IMG_9223 copy

لُعبة الجوع – طالب غلوم طالب

أبكتني ابنتي “شام” ذاتَ الأعوام الخمسة والحروب الثلاثة بُكاءً بلا دموع، حينَ رأيتُها متكوّرةً على نفسِها على أرضِ الفصلِ الدراسي نصف المتهدّم وهي تضغط على بطنِها لتكتُمَ ألمَ الجوعِ وتسيلُ دموعُها في صمتٍ فتُبَلّلُ الفراشَ الصوفيّ الخشن من تحتها، كُنتُ أعرفُ أنّ جسدها الملائكيّ لن يحتملَ ثلاثةَ أيامٍ دونَ طعام، كما لن تحتملَ روحُها الصغيرة كُلّ ما تجرّعته من مرارةِ الفقد.

كان بُكائي بلا دُموع؛ حفاظًا على كرامتي العائليةِ أمامَ أُسرتي التي لم يبقَ منها سوى عضوٍ واحد هو “شام”؛ بعدَ أن ارتقَتْ أمُّها إلى السماءِ تاركةً جسدًا تحت سقفِ بيتِنا المقصوف، وتاركةً لي “شام” والرضيع “يحيى” وأنا الذي لم أُغَيّر لهُ حفّاضةً من قبل قط، لجأنا إلى المدرسةِ الأُمَمِيّةِ وكان لزامًا عليّ أن أكونَ الأبَ والأُم، حين انسحبَ الجيشُ من المُخيّمِ بعدَ شهرٍ ذهبتُ مع رجالِ حارتِنا لنتفقّدَ أشلاءَنا تحت الرُّكام، وحمدتُ اللهَ كثيرًا أني لم أصحب معي “شام”، التي لا أعرف ماذا كان سيحُلّ بها حين ترى الهيكلَ العظمي لأمها وأنا أجمعه في شراشِف سريرِنا الممزقة.

لكنّ الطفلةَ كانت أقوى منّي، وصارت في زمنٍ قصيرٍ امرأةً ناضجة، فحينَ نجحتُ في جلبِ عُلبةِ حليبٍ للرضيعِ بما يُشبِهُ المعجزة؛ كانت تقهرُ جوعَها حتى لا تُقاسمَهُ منها ولو رشفة واحدة، وحينَ نفدَ الحليبُ كانت تمُرّ على الأمّهاتِ في المدرسةِ تفتّشُ في أثدائهنّ المتغضّنةِ عن رشفةٍ تسدُّ رمقَ أخيها.

حتى في لَعِبِها، كانت “شام” تمثّل لي المعنى المجرّد للبطولة، فبرغم كل ما كُنّا نواجهه ليلَ نهار، كانت تجمعُ الحصى وتطلبُ مني أن أمارسَ معها لُعبَتَها المُفَضّلة؛ ثلاثُ حصواتٍ مُدَوّرة، وثلاثٌ أخرى مربّعة، ثُمّ أرسُمُ على الترابِ مُربّعًا من تسعِ خانات، أُفسِحُ لها المجالَ لتفوز؛ فقط كي أسمَعَ ضحكَتها الرائعة، فتتحوّل كل آلامي إلى ذكريات، وتُصبحُ ضحكاتها واقعي السعيد، وكأنها كانت تفهمُ ذلك، فكانت تطلبُ مني اللعب بعدَ مرورِ أحلكِ المواقف؛ لتُزيلَ عن روحي ثِقَلَ الفقدِ والجوعِ والخوف.

كان حادثُ قصفِ المدرسةِ التي لجأنا إليها فصلاً جديدًا من ملحمة بطولاتِ “شام”، التي رأيتُها تخرج بأخيها مهرولةً من وسط الغبارِ ودخان الفسفور الأبيض وقد غطّت وجهَهُ بشالِ أمّها الذي بلّلتهُ بالماءِ الآسنِ الذي اعتدنا شُربَه لتحميَهُ من الغاز السام.

حينَ اشتدّ بنا الجوع قرّر بعضُ الشبابِ الذهابَ في رحلةٍ إلى القريةِ القريبةِ لجلبِ أي شيءٍ يصلُحُ للأكلِ من هناك، استحسنتُ الفكرةَ وقررتُ الذهابَ معهم، بالرغمِ من أنها فكرةٌ انتحاريّة؛ فقد كان الأمرُ يتطلّبُ المرور بطريقِ “صلاح الدين” الذي يقصف العدوّ أيَّ نملةٍ تمرّ به، لكن واجبي كأبٍ يدفعُني لتلك المغامرة التي كانت مع ذلكَ غير مجدية؛ إذ وجدنا الحُقُول كلها قد جرفتها الدبابات ولم تترك بها سوى الطينِ اليابس والعشب الجاف، عُدنا بِخُفَيّ حُنَين، وانتهزت في طريقِ العودةِ فُرصةَ ابتعادي عن عيني “شام” لأطلق العنانَ لدموعي التي ظلت حبيسةً لوقتٍ طويل.

جفّت أثداءُ النساءِ من حولِنا، فصارت “شام”  تغلي ليحيى العُشبَ الذي أنبتهُ المطر عند أسوارِ المدرسة، لم تكُن تعرفُ نوع هذا العُشب وما إن كان يصلُح أم لا، كما أنني لم أعرف من أينَ جاءَتها الفكرة، لكنني رُحتُ أراقِبُ عظامَ وجهِه التي بدأت تبرزُ شيئًا فشيئًا، وعينيه اللتين راحتا تغورانِ في محجريهما شيئًا فشيئًا، إلى أن صار صراخُهُ صامتًا وأنفاسُه متلاحقة، ومن ثَمّ كان عليّ أن أصحبَهُ في رحلةٍ جديدةٍ لأقربِ مشفى لعلّهُم يجدون لهُ حلاً.

كانَ الطريقُ طويلاً وخطيرًا، لذا رفضتُ أن تصحبني “شام”، سِرتُ حاملاً يحيى متدثرًا بغطاءٍ كثيفٍ كي لا يَسلُبَهُ البردُ ما بقي من دفءِ الحياة، مما حجب عني نبضَهُ وصوتَ أنفاسِه، ولكني حينَ وصلتُ المستشفى وكشفتُ عنهُ غطاءَهُ عرفتُ الحقيقةَ قبل أن يُخبرني بها الطبيب، لقد لحقَ يحيى بأمّه!

لم تسألني عمّا حدث له، بل سألتْني أين دفنته، فقلتُ لها إنني واريتُه بجوار آخرينَ في فناءِ المستشفى، لم تُعَقّب، بل لمعتْ دمعتانِ صامتتان في عينيها، ورُحتُ أراقبهما وهما تتكاثفانِ، إلى أن ألقى بهما ثقلُهما نحوَ خدّيها، فانحدرتا عليهما بسُرعة، وسقطتا على تُرابِ الأرضِ الذي امتصّهما بسُرعة، لكنها لم تقُل شيئًا، ولم تُتبِع الدمعتانِ بغيرِهما، تمامًا كما كانت أمُّها.

كانتْ شام تُقاوِمُ الأحزانَ والجوعَ والظمأ والحرمان والبردَ مجتمعين بقوّةٍ وجلَدٍ كمحاربي العُصُورِ الوسطى، تفزَعُ أحيانًا وقتَ القصفِ ويربدُّ وجهُها، لكنها بعد أن يهدأ الغبار بدقائق تُعاود اللعبَ والابتسام، وكأنّها تغيظُ العدوّ وتُخرجُ له لسانَها، أو كأنها تحتفلُ ببقائنا أحياء.

لم أفكّر ذاتَ يومٍ في الخروجِ من غزّة، فإلى أينَ نذهب؟! الحصارُ من كل جانب، وحتى الحدود مع مصر مغلقة يتكدّسُ أمامها مئاتُ الآلاف من الذين تعلّقت قلوبهُم بحلم النجاةِ الكاذب، فكانوا كَمَن رقصت على السُّلّم؛ فلا هُم نجَوا، ولا هُم ثبتوا على أرضهم، بخلافِ أن الطريقَ إلى هناك صار مستحيلاً، ومعَ كل ذلك فأنا لا أستطيعُ أن أتركَ الأرض التي تحتضنُ الآن رُفات زوجتي وابني، وأظنّ أن “شام” لن تُسامحني إن فعلت.

انخفض عدد أفراد أسرتِنا إلى الآن إلى النصف، ورحتُ أسألُ نفسي طوال الوقت ما إذا كان أيُّنا الفرد القادم، من سيحينُ دورهُ أولاً؛ أنا أم “شام” ؟! لكنّ الجوعَ لم يُمهلني كثيرًا للإجابة، وبدأ شبحُ الموتِ جوعًا يحلّقُ في أجواءِ الحُجرةِ التي كانت قبل الحرب حجرةَ الدرسِ التي كانت تدرُسُ فيها شام حروفَ الهجاء وأرقامَ الحساب، فصارت متكوّمةً على أرضها الآن تصارعُ آلامَ الجوع، كانت تلك الآلام تمزّق أحشائي أيضًا، لكنّ آلام ابنتي كانت أشدُّ وقعًا عليّ، وراح شبحُ الموتِ يمارسُ معي لُعبة التخمين؛ هل سيبدأ بي أم بها؟

مع ضوءِ الصباحِ كنتُ أتحسّسُ جسمَها الباردَ لأستشعرَ نبضها، ولم يكن عندي ما أعطيهِ لها؛ حتى المِلحُ أكلناهُ وتجرّعناهُ بالماء الذي جمعناهُ من المطر، حتى سمعتُ البعض في المدرسةِ يردّدون بلهفةٍ أنّ شاحنة مساعداتٍ قد حضرتْ إلى الشمالِ أخيرًا، وأنها على مقرُبة منا على طريقِ صلاح الدين، لم أتردّد؛ فلا بُدّ أنها تحملُ طحينًا، أو أي شيءٍ يصلُحُ للأكل، خرجتُ مهرولاً ورُحتُ أعدو مع الرجالِ والنساء نقفزُ فوقَ الركام وبين الجدرانِ المهدمة، لا أحدَ يُساعدُ من يسقُط، وكأننا في سباق، بل كان سباقًا حقيقيًا؛ فشاحنةٌ واحدةٌ لن تكفي جموعُ الناس الذين رأيتهم بعشراتِ الآلافِ يبرزون من كلّ اتجاه، والجميع يعدو نحوَ جهةٍ واحدة.

