زال في حضن الجدة،
ينطق ويقول: “أمي”…
تندهش الجدة وتتوقف عن البكاء،
تركض الأم نحوهم، وتبكي.
عذاري تتحسس باب المنزل بكفها،
وتدخل،
تحمل معها الملابس التي لم تُغسل،
ومستطيلًا صغيرًا في عقلها.
الجميع ينظر إليها،
أما هي، فكانت لا تراهم.