سعاد العريمي

حقل غمران – سعاد العريمي

ركض غمران – ركض كثيراً، وهو يضحك إلى أن تقلّصت المسافة، ثم وقف.. جال ببصره، استكشف المكان واتجه صوب السور.

سور الحديقة والبيوت المتراصة على خاصرته كالطحالب.

كانت الشمس تزمجر في سماء المدينة؛ شمس الظهيرة الحارقة، وغمران يقرع الأرض بمهمازه الأبدي.

قرع غمران الجرس بشكل مربك ومتواصل.. وانبلجت سعيدة بنت عبدالله بتلك القامة المديدة: خيراً إن شاء الله؟!

عام غمران وهام ثم جلجل.. استدار بشكل سريع وبعد أن استرد أنفاسه غمغم: أنا اشتغلت وعدوني بعد أسبوع هناك في الصحراء أحرس البترول… هكذا باغتها دون مقدمات، وما أن استكمل حديثه حتى استدار عائداً.

في ساحة التجمع وفي الصباح الباكر دخل غمران في ذلك التيه الجارف، دخل دون حزن أو ندم.

كانت المدينة تغط في صمت عميق.. عندما تحركت بهم السيارة صوب المنطقة الغربية. قال لهم السائق: سوف أوزعكم كل حسب موقع عمله.

كانت متاهات الرمال تأخذهم في تعرجات قد ألفها غمران، متاهات محفوفة بالمخاطر والغموض. وبالرغم من ذلك. الغموض الموحش كانت الصحراء مفتوحة على المدى البعيد لا تحدها جهات… متوحدة مع حرارة الشمس اللاهبة.

كانت تلك الوجوه المتعبة تترقب الوصول بصبر فارغ.. وما أن توقفت السيارة حتى تحركت الأقدام والرؤوس بسرعة فائقة، وتدافعت الأجساد باحثة عن الصناديق والحقائب… أجال غمران ببصره متفحصاً.. وقد أحصى تلك المقدمات والنهايات بنظرة واحدة مُركزاً نظراته في تلك العيون التي لم ينفذ إليها السأم بعد.

منذ زمن هجر غمران الترحال بين هذه الأصقاع البعيدة.

غداً سيتم توزيعكم على مواقع العمل، زعق الموظف مخاطباً ذلك الجمع غير المتجانس… قالها بعدة لغات بعد أن استطلع تلك الوجوه البائسة، وكان الظلام قد حل في تلك الأرجاء من الصحراء الواسعة، وعرش الالتباس وكأن خباء قد نصب عباءة كونية عرشت على المكان حاجبة الرؤية.

استلقى غمران على ظهره وكان عصبي المزاج، ودخل في فضاء رمادي مختوماً بالهواجس.

انبطح الرجال… لا يتكلم معهم.. لا يعرف لغتهم… لا يتكلمون معه، لا يعرفون لغته.. صمت تام.. حياد تام من قبلهم، أما هو فأخذ يتفرس في وجوههم الواحد تلو الآخر وبصرامة. وكان وجهه يتصبب عرقاً.

بدت الصحراء شاسعة مظلمة تشبه غابة من المجاهيل.. هذا هو الصباح الأول إذاً. كانت نظرته المترجرجة تستكشف المكان – المكان صحراء مفتوحة على السماء.. على جزء من السماء.. صحراء بترولية ومفتوحة على النار. إن صليل النار يفزعه ويدخله في متاهة من الخوف والهواجس، وكان الخوف قد بدأ يتمدد في جسده عندما قال له الرجل الموظف: هذا هو موقع عملك – قال ذلك ومضى. وقال له أيضاً: أنت الحارس هنا.. هذه حقول الغاز وأشار بيده إلى مواقع النار أنت المسؤول عن هذا المكان.. صحراء بترولية مفتوحة.. وغمران حارسها.

وعب غمران من ذلك الدخان المتصاعد من رمال الصحراء.

