ظهيرة أحد أيام الصيف الحار، اتكأت على مسند في کوخنا المزروع في إحدى الواحات المتناثرة من القرى … مجموعة من العصافير تحوم من حول تلك الأكواخ مرسلة بين الفينة والأخرى تغاريد وألحاناً مختلفة. ولم يخل ذلك المشهد من أسراب الغربان التي اعتادت الوقوف على أوتاد الكوخ ترسل صوتها الأجش منتظرة ساعة إلقاء نفايات طعامنا لتلتهم بقاياه.. الحرارة شديدة، حيث حرارة تموز التي تصل إلى الخمسين درجة. لم يكن في الكوخ السعفي سوى والدتي العجوز التي قد تحولت إلى جثة هامدة مسترسلة في نوم عميق.
استدرت قليلاً إلى جهة باب الكوخ، فبدت أمامي العنزة التي يسيطر عليها الإنهاك من شدة ضعفها، وتطلعت إليَّ وهي تلهث وقد أخرجت لسانها وهي تكاد تسقط على الأرض. استغرقت في لحظات من التفكير لما يجري لوالدي المسكين الذي حتى هذه الساعة من النهار لم يعد إلى المنزل يا ترى ماذا يعمل الآن؟ تنهدت قليلاً في استياء من الحياة التي نعيشها واسترخيت طلباً للنوم. أثناء ذلك فاجأتني ضربة قوية على جدار الكوخ فأفقت لرشدي وجسمي كله مغطى بالغبار من الأوراق التي تساقطت من السقف بتأثير تلك الضربة. اقترب من الباب وهو يتكئ على عصاه ويتمتم بكلمات لم أستوضحها حتى اقترب. يسب ويلعن فلم أحاول أن أُبدي أي اهتمام بالمسألة حتى هدأ انفعاله. بادرته قائلاً:
- يبدو أنك تشاجرت مع شخص يا أبتي؟
- تباً لك.. لماذا أتشاجر من غير سبب؟
- عنيت بسؤالي الاستفسار لا غير.
- هل يهمك من أمري شيء.. لا داعي لذلك.. انصرف عني، دعني وشأني.
حاولت أن أهدئ من انفعاله فتظاهرت بالسكوت وحاولت الكرة مرة أخرى.
- لكنني يجب أن أعرف الحقيقة عندها بإمكاني مساعدتك.
- تساعدني.. تساعدني.. وكيف تساعدني؟ إنني أعرف أنك لا تستطيع تقديم أي شيء.
- حتى الآن لا أعرف شيئاً.
- إن مشكلتي صعبة، وهي لا تهمك.
اتكأ على عصاه وهو يحاول القيام، ودون أن يجيب عن أسئلتي مضى وهو يردد: إنها لمصيبة.. مصيبة. ولماذا أعيش هكذا يا إلهي.. لماذا تركتني حتى هذه السن أعيش هذا الوضع الذي أنا فيه.. وبخطواته المتثاقلة أخذ يصدر تأوهات حارة ويضم أصابع يديه ويفتحها بتشنج يبدو عليه الانفعال. تركنا واتجه نحو المطبخ.. أفاقت العجوز من نومها وهي تتمتم قائلة:
- ما الذي حدث يا بني!
- لا شيء يا أماه لا شيء.
- ومن بعيد أجابها بلهجة قاسية قائلاً:
- ما الذي يحشر هذه العجوز في مثل هذه المسائل؟
- وببساطة بريئة أجابته:
- إنك تعيش حياتك بانفعال، ولكن لا أعرف السبب.
- يجب ألا تعرفي ذلك لأنك على بُعد شبر من القبر وما فائدة أن تعرفي ما أنا فيه.
- الويل لك.. تريدني أن أموت.
- لم أقصد ذلك.. كُفّي عن هذه الأسئلة.
تجمدت لفترة بسبب هذه الحوارات الساخنة التي تبودلت بين هذين العجوزين.. إنها تعيش عالماً قرب على الانتهاء ولكم بذلت ما تملك من صحة في سبيل أن تحمل جرة الماء وتطوف من منزل إلى آخر.. وفقدت شبابها في عناء قطع مسافات بعيدة لتحضر الماء وتروي عطش الظمأى، حيث تبدأ منذ صياح ديكة القرية معلنة قدوم النهار حتى تبدأ في صياحها معلنة قدوم ظلام الليل، لتعود محملة بالملابس العتيقة والخبز المجفف المطوي في ملابسها لتصنع منه وجبتنا المفضلة.. والآن تقبع على أرضية هذا الكوخ دون أن تملك القدرة على التحرك إيه! يا لقسوة الحياة.
***
بعد أن قضى على موجودات المطبخ من خبز قد مر عليه يومان وكمية من التمر الذي شهد نهم الحشرات، أقبل وهو يردد دعوات وتراتيل دينية، وما إن اقترب مدّ يده إلى كتفي قائلاً:
- إيه.. أنت.. ما أخبارك؟
- لا شيء.. لقد أنهيت عملي في ثلاث مزارع حيث رويت ورممت النخيل، وقطعت بعض الحشائش طعاماً لأغنام صاحب المزارع، بعدها أخذت الثيران وأدخلتها في حظائرها وقد بدت عليها دلائل التعب وها أنا أمامك وأحس بأن مفاصل رجلي ويدي تريد الانفصال من مواضعها.
- لا بأس.. إنك تملك قوتك وشبابك، وقادر على القيام بعملك، ولكن..
- ولكن ماذا يا أبتي؟
- ماذا؟ أعني أنني قد فقدت كل شبابي وأنا أحرث وأزرع تلك الأرض دون أن أحصل على فائدة تريحني مما أنا فيه من إرهاق. وفوق ذلك فصاحب الأرض تثور ثائرته عندما يجدني بطيئاً في عملي، ويهددني بالطرد، بل يصل في تهديده بأنه إذا لم تعط الأرض محصولاً وافراً فسوف يجعلني أدفع تعويضاً لخسائره.
- هل لي أن أساعدك في الغد؟
- ومن أين ذلك يا بني وأنت تدير ثلاث مزارع.
- ولكن.. ما زلت أتساءل يا أبتي هل سنبقى نعمل في هذه الأرض حتى النهاية.. لماذا لا نوفر مبلغاً يجعلنا قادرين على شراء قطعة من الأرض نستثمرها لأنفسنا.
- وكيف ذلك.. ونحن ندفع الديون التي علينا لصاحب المزارع.
- لكن.. لكن طوال الأعوام التي عشناها وكنا ندفع تلك الديون..
- وتسأل من يا بني؟ إنه يمتص من عملنا الأموال ونحن نعيش هذا الوضع البائس.
- لعنة الله على الشيطان.. لقد حان الوقت لأكمل عملي، إنه سيأتي ويجد العمل ناقصاً.
***
نهض فجأة وهو منفعل فوضع قطعة القماش البيضاء – الغترة – على رأسه واتجه نحو الباب متمتماً بتلك الدعوات الدينية التي يجد فيها مخرجاً للضائقة التي يعيشها. اتكأت على جدار الكوخ في مواجهة السماء الزرقاء، واهتزت وريقات السعف المكونة لحائط المنزل بعد أن داعبتها نسيمات خفيفة مقبلة من الشرق. مسكت بحبات من الرمل في يدي ودلكتها، وألقيت نظرة فلم أجد لها أثراً. دفعتني لحظة خيال أنني أمتلك منازل عديدة وخـدمـاً ومزارع وعدداً كبيراً من الثيران وأغناماً، وعندما أسير في الطريق أجد.. الكل يشير إليَّ ويحييني باعتزاز. غابت تلك الصورة الحلوة واختفت وانشددت نحو الصوت القادم من بعيد، المختلط بصيحات وبكاء، صمت قليلاً، وتحول إحساسي نحو الصوت القادم الذي اقترب من الكوخ.. طرق الباب ودخل رجل بدت عليه علائم الجهد.. يرتدي ملابس ممزقة (دشداشة) مخاطة بخيوط ذات ألوان مختلفة. فتح الباب بعنف وهو يتصبب عرقاً ويناديني بصوت مخنوق مختلط بنغمة يشوبها الحزن، قائلاً:
- قم بسرعة لقد حدث شيء فظيع.
- شيء فظيع وما هو، أخبرني. أجبته وأنا أنهض بفزع.
- ما الأمر؟ تكلم.. لماذا تصمت؟ تكلم.
- البقية في حياتك، والدك قد مات.. وجدناه ملقى في الترعة وبجانبه المنجل (الداس) وكمية من الحشائش.. مات.. النهاية المفجعة.
- ملأت الدموع عينيَّ، حاولت أن أحبس بكائي الذي احتقن في جوارحي ألماً على فراقه وحسرة على الأحلام التي عشنا لها سوياً وبذلنا فيها الغالي والرخيص، والنهاية شقاء وموت. نحن البيادير لا أمل لنا في الأحلام.. هكذا يقول أصحاب المزارع.. نحن أبناء الزباء حسب تعبيرهم. تلك المرأة الفاجرة التي حكمت أيام الغزو البرتغالي.. ولم تترك لنا غير البؤس، والنعت الذي ما لبث أن أصبح ورقة إهانة تصفع وجوهنا.. نقلناها عن أجدادنا وعبر آبائنا ولم يدركوا أنها ماتت تحت طعنة خنجرنا.
- على فكرة، أخبرني صاحب المزرعة أن له ديناً عند والدك، وأوصاني بأن أخبرك.
- لا يوجد معنى للإنسانية في قلوبهم.. لا يفكرون إلا بالمال حتى عند لحظة الموت.
- تمالك نفسك وإن شاء الله ستنفرج الأمور وتتحسن الأحوال.
- لم يبق إلا أنا وتلك العجوز التي تركها ذلك الإنسان الذي لم يهنأ له بجلسة ولا طعام ولا ملبس.
***
- ألقى عليَّ نظرة مليئة بالحزن والشفقة، وبينما كنت أحاول أن أقول شيئاً علا صراخ من داخل الكوخ. خرجت مجموعة من النساء ينتحبن وقد وضعن أيديهن على خدودهن يذرفن الدموع وتصدر منهن صيحات صاخبة.. اتجهت نحونا إحدى النساء وهي تولول: ماتت المسكينة ماتت أمك.
نظرت إلى صاحبي، وأثر الصدمة قد حوّل العالم إلى ظلام. العصافير توقفت عن التغريد، الغربان تحوم حول المنزل وكلها حزن للموقف، الأفق البعيد تغطيه خيوط حمراء باهتة تميل إلى السواد، دموعي تملأ حدقات عيني وترفض الخروج لتعبر عن الإصرار الدائم بأنها بداية رحلة طويلة لا نعرف نهايتها. بعد محاولات انزلقت دمعتان على خدي. حركت يدي ومسحتهما. مددت يدي ووضعتها على كتفيه. وبخطوات ملؤها الحزن والأسى سرنا إلى المجهول. تلفتّ حولي ولم أجد غير تجمعات بشرية قرأت في وجوهها الحزن والمواساة.. غبنا عن الدار الحزينة. وعلق بنا الصمت ونحن نراقب حركات أرجلنا التي خلفت وراءنا آثاراً غير واضحة واستمررنا في تلك الدروب المهجورة التي تمتد بعيداً ونلتقي بأخرى حيث تؤدي إلى نهايات مختلفة ليست مرادنا.
الشقاء – مجموعة قصصية – علي عبد العزيز الشرهان
منشورات اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات