الساعة متأخرة.. وليل معتم.. هدوء مخيف.. وأشباح تتراقص في الأفق البعيد.. أنجم حزينة وأخرى آتية من بعيد معلنة قدوم عالم جديد للكواكب.. يمر بحفيفه العذب، وتتداعى أمامه ساجدة شجيرات ضعيفة تتعانق بوصوله.. إنه يندفع من المرتفعات الجبلية المحيطة، حيث رائحة الزعتر تزيده عذوبة.. يمتزج بذلك صوت نعجة.
أغمضت عيني علّني أنسي ما أشاهده أو أعيشه. إنني قلق.. ولكن لماذا الحيرة؟ إنني في عالم آخر.. إنها الحقيقة.. إنني في عالم السكون.. ولكن.. المعروف أن عالم السكون يختلف كلياً.. حيث العقاب.. والحساب، الجنة.. والنار.. والآن.. أملك حريتي.. أستطيع أن أرفض ما حولي.. أن أصدق.. أن أكذب ما يقال لي.. وهل معنى ذلك أنني أملك حريتي في كل شيء؟ وهل وضعي هذا يوحي لي بصدق عن هذه الحرية؟ زيف.. نفاق.. إنني مقيّد.. أجل مقيّد.. إنه الخداع بعينه.. أأكون مقيداً وأنا أحرك يدي ذات اليمين وذات الشمال.. مددت إحدى يدي أتحسس بها الأخرى.. علّها مربوطة في الأفق بخيوط لم أرها.. ماذا يعني هذا أيها الناس.. أيها.. أيـ … هــا. لا أحد يجيب.. لماذا الصمت؟ ألست بشراً…؟ ألست ذا إحساس؟ أليس من حقي أن امتلك نفسي…؟ إذاً لماذا هذا الصمت المخيف…؟ لماذا هذا السور الذي يحيط بي؟ كيف أتى؟ ومن صنعه؟ ولماذا أنا بالذات؟ أسئلة لا أملك لها أجوبة.. لا أحد يجيب البتة يا إلهي.. ماذا …؟ دعوني.. دعوني إنني أرى أصابع كثيرة تتجه نحوي إنها تستهدفني.. إنها تقترب.. النجدة.. أنقذوني.. أظافرها حادة لامعة.. تريد خنقي.. إلى أين أذهب وكيف أفلت منها ومن حولي أسوار؟ إنها تحيط برقبتي.. أشعر بها تنغمس بجسمي إنها تمزقه.. لماذا تركوها؟ عليهم اللعنة.. إنها تمزقني.. ما العمل.. إنني أرى دمي يجري، ولكن ما زلت أتحرك.. إنه الاحتضار.. إنني ألمس حفرة عميقة.. رسمت جدولاً انساب فيها بخيوط حمراء داكنة.. امتلأت الحفرة.. الأصابع ما زالت ممسكة برقبتي.. أهذا حلم.. ولكن الحلم من نتاج اللا شعور.. إنني أتحرك أحس بكل شيء من حولي.. دمائي تنساب من جسمي بغزارة.. وهذا يعني أنني أموت ولا تبدو عليَّ دلائل الانتهاء.. هل أنا في كوكب آخر؟ لا.. إنها الكرة الأرضية.. إذاً لماذا هذه الوضعية؟ إنني أختنق ولا أحد يجيب، وأشاهد دمي يتجمع في الحفرة التي أمامي.. الأمور تزداد تعقيداً.. تلفت يميناً وشمالاً علني أجد من يعيد إليَّ حريتي.. ما هذا؟ إنه لأمر فظيع. خيوط كبيرة تلتف حولي.. ما هذا وما عساه يكون لست أدري.. تجمدت قليلاً.. إنها تحيط بي تتداخل بسرعة متناهية.. تنسج شباكاً، إنها توحي بأنها ستنقذني.. استسلمت قليلاً قليلاً علّها تكون النهاية.. بدت عليَّ علامات الاستغراب.. فجأة أحسست بتلك الخيوط وقد أحاطت بي كلياً.. إن المسألة تزداد تعقيداً.. رجوت الخلاص مما هو حول رقبتي، والآن ما الذي تعنيه هذه الخيوط؟ إنني أشعر بها تهتز بعنف. إنها تزداد تحركاً.. وتارة بعد أخرى يزداد اهتزازها عنفواناً ماذا أرى؟ عنكبوت ضخم يحاول الاقتراب مني وقد فتح فمه الضخم.. إنه يقترب.. إنني فريسته.. ثوانٍ قليلة ويجهز عليَّ.. عيناه يتطاير منهما الشرر. رفع كلتا يديه اللتين في حجم كماشة ضخمة من الفولاذ إنه يدنو مني.. لا.. لا. أريد أن أموت.. لقد غرس أنيابه في جسمي.. إنه يقطعني.. عظامي تتهشم.. ماذا.. إنها لمعجزة، لقد تخلى عني العنكبوت إنه في معركة مع تلك الأيدي؟ لا.. لا.. إنني الغنيمة وكل يريد حصته، أجل حصته.. لا أستطيع عمل شيء.. أدنو من نهايتي تُركت مرمياً هناك.. أبصرت من حولي لا أحد سوى المتعاركين. جسمي مقطع.. يداي ترفضان الاقتراب من موضعهما.. رجلي تحاول، ولكنها تعجز.. إنها النهاية.. لقد قضى كل منهما على الآخر.. استجمعت قوتي.. وأحاول جمع أوصالي، وما زلت رغم المتاعب التي أعانيها.