كانت الغرفة الصغيرة قابعة على تل من الرمال المتحركة تحدها حقول الغاز، وكان غمران يرى كل شيء يلتهب من ذلك المكان.

ناوله المفتاح واستدار: هذه غرفتك – سيكون لك أسبوع إجازة عن كل شهر. صمت غمران.. صمت ولم يقل شيئاً. سحقته المفاجأة.. وعندما أراد أن يتكلم كان لسانه جافاً كالخشبة.

بدأ غمران حواراته الليلية بتناغم زائف.. هل يبدأ حوار الموت هل ينتهي. علاقة غير متكافئة بين النار وحارسها.. إنها أقرب إلى حكاية.. أقرب إلى السمع.. كيف يستطيع غمران أن يقاوم كهف النار هذا بتخاريفه الليلية!

صحراء شاسعة على مرمى البصر.. يتأملها غمران في نهاره الفارغ، أما في الليل فهو متيقظ حذر يقاوم وحش النار.

كانت شظايا اللهب ترعش جسده، والحرارة تزداد كثافة.. وهذه الالتماعات الملتبسة لا يميزها غمران بوضوح، وهذا البريق الخارق لاشتعال النار.

كان يود أن يتلمس نفسه. ليس لي عيون فرك بشدة.. دعك ثم راح في نوبة من التهويمات مدوخاً بحفيف النار.

لا أروم الابتعاد عن هذا المكان.. مخاطباً الرجل الذي أتى ليحل محله.. وقال له الموظف: إنها إجازتك.

هكذا كمن جمده النحس، تفرس غمران في تلك الرمال بعدما انتزع نفسه من ضلع تلك الواحة البعيدة.

كان الفضاء فسيحاً ومجهولاً.. وكان غمران على تماس مع المجهول.

يرى غمران.. يرى ويسمع… نار… نار… دخان… رمال.. غبار…. رياح… وجوه … بترول… آبار، يزحف غمران. يزعق.. تنهال الرمال على الوجوه – تنهال الرمال على العيون.. أعمدة من نار، قامات متكاتفة تلسع وجه السماء.

هذه حقول الغاز. قال له الرجل ماداً نظره للأمام.

أسلاك شائكة – معدات – صهاريج – لا تقترب كثيراً.. مد غمران خطواته ناحية الاشتعال الله أكبر – وأقسم بالله… بالتين والزيتون وطور السنين وهذا البلد الأمين.. الله أكبر. وأثنى جسده ساجداً.. وكان هناك على قمة التل وحده كالمنار، وكانت عوالي النجوم ترسل أشعتها بفخر.

لا تقترب أكثر الصهاريج خطرة. الليل مضاء بقناديل من نار.. اقترب غمران تزاحمت خطواته، سبحان الذي خلقك… مد غمران يده متعلقاً بذراع النار: «قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا» وكان إكليل من اللهب يضيء جبهته. ما شاء الله كان.. وأحس بأنه ملقى في الفراغ.

رمال.. رمال حمراء متوهجة… ذهبية فاتنة.. كهوف برونزية. كانت حقول النار مضطرمة عندما اعتلاها غمران صاعداً.. متسلقاً أعمدة الدخان. قالت شقيقته: لقد مضى في طريق مضاء بنور الشمس.. قالت: كان الزمن نهاراً، وكانت الطرق محفوفة بالرمال.

كان فم النار واسعاً، وغمران بذراعها، بقامته الضئيلة ووجهه الرخو الذي يوشك على السيلان، وكانت الوجوه المشتعلة تشرئب بقاماتها الطويلة من أجيج النار، وغمران يوارب شكوكه. لعله الخيال.. خيام سوداء تأتي في الظلام.. تعب الاشتعال وتمضي.

قالوا لحارس الدخان: كيف جفت الآبار؟

قال: أسألوا من خلق وقدّر..

شمر غمران عن ساعديه، وقال: أنا لها ومنها، وتعلق بلسان النار.

سعاد العريمي من المجموعة القصصية (حقل غمران)