لفظت بدرية نفساً عميقاً، أعادت مرة أخرى فمها، وضعت حلقها فوق، امتصت، ارتوت، القالب عالق بشفاهها بشكل مستمر، امرأة خمسينية، جمال شرس، وبلاهة لا تستكين. سريعاً لفظت نفساً آخر بالشفة العالقة وترقرق الماء. أما هم فقد اخترقوا السكة للجهة الأخرى من الحائط كالعادة حيث اعتقلت ستارة متآكلة الاخضرار على خرم ضئيل يشبه الباب لتصيح بهدوء: مرهبا.
على احتراق القدو احترقت أغنية تلو الأخرى، على الوسادة انسابت وسادة من الحرارة على أخرى باردة ووسخة وفاقعة ووسادة متصلبة وفناء كبير، ليطوفوا بها لا يتكلمون كثيراً ولا يحبون الأشياء الممتزجة.
المواتر والقار، لم تكن قد ظهرت بعد، وكانوا يعيشون معنا، الجن والإنس وجيراننا كلهم كانوا من العرب، تلك السنوات والعياذ بالله، أصابتني انتفاضات، بطني هذه انتفخت، رجليَّ تورمتا وتكوم الزبد على وجهي، قالت بعد أن تسمروا بالباب وسحبت نفساً، سحبت السروال الواسع من الخيط، أزحفت يديها على الضفائر الحمراء اللاصقة ولمست الوراء فأحرقها.
: لا تتركي الوحدة تأكلك ….
احترق الصدر: جدنا الكبير كان غنياً، هناك كان رئيس القبيلة وله أربعة من الحريم الجميلات وثلاثون من الأبناء والأحفاد، قصره كان مليئاً بالجواري والعبيد والذهب، كان تاجراً كبيراً، أمواله تخرج في الأصقاع مع القوافل حتى لم تكن جدتي تعرف الطبخ ولا تعرف تربية الأولاد.
بعد أن احترقت الجبهة برائحة التبغ العجمي العتيق، نهضت، استندت، كانت الرائحة القوية تراود الوجه المتفرد بالروائح والمتفرد في الظل، وبقدومهم، الأهزوجة تشبه الفقاعة، تشبه النوم بداخلها وإذا استيقظت ستحكي الحكاية وفيما رأت أيضاً من الحلم أبصرت الرجال الثلاثة ولمست جسدها، كيف هربوا ورفعوا الأشرعة عن موانئ الوجه الأصهب.
تذكر العام الثاني عشر لها، أم بدرية ضحكت، جرت مزغردة للإيوان، خلف الباب أبصرت الوجه يسبح نحوها في حزمة الضوء، قريباً من جسدها سقط الفانوس ودارت رائحة الثديين المحروقين.
وليلة العرس توهجا: ماذا تريد أيها الآتي!
وبعيداً عنه، الوجه الثاني يدخل ويكاد كلاهما يصل للعزلة ذاتها ويغادر كل الأشياء، «غرفة فسيحة للغربة وعلى السرير ينداح الفانوس، مرسلاً حزمة الضوء إلى حيث احترقت الأطراف في المرة الأولى إلى أن أخذت شكلاً قريباً من اللا شيء». ماذا تريد، قالت له.. العرس الثاني.
ماذا تريد!
في التخت ثوب ولحاف أخضران وفي قبضة السرير صرة من البابونج والخردل، غير أن الأشياء لم تعد كما هي النبتة المجنونة وحدها بالفناء تزحف باتجاه خصلات الشعر الرمادية.. تطوف بالوجه، تحك الجلدة المترهلة، تهمد عند الصدر العاري المملوء بلون الدم والشوك الأخضر على جسدها فتهم بالنوم.
: لعنة، لعنة …
لون الصدر يمتزج ببقية الجسد وباستفاضة تبلغ الرعشة ذروتها، عندما أبصرت الرجل الثالث يخطو نحوها بخطى ثابتة ليستلقي. تلك المرة أرادت أن تسأل، ولكنه سألها: ماذا تريدين؟، قال لها الوجه في المرة الثالثة فتجمدت.. وتحت القدو تكومت الكاجوجة شبه الخاوية باصفرار واختلطت خيوط «البادلة» وضحكت بجنون.
: لعنة، لعنة..
ضيوفها القادمون اجتازوا فتحة الخرم…
بدرية … بدرية.
أخذوا ينادونها فالتفتت إليهم
: بسم الله الرحمن الرحيم.
إلى الزقاق ومنه، وإليه انهمرا سريعاً، وبعيداً انقذف صوتها مكرراً: مرهبا.. مرهبا كالعادة وجلست وجلسوا في الفناء، قادمون من بعيد البعيد من «البندر» انطلقوا كالحلم، باتجاه رأسها المسنودة بالعارضة الأسطوانية الكبيرة وكان الكبير يضع عمامته الخاكية المطرزة، وشالاً وحذاءً يسود كثيراً في البشرة البيضاء، وشعراً فاتحاً يمتزج بالبشرة.. دار خطوتين في فلكه وانجذبت المرأة العجوز المتاخمة إليه، التجاعيد استطالت، وفي البعيد توزعت واحدة مختلفة في كل الاتجاهات.
قالت: أمك تقول كانت جدتك الكبيرة هذه تجد مخرجاً من الأشياء، من كل الأشياء …
باتجاه الوجه المتفتق بالسخرية، قذفت بالجديلة، مقسمة الرأس إلى وجهين، استشعرت نشوة اللحظة فراراً من كثافة الإحساس بالعزلة. أصغر الوجوه هي رمت القدو، قفزت في الماء، تسلقت الجدار، ضحكت، عبست، تجهمت … التجمع المسائي، فرصتك المواتية للبكاء. بدرية … همست: قالت لهم الجسد مقضوم من المرض، العينان دافئتان من الحمى، العزلة تقتل البدن…
أردفت وهي تخرج من الفناء: منذ موتكم لم يعد لدي شيء، حتى ورقة جنسية!
فيروز – الطبعة الأولى 1988
منشورات اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات العربية المتحدة