وجدت نفسي في رحلة لاكتشاف كوكب جديد، كوكب يحتضن مخلوقات لها تصورها في التحول. ركبت وشددت حاجياتي. تزودت بكل ما من شأنه تقويتي. عبرت المحيطات وطفت فوق التلال.. وأنا أحلق أحصيت جزئيات كوكبي الذي أعيشه، حركت يديّ وغرستهما في المحيط من الهواء الذي يحملني.. بدأت المسافة متجهاً إلى حيث قررت أن أكون وأكتشف.. أجل أكتشف.
ما زلت أسيّر أفكاري ولم أصادف ما يعيقني، استجمعت آمالي في النجاح.
إن الطبيعة التي من حولي تبدو مبتهجة، هنا وهناك علقت ثريات الفرح. بدأت أشعر بأنني دنوت من الكوكب الذي أردته. ركزت تفكيري وبدأت أشعر أنني سأصادف الكثير من المتاعب. علّ الأمور تكون بالبساطة التي تصورتها في بداية رحلتي. لكن الذي أشاهده يوحي لي بأن ذلك العالم أو تلك المخلوقات التي تعيش عبر هذا الكوكب لها خاصيتها في التعبير. بل لها تقاليدها وآلهتها وقدسيتها. ولكنني أخطو ولن أتراجع. دروب مفروشة بأزهار وموكب من عرائس وحور يحيط بي. تقدم إليَّ طفلان يانعان يحملان بيارق بيضاء.
يا ترى لماذا هذا الاستقبال؟ وهل تجري العادة بمثل ذلك؟ احتفظت بإجابات مختلفة.. لم أحدد صحة إحداها. الأمور تجري حسبما تقتضيه المناسبة، لم أجد مخرجاً، ولكن بدأت أشعر أنني في عالم آخر، أي إن المتاعب التي يثيرونها تختلف عما في كوكبنا الذي تشوبه الفوضى والاستهتار بكل القيم الإنسانية. وفيه أصبح الإنسان وقوداً للأفران لإذابة الفولاذ والصلب وإجراء التجارب لتطوير الآلات الحديثة. لا.. لا.. لن أخاف إنني مصمم على الذهاب ولن أتراجع.
توقف ذلك الفرح ولم أستمتع بما قدموه من رقص وغناء حيث كنت غائب التفكير.. تلفتّ في الاتجاهات المحيطة ولم أجد سوى الصمت الذي كان يرتسم على الوجوه. الكل ينظر إليَّ ويحدّق بنظرات لم أستطع إدراكها. بدأت أشعر وكأن هناك أمراً ما قد حدث أو أن وجودي سبب إزعاجاً، أو أنني لم أقدم لهم مقابل تلك الضيافة. وقفت حائراً وسيطر عليَّ الارتباك، تمعنت جيداً في الوجوه الصامتة استقرئها.. غريب إن هذا الجمع الذي أمامي كله في تركيبة واحدة. إنهم أطفال يانعون، ولكن كيف وجدوا هؤلاء؟ إنه شيء لا يعقل أبداً.. ليس فيهم أحد يحمل دلالة النضج الأبوي، إنني في حيرة كيف أكلمهم.. ولا أعرف لغتهم.. استضافوني ولم أسمع منهم أي حديث، حاولت أن أفهم قصدهم من ذلك الصمت، بدأت بمحاولة حركت فيها يدي موجهاً تحية، لكن الصمت ما زال سائداً.
تقدم إليَّ أحدهم وبدأ ينزع ملابسي قطعة بعد أخرى.
دهشت كثيراً وملكتني رعشة عنيفة خوفاً. علّ المسألة قربت من النهاية بعد أن أصبحت عارياً جمعوا ملابسي وأخفوها، ومن ثم تقدموا وأحاطوا بي وحملوني. عندها أدركت تماماً أن نهايتي قد دنت. ظل الموكب سائراً إلى حيث لا أعرف. وهناك وضعت في حوض وأغلق عليَّ بغطاء بعدها شاهدت أمراً عجيباً، لقد تحولت إلى طفل، أجل أعادوني إلى حجمهم، وجدت نفسي بين أمرين فأنا سعيد من جهة لأني قد عدت إلى طفولتي التي كنت أحلم بها، ومع ذلك فقد كان هناك خوفي من هذا العمل وتساؤلي الدائم عن المصير من جهة أخرى.
ولكن الشيء الغريب أنني بدأت أعرف لغتهم وأنهم يحيطون بي وتبدو عليهم دلائل السعادة بوجودي. إلا أنني لم أكتشف الحقيقة بعد. تقدم إليَّ أحدهم ووقف وسط الجمع ثم اتجه نحوي ورسم على جبيني قبلة، بعدها انهالت عليَّ قبلات عديدة، احتضنتهم جميعاً وبادلتهم القبل، لحظة تداعٍ عجيبة ارتجفت لها مشاعري، وبين الحلم والواقع الذي لم أستطع تحديده تسلقت نافذة ذاتي. حاولت إعادة شعوري الذي تحول إلى نشوة أبدية وإلى رفض صارخ في خوالجي منعني من العودة إلى عالم الذات. بلغت الحالة حد الإحساس بالواقع الذي يحيط بي، الظلمة الحالكة، السرير الخشبي الذي أمدد جسمي عليه بكيت ثم بكيت وانسابت دموعي جدولاً يحكي تمزقي الذاتي ومحاولة الهروب إلى «اللا – يقين» أين ذلك العالم الحالم؟ أين ذلك الكوكب المسالم؟ تألمت وصرخت بأعلى صوتي ولكن لم يجب أحد سوی الصمت. بائس!