عجز بليغ عن النوم ليلة البارحة، وهذا طبيعيُّ لمن في مهنته. تخلّلت نومَه القليل يقظاتٌ كثيرة مثل فيضان فواصل في جملة قصيرة؛ إذ عليه أن يُجهّز في الغد طلباً لأحد أثرياء المدينة.
توقظه زوجته قبل إدراكه أنه سقط في النوم.
– بليغ.. بليغ.. تأخر الوقت!
لطالما أكّد لها أن هذه المهنة ستُغنيهم، وستُنسيهم أيام الفقر، بيد أن كسبه بالكاد يسد رمق العائلة، ويوفر لهم مسكناً رديئاً؛ إذ تتشقق جدرانه من أبسط كلمة جارحة، وتتبلل سريعاً، أسرع من وسادة في ليل.
يفتح عينيه بشيء من السهولة؛ حيث لم يتسنّ للجفن أن ينغمس في خفض جناحه، وُيشير برأسه فتفهم. فهو يلجأ عادةً إلى الصمت حين يغلبه طلبٌ ما.
يأكل طعامه الرديء بهدوء، ويحدّق في عينيها تأديةً لطقس ما. تفهم أنه شاردٌ يفكّر في الطلب الذي سيعدّه لعميله.
– لا تقلق عزيزي، تهلع دائماً كما لو أنك ادّخرت موهبتك في آخر طلب؛ ثم ما تلبث أن تجيد صنع آخر. صَنْعَتُكَ بداخلك لا تنفد!
تعي أنه لن يسمعها، ويعي أنها لن تفهمه. وهكذا استمرّت علاقتهما القائمة على فهمِ يأسٍ متبادل.
تكمل بشيء من الانكسار:
– ثم إننا نحتاج المال لشراء البيض والسكّر، أقنعت الصغار بأنهم يعانون حساسية، وأن عليهم تجنّب بعض الأطعمة لمدة.
يوليها ظهره، ويبتلع غصّته، ثم يتوجّه إلى مصنع اللغة، هناك حيث تُعدُّ طلبات الأغنياء.
كان المصنع صامتاً إلا من صوت صفيرٍ خافت ينبعث من الممرّ الطويل.
في زاوية الغرفة، جلس “مُراقِب ما بين السطور”، شيخ عجوز بنظّارات عتيقة لا يرى بها إلا الخطأ، يمسك جملةً بين أصابعه كأنها فأر مذعور:
– هذه الجملة لا تشي بولائها للنصّ، لا بد أنها نتاج ما بين السطور!
يحاول العامل الدفاع عن نفسه:
– أقسم لك سيدي أنها..
فيصرخ العجوز:
– كم مرة يجب أن أقول إن الجمل ما بين السطور غير مقبولة؟ إنها عفن خالص، عفن مُدمّر. كل ما لا يقول بانتماء واضحٍ، هو خيانة ضرورية. الزبائن لا يحبون جمل ما بين السطور، تفسد أفواههم، وتُحرجهم، وتتسبب في خسائر. قبل أسبوع اشتكى زبون أنه حين استعملها، صدرت من فمه رائحة رديئة انتشرت في المكان، وأفسدت صفقته.
يُدوِّن شيئاً في دفتر ملاحظاته دون أن يرفع عينيه.
يمرّ بليغ بهدوء، يخفض بصره احتراماً أو ربّما اتقاءً لتهمة عابرة.
في طريقه إلى الماكينة، لمح أحد زملائه جالساً في ركن بعيد، يحدّق في عبارة لم تُجهّز، يقلبها بعينيه كما تُقلّب أمٌّ فاتورة السوق.
قال له همساً:
– الكلمات تعاند يا بليغ، لم تعد تنقاد كما كانت، وكلُّ استعارة باتت تُشبه أختها.
لم يُعلِّق بليغ. كل ردّ هو استنفاد لما بداخله. يود أن يخبره بمُعضلته، يودّ قول شيء لزميله، فيُحجِم كل مرة ويستنكر، لا يقول شيئاً في كل مرة يود قول شيء فيها. ألا تكون هذه إبانة؟ ألا يكون الإحجام عن القول، قولاً؟ يتعجّب في داخله، كيف يوظّف المدير عملاء كهؤلاء؟ يتحدثون حين يكونون أحوج الناس إلى الصمت. لكنه يتأمل المصنع، والمُنتجات التي تُعدّ، والزبائن الذين يستوردونها، فيقلّ عجبه، ويعود إلى رشده، ويخفُّ توقه إلى إنقاذ الجميع، وإفهامهم سرّ هذا المنتج.
يلمح مديره يصرخ على أحد العاملين:
– تريد أن تورّطنا؟ لقد أعددت جملةً شبيهة الأسبوع الماضي!
– لكن يا سيدي.. السياق مختلفٌ تماماً، بالإضافة إلى تغييري مكان الضمير الذي يغير المعنى كاملاً!
– أيها الغبي، الكبار لا يكترثون لنظرتك هذه، يريدون أبلغ جملةٍ في السوق بكلماتٍ جديدة! لا أريد أن أستمع إلى أعذارٍ كهذه، ابتكر. مهنتك أن تبتكر.
