يقظة الملامح القديمة

يقظة الملامح القديمة – محمد راشد المزروعي

فوق كيس من النايلون، وعلى ما دخل من النور.. ليرى صور الموتى المعلقة أزمانهم على الجدران في يقظة الملامح القديمة لثيابهم ولإطار رضاهم النافذ ومن ثم عيونهم ذات الحنين المصقول بحواجب غزيرة الحدة.

وفوق دهشة الأراجوز – ولا دهشته – الذي رسمته مشخبطاً روحي بالقلم الرصاص.. كي أرضى ببعض التأنيب، وأفوز بونيس.. إذا ناديته.. خرج من رسمته على الحائط إلى ندائي.

وفوق العيون…

كانت تتمرغ في صب المياه على جسدها الرقيق، وبينما روحي ترفرف للدخول عبر البخار المتصاعد من استسلامها لأيديهن.. لمحتني «أم شوقي».. فسدت فتحة الباب الصغيرة بنظرتها إليَّ.

تخاجلت إلى الوراء..

ثم أسمعهن بين ترديد اسم الله والقرين الذي ضرب بكف يده على ظهرها وهرب، ثم مرة أخرى تلمح «أم شوقي» حنيناً يحلق حولها، فيفقد عمري أن يرى الكف.. «ضربة الكف»، ومن قبل فقدت رؤيتها بدون صوت، إذ كن يلبسنها فستاناً من ضرورة عدم رؤية صغير مثلي – هده البكاء على هذه العروسة اللحم – لما يحدث بالداخل..

  • لم يخرج صوتها من فمها منذ الصباح يا جدتي.
  • ذلك أجمل.
  • أريد أن ألعب معها وهي بدون صوت يا جدتي.

وعلى سجادة من قصاقيص الأقمشة، وهنا وبين سريري والدولاب وحائط الأراجوز، تلعب أمي لعبة البنت التي أخذت دور الأم، وآخذ دور الأب، ومن ثم نذهب في اللعبة إلى أن تلد وتحمل وليدها هواء بين يديها لتريني إياه، فأرى وجهها شفافاً أيضاً، تبكي وراءه عيوني وأمي تصرخ ليسمعها الشارع.. تسمعها السماء.. بينما صراخها لا يجرؤ دخول تلك الحجرة التي تنام فيها بجانب رجل.

وبين جروح من سبع سماوات طباقاً وأرض.. تهدأ أحشاؤها من الآن وإلى الآن، وتنزوي عضلات روحها من فزع التكرار إلى نبضة دهشة لتكون بيننا «نشوى».. يزين وجودها إبريق من الماء بأطفال من الشمع الملون، في عيونهم يتأرجح اللهب بين الحفاوة والتعزية، والشمس تدخل من صباح لتضع هي الأخرى مولودها بجانب أختي.

أختي.

سبع حبات من الفول وقرش أحمر.. حفنة من الملح والعدس الأصفر واسم الله.. ثم يأتي المقرئ بعد كل صلاة عشاء يطلق من حزينة روحه على عماه.. أطفال سورة «يس»، فينتبه البيت لزينة الرحمة وانشغال جدتي بانحناء نظرها عجزاً حتى تصل إلى الرجاء ويخرج من تحريك يديها لعرائس الغيب «حجاباً» فيه من العمر ما لا أعطي لنبي، وتعلقه على صدر نشوى.

وفي الليل.. تأتي أمي من جانب الرجل – من ضلعه – ماشية على أطراف حرصها والهدوء، توقظني، فأمشي بدءاً من تحايلها على الألم حتى بيت القابلة، حتى إذا كنت في منتصف الخوف من خلو الشوارع من السير إلا مني.. طلعت على قدمي فئران تهرب من فجأتي لها.. فانحسرت لأجد – في ركن – من التخفي – يدي ترفع عن نشوى وجه غطائها، وكان نمل يوسد وجهها بياته الأخير..

  • نشوى يا جدتي.
  • ستذهب في الصباح إلى بيت الله.

أختي.

ذهبت هذه المرة بعد ثلاثة أيام من ولادتها جميلة. لا داعي لتحميمها …

  • اسميها «نشوى» أيضاً..

وتأتي على أطراف حرصها والهدوء وآتي لها بالقابلة، وتخرج «أم شوقي»، وتدخل بلهفتي وبمزيد من الماء، تخرج وتغلق الباب، وتدخل وتغلقه، وتبتسم أعمار نشوى من الإجهاض إلى الأربعين يوماً، فإذا ولدت نائمة ويداها معقودتان على أنفاس بعيدة.. بكت أمي، وإذا ولدت وفي يدها لعبتها تلعب الحجلة مع «الملائكة».. بكت أمي، وإذا ولدت مغطاة بورقة توت.. بكت أمي، وإذا ولدت بحرصها والهدوء.. بكت أمي.. الخ.. الخ.. الخ..

ركبنا الحنطور.. جدتي وأنا ونشوى، الطريق والحصان يتسابقان مع كرة الأرض، وجرس يرن بالتعب في عيني أمي.. ونهديها.. ومبايضها، مطلع صعب على حمولة الحصان الذي يجرها، ثم منحدر.. حيث أعطت جدتي للرجل «نشوى» وأعطته نقوداً وقالت بجانب أختها.

  • وأغطيها بزهور سورة الرحمن والصبار أيضاً يا ست.

نفس الفستان الأبيض الذي ترتديه في كل مرة ونفس جدي الذي لا يزال يتعجب من هذا الاسم من دون «فاطمة» أو «سنية» أو «فاتي»، ونشوى تترك لنا زمناً من الحنين نعرف آخره ولا ندرك أوله. وتترك لي قمراً لا يعرف الشباك معه ضلفة من الخشب ثم ضلفة من الزجاج ثم من البرد ثم الخوف وهذا الأراجوز الذي جسده ينحف متساقطاً مع الجير.

أختي.

تترك لنا خصلة من شعرها الجميل، نتيه بها على جبين من سبعة عروش بسبعة آلهة، ثم توقظنا ببكائها وهي نائمة، وتبتسم.. فتربت جدتي على الزمن بهزة رأسها وهي تقول:

  • الآن.. قالت لها الملائكة.. أبوك مات.
  • وعندما كانت تبكي يا جدتي.
  • ما عادت تبكي.
  • وتصعد ذاهلة.
  • ضربها أخوها الذي تحت الأرض وهرب.
  • وأنا يا جدتي.

جدتي تقلد «أختي» «الحجاب» ثم تلفها بالفستان الأبيض والحنطور والرجل الذي تقول له.. بجانب أخواتها. وأمي تأتي من جنب الرجل ماشية على أطراف حرصها والهدوء، فأحضر لها القابلة، وتخرج «أم شوقي» وتخرج.. وتدخل.. تدخل، ورجال يصطفون.. لينحنوا بأجسادهم مثلما نلعب النطة، ثم يقفون، ثم ينزلون ليضربوا رؤوسهم بالأرض، ثم جدتي تخرج من الصورة لتبدل ثوبها الأسود.. بثوب أبيض، ودون أن أفهم.. ستقول «أم شوقي» …..

  • أخواتك يخففن من حساب أمك.

 


فازت هذه القصة بجائزة تقديرية

  • منشورات اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات