فهد الفلاسي

معركة على جبهتين – فهد الفلاسي

قد يكون هالة من غُبار، ولكن لم يسبق أن رأيت غباراً كونياً متوهجاً، لعله نجمٌ إذاً، لكن النجوم لا تثب برشاقة يمينًا ويسارًا، فهو مُذنَّبٌ دون أدنى شك.
ولكن، منذ متى تحمِل المذنّبات مخلوقات؟ لا بد أنها مركبة فضائية، ولكن ألسنا نبخَس هذا الكيان الشاسع حقّه إذا ما وصفناه بأنه مجرد مركبة! إنه أقرب في حجمه إلى النيزك وأقرب في إشراقه إلى النجم المتألق، اندفع كالوميض مخترقاً الغلاف الجوي لكوكب الأرض، كوكب “العُصاة” بحسب وصف رُكاب المركبة الفضائية المهيبة.

داخل المركبة، كان فيتوريو، القائد المهيب بقوامه الفارع وبنيته الممشوقة، محاطًا بشاشات كبيرة تعرض بيانات يتابعها الجنود والضباط، وباستخدام صولجان تملكه بعد مباغتته لكوكب المريخ وقتلِ ملِكه وتشتيت شعبه، أشار إلى كوكب الأرض البادي في الشاشة الكبرى قائلاً بهمس أقرب إلى الفحيح:

“وأخيرًا، لم يبقَ أمامنا أي عقبة، يمكننا الآن حكم هذا الكوكب المتغطرس”.

أضاف أحد الضباط: “هؤلاء المتكبرون لم تطأ أقدامهم أي كوكب غير القمر!”

عقب فيتوريو ساخراً: “إنها مخلوقات أنانية تقاتل بعضها بعضاً منذ آلاف السنين، لا يمكنهم التغلب علينا أبداً، أولئك الذين أخفقوا في الانتصار على شهواتهم لا يمكنهم الانتصار على أعدائهم”.

قال طيار وهو يتصبب عرقاً: “سيدي، أخشى أنني أحمل مستجدات مربكة”.

سأله فيتوريو وقد بدا الاستياء بيناً عليه: “ماذا تعني؟”

تابع الطيار قائلاً: “جيوش كوكب الأرض في حالة تأهُّب قصوى في جميع أرجائها، وقوات الشرطة تجوب الشوارع، أما السكان فملتزمون بالبقاء في منازلهم”.

نقر فيتوريو على الشاشة وقد اشتعل غضباً وقال: “كيف يمكن للبشر اكتشاف قُرب وصولنا؟”

رد الطيار بثقة: “في كل الأحوال، احتمالية انتصارهم علينا غير واردة”.

صدح فيتوريو: “أتحِفني بسكوتك! فلن تفهم البشر أكثر مني، إنهم أكثر مكراً ودناءة مما تظن، فلنعدل إلى قواعدنا! لن أخاطر بقواتي من أجل مكيدة بشرية كلاسيكية!”

تماماً كما ظهرت المركبة الفضائية فجأة، اختفت في الفضاء الخارجي فجأة، كما لو أن ثقبًا أسود قد ابتلعها، وهكذا، زال الخطر إلى حين.  

في هذه الأثناء، في شقة على كوكب الأرض، كان هناك صراع آخر على وشك الاندلاع، حيث كان توم قاعداً مطأطئ الرأس مُحدقاً في جهازه اللوحي يشاهد فيلماً.

اقتحم والده – الذي كان في منتصف اجتماع عبر الإنترنت مع مكتب الشركة الرئيسي باليابان – غرفة المعيشة ممسكاً بحاسوب محمول، كان يرتدي سترة عمل رسمية من أعلى، وسروالاً رياضياً في الأسفل.

خاطب ابنه بامتعاض: “حان وقت النوم!”

رد توم متوسلاً: “خمس عشرة دقيقة أخرى فقط!”

قال الأب: “وما الفارق الذي ستحدِثه ربع ساعة؟”

أجاب توم: “فارق كبير، فهذا هو الوقت المتبقي حتى انتهاء الفيلم”.

تساءل الأب: “هل هو فيلم تعليمي؟”  

ردّ الولد بكل شغف: “بالطبع! إنه يتحدث عن غزو الكائنات الفضائية لكوكب الأرض”.

تنهد الأب: “أما زلتَ تضيِّع وقتك في مشاهدة هذه الأفلام الخيالية؟”

ثم قام بجر توم إلى غرفة نومه وعيناه ما تزالان مسمّرتين على شاشة الجهاز، مردفاً: “أتمنى أن يغزونا الفضائيون بالفعل، ربما سيجدون علاجاً لكورونا، ولن أكون مضطراً لتعليمك في المنزل بعدئذ!”

 

 

  1. طائرة بلا أجنحة

طابور مديد من المسافرين يتأففون من الازدحام أمام بوفيه صالة رجال الأعمال في مطار هيثرو الدولي، كان عليٌّ يتقدم الطابور، لم يستطِع منع نفسه من تقليب ناظريه يمنةً ويسرةً نحو أصناف الإفطار المتنوعة، ومعظمها أطباق شهية غير صحية وقليلها صحية غير شهية، تنحنح رجل بريطاني يقف خلف عليّ قاطعاً عليه سلسلة أفكاره.

“معذرةً، أقترح تجربة الإفطار الكونتنينتال؛ غني النكهة خفيف على المعدة”. قال البريطاني عندما التفت عليٌّ إليه.

أدرك عليٌّ ضرورة اتخاذ قرار سريع، كان مستعداً للاستغناء عن وجبة الإفطار مقابل رغيف من الخبز، ولكن هذا القرار لم يزده إلا حيرة، فقد وجد نفسه أمام طوفان من أرغفة الخبز بمختلف الأحجام والأشكال، وللمرة الثانية تناهت من خلفه نفس النحنحة تتردد، ولكن بنبرة بأعلى.

البريطاني: “عليك بالخبز الأسمر! يحتوي على نسبة عالية من العناصر الغذائية والألياف!”

أعقَبَ ذلك غمغمات كالسيلٌ المنهمر من الطابور القابع خلفه، فاضطر لتناول كل ما تقع يداه عليه من أرغفة قبل أن يولي الأدبار، وأخيرًا، اندفع الطابور المرصوص كقطع الدومينو المتساقطة.

في الصالة الغاصة بالمسافرين العالقين من جميع أنحاء العالم بسبب تفشّي كورونا، تمكّن عليّ بشق الأنفس من العثور على طاولة يجلس إليها، وبعد فترة وجيزة، وصل البريطاني الذي كان واقفاً وراءه في الطابور، واستأذنه في تقاسم الطاولة نفسها، تجاذَب الرجلان أطراف الحديث، ولا يخفى أن تناول الطعام يغدو أكثر لذة لدى مشاركته الآخرين.

استهل عليّ الحديث: “أتيتُ إلى لندن لإجراء فحص طبي، وتقرر إخضاعي لعملية جراحية، ولكنني لن أتمكن من إجرائها؛ حيث علي العودة إلى دبي لإتمام صفقة عمل”.

علَق البريطاني متعاطفًا: “ما نفع الصفقات إذا لم تكن لديك الصحة لتنفيذها؟”

ردّ عليٌ: “تكفّل شريكي بنفقات سفري من دبي من أجل المشروع؛ لذا لا يمكنني خذلانه حيث سيترك غيابي انطباعاً سيئاً لديه”.

لم تبدُ على البريطاني علامات الاقتناع، ولكن حان دوره ليحكي قصته: “تزامن عيد ميلاد والدتي مع إجازتي، لذلك طلبت من أخي الأكبر المقيم في دبي تأجيل عودتي، لكنه رفض لأنه سبق وأن حدَّد موعداً مع شريكه لافتتاح مشروعهما”.

قال عليٌ بنبرة مشحونة بالاستياء: “كان يجدر به أن يكون أكثر تفهماً، أليست والدته أيضاً؟!”

برر البريطاني: “ولكنني المسؤول عن افتتاح المشروع”.

وبغتةً، صدحت مكبرات الصوت قاطعةً حوارهما: “تنويه إلى أعزائنا المسافرين.. يؤسفنا إعلامكم بإلغاء جميع الرحلات بسبب تفشّي فيروس كورونا”.

عمَّ الارتباك المسافرين الذين انقسموا إلى فريقين، عاجل فريق بالاتصال بالأعزاء على قلوبهم، بينما هرع الفريق الآخر طالباً النجدة من مكتب الاستعلامات.

قال البريطاني: “هذه فرصتي! سأتصل بأخي لأبلغه تطورات الوضع، سيتعين عليه مقابلة شريكه بدوني”.

وافقه عليٌّ الرأي: “وسأخبر شريكي أنني لن أعود قريبًا، لأنني سأجري العملية الجراحية، فكما قلتَ، الصحة تأتي أولاً”.

لم ترِد معلومات حاسمة من مكتب الاستعلامات، الذي لم يملك معلومات مؤكدة عن موعد استئناف الرحلات مرة أخرى، اتصل البريطاني بشقيقه ليطلعه على المستجدات: “مرحبًا يا تُوفَر! يبدو أنني علِقتُ في المطار، ولكن لحُسن الحظ، سأحظى بفرصة الاحتفال بعيد ميلاد والدتي!”

بعد ثوان معدودة، رن جوال عليّ، فأجاب: “مرحبا كريستوفر! نعم، ما سمعتَه صحيح، قد تم إلغاء رحلتنا”. أغلق الخط وهو عاقدٌ حاجبيه.

سأله البريطاني بابتسامة مكتومة: “ما سبب استغرابك؟”

أجاب علي مندهشاً: “كيف وصَلتْ الأخبار لشريكي بهذه السرعة؟”

رد البريطاني والابتسامة تشع من وجهه: “الأنباء السيئة تصل بسرعة، وبخاصة عندما تُبلغها أخاك”!

حكَّ علي رأسه في حيرة وقال: “أي أخ؟ اسم شريكي “كريستوفر”، وقد سمعتك تتحدث مع أخيك، اسمه حسبما أذكر يبدأ بحرف التاء، أليس كذلك؟”

ابتسم البريطاني ابتسامة عريضة وقال: “ألا تعلم أن اسم تُوفَر هو كُنية لكريستوفر؟ حسبتك طليقاً في اللغة الانجليزية!”

أجاب علي: “هل يعني ذلك أنك شقيقه كلارك؟ طالما سمعته يتحدث عنك!”

تصافحا بقوة وسعادة كأنهما صديقان قديمان، ثم دعا كلارك علياً إلى منزله في انتظار أن تنبت للطائرة أجنحةٌ جديدة تحلّق بها.

وبذلك، حظيَت والدة كلارك بشخصين يحتفلان بعيد ميلادها بدلاً من شخص واحد، كتعويض عن غياب ابنها الثاني تُوفَر -أو كريستوفر إذا أحببت هذا الاسم- لكن بالطبع مع اتخاذ جميع الاحتياطات اللازمة ضد فيروس كورونا.