يهزّ العامل رأسه، خوفاً وإذعاناً. وينصرف المدير لضبط الجمل الفاسدة.
يحيّيه بليغ بإشارة، فينطلق هذا الثرثار التعيس:
– لا أفهم يا بليغ، لا يمكن للمصنع أن يستمرّ بهذا المنطق! كيف يكون هذا الغبيّ مديراً؟ ألا ترى عدد المعاجم في المصنع؟ هي نفسها محدودة، سعر الطلب يكمن في التلاعب بهذه المحدودية..
يشهق بليغ كما لو أن ماءً بارداً دُلِق عليه بغتةً، ويُسرِع إلى ماكينة توليد الجمل.
يستبق الأحداث، ويفكر بالسكر والبيض وشيء من مشتقّات الحليب لينعموا بكعكة، وأنه لن يكون معتازاً لتلك الحساسية الاضطرارية. ستبلى الحساسية ومعها غصّته.
وهكذا، انتقى أجود الألفاظ من أدقّ خزانات المعاجم، مستعملاً معدّاته البلاغية الخاصّة التي يتفوق فيها دائماً على زملائه، وقد حرص على الزُّهد في الألفاظ، وتكثيف المعنى. كان الطلب صغيراً جدّاً، حدَّ أنه لم يحتج سوى نصف ورقة للفّه عدة مرات، على عكس الطلبات المعتادة. تخيّل بليغ مدى رضا الزبون والمدير، وشعر بروحه تضيق وتنكمش، وقال لنفسه: هذا، لا بد أنه ارتباك البهجة الزائدة.
عاد إلى المنزل يومها سعيداً -رغم ضيق في روحه لم يفهمه- وابتسم لزوجته، دون أن ينبس بكلمة -طبعاً- ففهمت أنه استطاع إعداد منتج جديد. بيد أنها لم تسعد كما ينبغي، فمقابل هذه الإجادة، سيجب عليه الصمت مدة أطول، فضلاً عن قلّة كلماته في كل الأحوال.
لقد ضاقت ذرعاً بزوجٍ يدّخر لغته للعمل؛ لا يتفاعل معها، ولا يعبّر عن محبّته، ولا حتى عن غضبه، تشعر أنها أمام حائط، بل إنه لا يتواصل مع أبنائه، ولا يعبر لهم عن شيء. فانفجرت لحظتها، للمرة الأولى في زواجها!
أخذها الحبّ قبل عشر سنين، فظّنتْه يُغني عن الكلام، وأن الصمت -مع إشارات ونزر من كلمات- سيفي بالغرض؛ وألّا حاجة إلى التواصل الكثيف، أو الطبيعي.
اكتشفت مع مرور الوقت أنها أمام شبح، أمام وهم، أمام آلة قُلِبت بطاريّتها، أمام جدار لا تحركه ريح.
فبصقت عليه، وقد بلغ عنده السيل الزُّبى. تصاعدت أنفاسه سرعة حبيسٍ في بيت رُعب؛ وفتح فمه وقد استشعر ثقل فكّه؛ وصرخ دفعة واحدة:
– لأجل إفسادك كل ما جاهدت لأجله، لرفضكِ زهدي وادّخاري روحي، لجهلكِ حقيقة هذا الرجل أمامكِ، لعدم فهمكِ معاناتي؛ أنتِ طالق!
قهقهت زوجته وانفرجت أساريرها، إذ أخيراً، اشتغلت الآلة، بصرف النظر عن الكلمات التي قيلت. بكَت فرحاً وسألته أن يعيد هذه الجملة الجميلة، فكرّرها مرّتين.
بدا غريباً أن تنبعث من حنجرته كل تلك المتتاليات اللفظية، رغم أنه يبيعها بزخم مستمر. للإنسان قدرة عبقرية على إبانة الانطفاء وباطنه يضطرم. في نهاية المطاف؛ يُخدع الإنسان -مهما بلغ من ذكاء- بالصورة.
في اليوم التالي، استدعاه مديره لشكوى سيدٍ معروف أقام المصنع ولم يقعده، حيث زعم أن الجملة مشوّهة وركيكة بل وحروفها ناقصة، وأن الورقة التي تغطيها مثقوبة، في إشارة صريحة إلى سرقة البلاغة.
– آسف يا بليغ، أنت أفضل وأقدم عامل عندي، ولم يحدث أن أسأت استعمال علامة ترقيم واحدة. أجهل ما حدث في طريق الجملة إلى صاحبها، يبدو أن قُطّاع الكلمات تتبعوها جيداً. لكنني يجب أن أوقفك حتى يهدأ السيد قليلاً، ولا يرفع شكوى إلى المدير العام للغة.
– لا لا.. لا عليك سيدي..
رد بليغ بصعوبة محاولاً استجماع صوته:
– ربما تقيأ رجل صامتٌ، كل لغة دخيلته، في مشاجرةٍ ليلة البارحة. ربما لم يسرقها قطاع الكلمات، وإنما استعادها كاتبها.
فغرت عينا المدير لثوانٍ، حيث كانت تلك المرة الأولى التي يسمع فيها صوت بليغ.
القصة الفائزة بالمركز الأول في مسابقة غانم غباش للقصة القصيرة – 2025