مريم جمعة فرج

جفول – مريم جمعة فرج

الآن.. تثاءبت الجدران، انتعش السمر والصبار، وعادت لتطبق بيدها على أنسجة الجدار كما لو أنها كانت القابلة وأن الحلم هو الجنين.

  • الخيل قادمة، الغائب يعود..

قبيل الايقاد، كانت الجدران قبيحة، أما المساءات فكانت تموت وتسكن شفاهها المتوردة بالحلم. وتستلقي الصبية وتفر خصلاتها من الزنزانة والسجان مرة بعد مرة مشرعة كل خصلة من خصلاتها كفلول الخيل عند الجفول إلى ساحة الحلم الذي تزاول، ثلاثون عاماً والناس ينتظرون.

: من أين تأتي الزوبعة، متى يعود الغائب؟

قبيل الايقاد كانت الصبية تمتشق الجدار: لعل القيد ينكسر ولعل الغائب يعود!

وكان هاجس الغائب يشغلها وصوت جارتهم يمخر السكون.

: السلام عليكم، الموت في الحلم هو الحياة والحياة في الحلم هي الموت وعندما ترين الرجل اسردي الحلم في المرحاض!

جارتهم صوتها غاب تباعاً: ما كل ما نراه في النوم يستوي، وعيناها الجميلتان كانتا تسيران باتجاه السراج مطفئتين إياه.

: ربما غادرت، ربما.

فقديماً كان سيدنا الشيخ قد نصب داراً في الخلاء وأقام قبالة خيام السعف وكانت الدار تشهق والنوافذ الهندية تكتنف قطيعاً من البشر، ثلاثون، مائة، خمسون… الصبية لا تذكر أبداً. وبالدروازة الكبيرة كان يجلس سيدنا الشيخ فوق المصطبة وهي تحمل بخصرها طفلاً وتحمل سراجاً ولهباً، حتى أن الشيخ العجوز نفسه كان يقول كلما غمرته الرائحة والغبار ومرت الصبية ببابه

      : امنحينا أيتها الرمال المكبة تحت سنابكها القوة وصلينا أيتها التلال المملوءة بضحكات الصبية المتغزلين بالجسد، ما أحلى عينيها، ما أثخن الشعر المائج بالرقبة الهابطة بامتشاق الردفين العائمين، امنحينا أيتها الفرس صهلة …

فينسكب الصهيل وتدور بين الصبية…

وكان الصبي يلعب وكان الظل يفيض ويجري في أثر السراج وعند دورة الصبية كان الصبي يسأل الصبية:

لماذا تصهلين؟

فيركض الصبية ويركض السراج وتبدأ المطاردة.

عند نهاية الدورة تستلقي عارية مدفونة في التلة، شهية الصهلة كالخيل المسومة، وبقية السراج العابثة بكتلة التراب البارزة تهتز، تستدير مرة تلو المرة الأخرى، تتأرجح.

: المرة القادمة نغادر السيد، في المرة التالية تنتظرين السراج، يلوح فتحتكمين إلى جهاته …

وكان الغائب الفارس في مواسم الجوع والقبيلة وكان هو الريح تحرك الزنزانة وأنات سيدنا الشيخ المفزعة وإغفاءاته المتقطعة فوق الكتفين والصدر الجميل…

يقول الصبي: نغادر سيدنا الشيخ وفي المرة التالية تنظرين إلى السراج وتحتكمين إلى جهاته.

الغائب كان هو السراج الذي يحرق الشخير والسكون والجهات، فيفيض الظل وترتسم بالحائط أشكال وخيول ووجوه، فتشهق الصبية وتهرب من زوجها ويتمدد الظل ويهرب الفارس وينهض النائم من غفوته ويختصمان ويطفئ السراج وتبكي.

كلما نام الشيخ وغفا أعادت وضع الأشياء لمهد الصغير، «عودين وماء دافئ وملح ورمل».

عندما يكبر جسدها سيرحل الشيخ ويغادر، وعندما يتضخم الجدار لن تبكي، السمر والصبار سيحكي وتظهر الجهات ويرفس الحلم ويعبر الحائط وتمر بمرقد الشيخ، تمر بالقبور والمراقد، وتقرأ..

: لا شيء غير أنه يخرج الحي من الميت …

وعندما تنتهي، تهز الجذوع وترش الماء وتقلب السمر وتحمل السراج وتحتكم إلى جهاته.

: الخيل قادمة والغائب يعود …

أمس، وقبيل الايقاد كانت الجدران تقول للسراج، لا شيء غير فراش وصبية وحائط عنيد يحتوي الحلم وعجوز كان كلما رقص الخيال في الظل قام فيما يشبه الجفول وأطفأ السراج فبكت. لكنها وعندما تتضخم الجدران ستقبل وجه الشيخ، وتضعه قريباً من الفراش وتستدعي القابلة وتوقد الشاهد وتبتسم: لا شيء، غير أنه يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي، الغائب من العجوز والعجوز من الغائب…!

عندما تتضخم الجدران تقبل وجه الشيخ وتحمله إلى الماء، وتستدعي القابلة وتضيء السراج فإذا به صبي حلو وإذ بالقابلة تردّد بدهشة وفرح:

يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي!