آه أيها الرفيق العزيز القادم من الغابة .. كيف استطعت تحملي كل تلك السنوات وأنا اتنقّل بشقاء بين فصول المرض ؟!
أيتها الغابة الأم، والموطن الأول لرفيقي .. سأشتاق إليكِ كثيراً ، لقد حفظتُ الأشجار المتناسلة منكِ والطيور والأشباح التي فيكِ ، إنها أيامي الأخيرة وأنا أترقبُ من النافذة وأُرتّلُ فصولك الأربعة ، ولولا رفيقي لأصبحت الحياة بالنسبة لي مجرد وقت .
إن إحساس الرحيل قد أتى ولا أملك فرصة البقاء ، لقد رافقتني يا صديقي كل لحظات الألم والوحدة ، كيف استطعت تحملي حتى هذه اللحظة ؟
هناك شيء يناديني ، سأذهب هذه الليلة ولن أعود ، سأكون قد أرحتك من هذا المشوارالثقيل ومن التعب الذي كان على كاهلك ، بقيتَ صامداً معي طوال حياتي ، وشهدت سلسلة طويلة لمسيرة عنادي وتحديات الوحشة وغطرسة أفكاري المكابرة .
لقد رأيتَني أمامك متجرداً في الغابة من كل شيء ، حتى هذا الجسد لم يره أحد سواك ، عرفتَ كل أسراري وكتمتها ، أتتصور أني في بعض لحظات خروجنا للغابة كنتُ أستشعر أنك تشغل مني مشغل الجزء العظيم من جسدي ، نصفي الذي وُلِد معي ورافقني في أكثر من حياة ، لذا لم أكن لأخجل منك حين أقرر في لحظة كآبة وعناد التعرّي بين الأشجار ، كما لم تجرؤ يوماً على تركي وحيداً بين ذلك المشهد البدائي الذي يحررني من عقدتي ومخاوفي ومرضي ، كنت رفيقاً وفيّاً ومخلصاً وحارساً أميناً ، ولا أريد أن أُفكّر بأنك أُجبِرت في الأصل على أخذ هذا الدور في حياتي ، أنتَ لستَ مجبراً على مرافقتي .. أليس كذلك ؟
آه يا رفيقي ، أعلمُ أنكَ انتُزِعتَ من رحم الغابة ، وطُوِّعتَ لتكون عبدي ، لكني لم أسمح لنفسي أن أكون سيدك ، فمذ التقينا ونحن نتبادل الرعاية والاهتمام والنزهات ونتشارك دروباً واحدة ، لا يفترق أحدنا عن الآخر ، وأنت تدرك تماماً أن الدروب ليست لي وحدي ، ولا أسير عليها ونحوها إلا برفقتك ، لقد صرتُ أسيراً لرفقتك ، وأعلم أنك أنت ايضاً تشعر بذلك .
أتدركُ معنى أنك خُلِقْتَ لأجلي ؟ حقاً كم أنا سعيد بهذا التقاطع العظيم الذي جمعنا على هذه الأرض ، منذ طفولتي وأنت تُصغي لمخاوفي ولا أنسى أنك كنت السبب الوحيد لأعدل عن فكرة إلقاء نفسي من شهقة الجرف البعيد عن القرية ، حين كنتُ صبياً يتوترُ لأول مرة من عشق فتاة لم يشعر حيالها إلا بالخذلان . كان وجودك معي كافياً لأتذكر أمك الغابة وأسمع صهيل الخيول تخرج من بين التجاويف والشقوق والمياه ، لتدخل في أعماقي وتذكّرني من جديد بالحياة المتوهجة .
آآآه .. دعنا من كل هذا فأنت بلاشك قد أدركتَ شعوري نحوك من البداية ، إنك قَدَّ قدمتَ إليّ خدمات جليلة لايمكنني إحصاؤها ، حتى سنوات الهوان هذه وأنت تقف بانتظاري طوال اليوم لأنهض عن فراشي ونسير إلى بيت الخلاء ، تنتظرني دون تذمر ، آه يا رفيقي العزيز لولاك وبدونك ماكنت أستطيع رؤية الحياة خارج عالم البيت .
شهدتَ معي كل اللحظات الجميلة والعصيبة ، وجودك معي كان بالنسبة لي أكثر من وجود عائلة ، لقد عِشت معي كراهب مُراقِب ، عِشتَ معي حياة صعبة ، تذهب بي بكل ثقة إلى حواف النهر وأحتضن جذوع الأشجار والجلاميد ، وفي عودتنا تترنح بسبب ثقلي ولا تبالي مُحاولاً أن تستعيد توازنك ، تحميني من وحول ومطبات الطريق وأحجاره القاسية .
أيامي معك مليئة بالذكريات..
لا انسى ذلك اليوم الذي قررنا فيه الذهاب معاً إلى الغابة رغم خطورة التوقيت والظروف السماوية ، حيث أمطرت فجأة السماء وفاض النهر ونحن لازلنا عالقيْن وسط الغابة ، حتى وصل الماء إلى خصرينا ، وكان بارداً و موحلاً . كنتُ أتمسّك بك وكدنا أن نهلك معاً لولا لطف الله المُرسَل لنا عبر ذلك الشيخ الذي تدلّى فجأة كغصن من الشجرة ، ورفعنا واحداً تلو الآخر على صخرة عظيمة بدت هي الأخرى وكأنها نبتتْ فجأة من جوف الأرض وجيء بها لأجلنا .
أي علاقة هذه يمكن أن تكون ؟ رغم الموقف الصعب أكملنا وجلسنا على الصخرة الكبيرة ، نتأمل بهدوء ما يحدث حولنا ، الماء بين الصخور والأسماك تختبئ تحتها وتعيش بين الأغصان المتدلية على الأرض والمشتبكة في تعانق وانسجام لطيف . كنتُ مستمتعاً بهذا المنظر وكنتَ َثابتاً على الصخرة تتأمل الطوفان الهادر بسكينة ، كأنك جبل شامخ وحارس أمين .
كثيراً ما كنا نذهب إلى الغابة ، لا نظل الطريق أبداً ولا نعبأ بالدروب الوحلة بعد الفيضان ، وعندما نعود أقوم باهتمام بالغ بتنظيفك من الطين والأشياء الملتصقة فيك ، كم يعجبني هذا الدور ، أن أهتم بك وأشعر بأنك محاط بالرعاية في بيتي .
حتى وفي مرحلة الوهن والشيخوخة كنا كطفلين يخرجان معاً إلى اللعب ، ويعودان في وقت متأخر إلى البيت وقد تقاسما الوحل والأوساخ و السقطات و الخدوش والانكسار والبرد ، تقاسمنا كل ذلك بصمت مُقدّس .
لقد تعلمتُ منك يا رفيقي أن أعبر هذه الأرض دون أن أتشبث بشيء أبداً ، لقد كنتُ حراً طليقاً معك ، وآن الأوان لنفترق ، هناك شيء يناديني ، لأول مرة سأذهب هذه الليلة وحدي إلى الغابة ولن أعود .
لم تعد حُريتك في يدي ، أعطيك حرية الاختيار .. إما البقاء لوحدك ، أو الذهاب إلى أحد غيري تكمل معه رسالتك العظيمة في هذه الحياة ، لم أتخيل يوماً وبعد كل هذه السنوات أن تكون كرسياً متحركاً يرافق أحداً سواي .
تمنيتُ أن أقف للحظة وأنحني لك ، ثم أمضي .
لقد آن الأوان .. بسلام أغمض عيني وأودعك الوداع الأخير.