عندما قرر عبد القادر أن يغترب حتى يوفر حياة أفضل… بكت بلقيس كثيراً….
قالت له:
- إنني أخاف من الغربة… أخاف أن تنسى كل ما بيننا… أخاف أن تسرق قلبك إحدى النساء.
- أعدك أن أظل وفياً، فأنت تملكين كل جوارحي وأحاسيسي… إنني أرى الحياة من خلال عينيك، وأشعر بوجودي في ذكراك.
قال بحنان وهو يضمها إلى صدره:
- بلقيس… شيئان لن يغيبا عن ذاكرتي… أنت والوطن.
في تلك الليلة سهر معها حتى خيوط الفجر الأولى… في الصباح الباكر انطلق إلى ميناء عدن، حيث ترسو سفينة متجهة إلى الخليج العربي. ثم طافت به السفينة العديد من الموانئ حتى وصل إلى المدينة التي يقصدها.
عندما غادر السفينة، بحث عن عنوان أحد معارفه، أخبره زميل صاحبه أنه قد عاد إلى الوطن قبل أيام…
تنزه في المدينة… أعجب كثيراً بها… أحس بقرب وألفة مع أهلها… حاول أن يجد له عملاً … عرض عليه زميل صاحبه أن يعمل معه في العسكرية…
قال عبد القادر إنه لا يحب العسكرية.
- إن هذه المدينة تعج بفرص النجاح في مجال التجارة… لا يهم… سوف أبدأ من الصفر. استدان عبد القادر مبلغاً بسيطاً من بعض أبناء وطنه.
فکر طويلاً كيف يبدأ؟!
المبلغ محدود… المنافسة شديدة، بعد طول تفكير… قرر أن يقوم بشراء بعض السلع الرخيصة وأن يتجه إلى الأحياء الشعبية الفقيرة في القرى… فهم لا يستطيعون أن ينزلوا دائماً إلى السوق… والأشياء الرخيصة لا ترهق أصحاب الدخل المحدود، حمل عبد القادر «كرتوناً» كبيراً فوق رأسه، وضع فيه أصنافاً مختلفة من السلع الرخيصة… «فانيلات كبتن، أبو وزة»، جوارب، سراويل، إبر موقد، أزرار أمشاط، فتائل فوانيس، مشابك شعر بكرات خياطة، «أسبرين» دهان «فكس، أبو فاس»، أبو شنب، عطر «أبو الطيور»، أزرار «جاك باك»، مقاص، طلاء أظافر، عطر، «كليوبترا» وإبر خياطة.
ظل عبد القادر يدور في الحواري الفقيرة وينادي بأعلى صوته «جاك باك… إبر موقد، فانيلات، ويعيد ذلك عدة مرات، العجيب أنه كان يُصر على هذا النداء حتى حفظه جميع أهل الحي… يعني في تصوره أن أزرار «الجاك باك» وإبر الموقد مخترعات عظيمة، بعد أن كانت النساء تعمل الأزرار من الخيوط وتستخدم الحطب في الطهي.
تهافت الأهالي على ما يعرضه عليهم عبد القادر أو «جاك باك»، كما يسمونه نسبة إلى ندائه المشهور «جاك باك»، إبر موقد، فالبعض لا يعرفه إلا بهذا الاسم، أما شكله فيحفظه الجميع، رجل أسمر متوسط القامة، يرتدي إزاراً وقميصاً، يربط على وسطه حزاماً كبيراً أخضر اللون فيه جيوب كثيرة.
عندما يتوقف أمام أي منزل يردد أغاني في حب الوطن… عبد القادر يعشق الوطن بشكل خرافي، لأن هناك حبيبته وأرضه وأهله… أحياناً يردد بعض أغاني المرشدي وأبو بكر سالم وبعض الأصوات الصنعانية… إلا أنه سرعان ما يعود إلى ترديد أناشيد الأرض والوطن.. استمر يغني حتى أن الكثير من الأهالي حفظوا ما يردده عن ظهر قلب..
عندما احتل جزء من الوطن، أصبح صوته عالياً وترديده أكثر تركيزاً…. فجأة غاب عن الوجود… تعجب الأهالي، تساءلوا… لم يخبرهم أحد عن مكان وجوده.
عبد القادر كان يريحهم من الذهاب إلى المدينة، يحضر ما يبتاعون حتى عتبات الأبواب… مرت ست سنوات… عندها ظهر عبد القادر ينادي… صوته كان ضعيفاً لا يكاد يسمع وبعض البضاعة التي يحملها كاسدة… لا أحد يستعمل إبراً، ولا فتائل… وقد لاحظ الأهالي أن هناك ندباً وآثار حروق على وجهه ورقبته ويديه. كانت إحدى عينيه ذابلة ومشيته غير عادية…
أحدهم سأله…
- لديك بواسير؟
- لا أعتقد أن قرون الفلفل تجعل البواسير تنبت.
- أين كنت؟
- كنت في جهنم!
لم يزد عبد القادر على ذلك. ولم يردد أي شيء عن الوطن أو الحبيبة. سارح يجر رجليه جراً، يكاد أن يكون في حالة من اللاوعي..
أرباحه البسيطة التي يحصل عليها يصرفها في غذائه وشراء زجاجة أو زجاجتي عطر «كليوبترا»، يفرغها في جوفه ثم يغيب عن الدنيا..
قال أحدهم:
- اللعنة … ماذا فعلوا به؟!
عندما عبرت أقدام الأوباش.. القذرة.. حزن عبد القادر كثيراً… عادت إليه حالته السابقة… ردد أغاني الوطن بحماس شديد كاد أن ينسى نفسه، وبدل أن ينادي على بضاعته، أخذ يغني للوطن والحبيبة….
بعد ثلاثة أيام، وفي ليلة شديدة الظلام وعند الفجر داهمت أقدام غرفته المتوحدة الحقيرة… انخلع الباب وسقط بقوة على جمجمته وهشمها انطلق نور کشاف قوي أحال الغرفة المظلمة إلى نهار…
عبثوا بكل شيء في الغرفة… لم يكن هناك شيء سوى «كرتون» مليء بالبضاعة الكاسدة… وقميصين وعدة إزارات قديمة ثبتت بمسامير على جدار الغرفة وعدة زجاجات عطر «كليوبترا». فارغة …
في الصباح حضر صديق من أبناء بلدته، اعتاد أن يشرب معه عطر «كليوبترا»… شاهد الباب مخلوعاً وشاهده مغمضاً عينيه إلى الأبد.
إبراهيم مبارك.. من المجموعة القصصية (رياح الشمال)
23/4/1986