عندما لاحت الشاحنة وهي تقف بشموخٍ في الطريق شبه الممهد، زاد الراكضون من سرعتهم وكأنّ الموتَ يلاحقهم، وحدي من كنتُ أشعر أن الموتَ كفّ عن مُلاحقتي وفضّل البقاء في حجرةِ الدرسِ بجوارِ شام، وكانَ قرارُهُ هذا أشدُّ رُعبًا لي.

ما إن بلغنا الطريق واقتربنا من الشاحنة حتى بدأت زخاتُ الرصاصِ تنهمِرُ من كل اتجاه، كان العدوّ يمارس معنا “لُعبة الجوع”؛ يسمح بوصولِ شاحنةٍ واحدة تجعلنا نخرج من جحورنا كالفئران، ثم يبدأون في ممارسةِ الصيد، البعض تراجع، والبعض انبطح أرضًا، والبعض سقط مصابًا، والبعض أكمل طريقهُ غيرَ عابئ بالموت، كلٌّ حسب درجةِ تمكُّن الجوعِ منه، وكنتُ ممن أكملوا طريقهم، فقد كان صوت شبح الموت يطن في أذني يحثّني على الإسراع؛ فإنّ لي رهينةً في قبضته.

كانت الشاحنةُ تحملُ أجولةَ طحين، وراح الناسُ يتسلّقونها ويخطفون ما يقدرون عليه، وكانت الأجولة ثقيلةً على البعض فتسقط منهم أرضًا، فيخطفها آخرون، وقد تتمزقُ وينتشر ما بها على الأرض، فيروحُ يجمعها مع ما اختلطت به من الترابِ.

كنتُ محظوظًا إذ حصلتُ على جوالِ طحين، وبرغمِ ثقلِهِ وما بي من إعياء وضعف شعرتُ أنه بوزنِ الريشةِ على كتفي وقد سرت في جسدي حرارةُ الفرحة بنجاةِ شام من الموت، سيُبقينا هذا الطحينُ على قيدِ الحياةِ عدّة أيام، وربما انتهت الحرب قبل أن ينفد.

اخترقت رصاصةٌ ذراعي فأطاحت بي على الأرض، احتضنتُ جوال الطحين كي لا يتمزق، وتجاهلتُ الألم الحارق لأعود إلى الوقوفِ وحمل الجوال على ظهري منحنيًا ومتشبثًا به بذراعي السليمة، لكنّ رصاصةً أخرى عاجلت فخذي فسقطتُ ولم أعد أقوى على النهوض، شعرتُ أن شبح الموت قد خدعني، وقرّر أن يأخذ كلينا -أنا و”شام”- في نفس الوقت، نزلت دموعي لعدم نزاهةِ تلكَ الخدعة، جاءَ أحدُ الهاربينَ من الرصاص وحاول انتزاع الجوال مني، لكنني تشبثتُ به فوقف لحظةً مُترددًا، ثم قَرّر تركه وأكمل الفرار، إلى أن وجدتُ شابًا آخر يُحاولُ أن يُساعدني على النهوض، وتبيّنتُ في وجهه أحد من يشاركونني النزوح في المدرسة، حاولتُ أن أعاونه فلم أقدر، ولم أكن مُستعدًا لإفلات جوال الطحين.

شعرتُ باليأسِ يُصيبُ الشاب وأنه عازمٌ على تركي، هنا طرأت لي فكرة، فقلتُ له:

– هذا الطحينُ لك.. خذه، ولكن ابحث في المدرسة عن طفلةٍ اسمُها “شام”، عمرُها خمس سنواتٍ وثلاثة حروب، واقتسِمْ الخبز معها، وإن سألتك عني فلا تقُلْ لها إنك تركتَ أباها على الطريق فريسةً للموت، ولكن قُل لها إنها يجب أن تبقى على قيد الحياة.

أطاعني الشابُ وحملَ الجوالَ وعاودَ الفرار، في حين تمددتُ أنا على الأرضِ ناظرًا للسماء مبتسمًا؛ لأنني غيّرتُ قواعد اللعبة، وتخيّلتُ شبح الموتِ يبتسمُ وهو يُغادرُ حجرةَ الدرس، مبتعدًا عن شام إلى حين!

 (*) أحرزت القصة القصيرة “لعبة الجوع” المركز الثالث من بين (60) قصة قصيرة، في الدورة السادسة عشرة لعام 2025م، من جائزة غانم غباش للقصة القصيرة، التي ينظمها اتحاد كُتّاب وأدباء الإمارات دوريًا