فهد الفلاسي

نادي الأصدقاء القدامى – فهد الفلاسي

هطل على سطح الأرض سيل من أمطار غزيرة غمرت الطرقات، تعلوها سُحبٌ سوداء حالكة تكسو السماء وهزيمُ رعدٍ يملأ الأرجاء، وصوت القطر المنهمر وهو يرتطم بها كصوت طلقات نارية.

ترى شظايا ملامحك تنعكس على البِرك المتعرجة المستلقية على امتداد الممر المرصوف بالطوب الرمادي، وفجأة، تتفجر شرارتان في منتصف إحدى البِرك من كعب حذاء أحمر لشابة وضيئة الوجه تخطو نحو ملهى ليلي مكتظ في آخر الشارع، كانت صديقتها كاساندرا قد اقترحت زيارته.

أخذَتْ نفساً عميقاً لتهدئة حماستها وهي تفتح باب الملهى، كانت متشوقة لسماع تجارب أقرانها مهما كانت، حدثت نفسها: “حتى الفاشل قد يعطيك دون إدراك نصيحة نافعة”.

دخلَت إلى الملهى تتمخطر بجدائلها الذهبية المسترخية خلف كتفيها، لمعت عيناها وانفرجت أساريرها عندما لاحظَت المكان غاصاً بالزبائن.  

“حدثت نفسها”: “هذا سيُسهل مهمتي بلا شك”.

جلسَتْ إلى طاولة زجاجية مستديرة يشغلها رجلان متقابلان في جوٍّ مشوب بعدم الارتياح، أحدهما طويل ونحيف مثل عود قصب السكر، أمّا الآخر فقصير وممتليء كالبطيخة، رغم ذلك استقبلاها بلهفة حيث كادا أن يفقدا عقليهما من طلتها الساحرة وثقتها المفرطة بنفسها.  

“هل كنتما تنتظرانني منذ مدة طويلة؟” وتابعَت حديثها قبل أن تتلقى رداً: “ولكن من الواضح أنكما استثمرتما وقتكما بشكل جيد”، وهي تحدق في كأسيهما، أحدهما عبارة عن مشروب ذهبي متلألئ، والآخر مشروب أحمر ياقوتي، قالت وهي تعبث بجدائلها: “غريب.. كيف تختلف أذواقكما بينما توحدكما قضية مشتركة”.

وفي محاولة لجذب انتباهها، قال الرجل النحيل: “صديقي يدعي أنه أكثر نجاحاً، هل تصدقين ذلك؟”

رد الرجل الممتلئ وهو يومئ بفخر: “لأن هذه هي الحقيقة”.

هم الرجل النحيل بخبط رفيقه على رأسه عندما تدخلت المرأة: “كفى أنتما الاثنان! لَم أقطع كل هذه المسافة لأبدد وقتي الثمين، أحتاج إلى أفكار مبتكرة لتنفيذ خطتي”.  

ارتشف الرجل الممتلئ من شرابه الأحمر الياقوتي قائلاً بزهو: “الأمر بسيط، ابقي بعيدة عن الأنظار، واضربي بسرعة وبقوة قبل أن يلحظك أحد”.

تنهد الآخر بتهكم وقال: “إليكِ النصيحة الثمينة، افعلي ما عليك القيام به بهدوء وفعالية”.

“كيف ذلك؟ يا سيد…؟” ثم واصلت: “ما اسمك؟” وهي تنفث دخان سيجارتها الإلكترونية.

باشر الرجل النحيل بالإجابة أولاً: “سارْس، وقد تمكنتُ خلال أشهر من تحقيق ما استغرق هذا سنوات لتحقيقه”.

“هذا؟ عذراً! لدي اسم وهو إيبولا“.

أجاب سارس والازدراء يطفح من نبرة صوته: “حتى اسمي له وقع أكثر هيبة من اسمك”.  

قالت وهي تهم بالمغادرة: “يا لكما من شخصيتين مسليتين، شكراً على نصحكما، عموماً آن وقت انصرافي”.

“لم تخبرينا باسمك!” مد كلا الرجلين عنقيهما للأمام تعبيراً عن الإنصات والاهتمام.

قالت: “كورونا! وصافحتهما بحرارة.

أخذت بالابتعاد، ثم استدارت نحوهما، وقالت بمنتهى البرود: “سأقدِّم لكما بالمقابل نصيحة جديدة ومفيدة: أنجِز مهمتك وفريستك تبتسم لك بسذاجة”.

ثم انصرفت عبر الحشود نحو الباب الخارجي، تاركة إيبولا وسارس في حيرة من أمرهما غير مدرِكيْن ما ترمي إليه.

وقبل أن يكملا احتساء شرابهما، شعرا بحواسهما تتضعضع، وعلى إثرها سيطرت الحمى على جسديهما، مصحوبة بسلسلة من السعال الجاف تسببت لهما بضيق شديد في التنفس، تملّكهما الذعر وأعينهما تصرخ طلباً للنجدة، أدركا متأخرين أن كورونا ليس نوعًا مألوفًا من الفيروسات.

لم يهمَّ أحد بمساعدتهما، وقف الناس بعيداً في حالة من الرعب، فمن ذا الذي يجرؤ على الاقتراب؟ من يتحلى بهذه الشجاعة النادرة؟ من سيخاطر بفقدان حياته من أجل حاملة إكليل الغار؟ من أجل كورونا. 

“مطاردة كورونا” مجموعة قصصية لفهد الفلاسي