بدت مترددة، يغلف نظراتها لون قاتم للشك والخوف وترتعش أناملها في محاولات عديدة لجذب غطاء رأسها بعد أن زلقته حركاتها المتعثرة وخشيتها الواضحة من العيون المحلقة بها وكأنها ترقبها وتلاحق خطواتها.
- لم أكن أعلم بأنني سوف أخطو عتبة هذه الدار في يوم ما …
قالتها لنفسها وهي تنظر حولها وأمامها وتتراجع أقدامها كلما همت في التقدم.. كانت صورة الباب المرتفع تتشكل في ناظرها مثل أفعى سامة تتأهب للانقضاض عليها وغرز السم القاتل في أوردتها.
- توكلي على الله يا ابنتي، توكلي عليه وسوف يمن عليك بالشفاء العاجل إن شاء الله.. تردد ذلك الصوت في ذهنها وكأنه وخزات من إبر تنفذ خلال عظام جمجمتها وتحفر لها مكاناً أليماً موجعاً في قلب الرأس، شفاؤها العاجل سوف يودي بها إلى الطريق الذي ظلت طويلاً تخشاه وتحتقره وسوف يجعلها تصبح واحدة من اللواتي ضحكت لجهلهن وشنت حروب نصائحها عليهن..
خطت بقدمها إلى الأمام وتلفتت حولها لتصطدم نظراتها المضطربة بالعديد من الأجساد المكدسة في انتظار صامت وصابر وأعين تدور في المآقي وتبحث عما قد تجد فيه عزاءها وتراه بارقة أمل.
ألجمتها مفاجأة ذلك الوجود الكبير للعديد من السيدات ولحظت بعضاً منهن من اللواتي ضحكن كثيراً وشاركنها رفضهن لما يقدمن عليه الآن ولما جاءت هي بنفسها تحاول من خلاله وتبحث عن الشفاء العاجل.. ضحكت في داخل نفسها بمرارة وشعرت بملوحة الجرح الدامي..
لقد يئست من الإنجاب ويئس زوجها من ترديد أسطوانة الأطفال ورغبته الحميمة في أن يصبح أباً للعديد من الأبناء، لم تكن تدري بأنها في يوم ما سوف تضطر للجوء إلى المستشفى والعيادات الاختصاصية وغيرها، وبأنها سوف تخضع جسدها وأمومتها المبتورة وكل أنوثتها لمباضع الجراحة وآلات الأطباء، كانت تقصد تلك العيادات وفي قلبها خوف يثقل مع مرور الأيام ويتحول إلى يأس يسقمها ويطلي نور الحياة بالقار أمام عينيها.. حاولت في كل مكان وسافرت بقصد الخبرات المضمونة والعلاج الناجع الموثوق به والأطباء الذين طارت شهرتهم عبر الآفاق.. وعادت تجرجر وراءها أحزانها وذيول خيبة عميقة وآلام صدمات نفسية ومستقبل حالك لا تبدو عبره طاقة للأمل. وأصبح الشوق لإنجاب طفل يستبد بحياة زوجها.. كان يسألها يومياً عن مستجدات العلاج وعما قد توصلت إليه، ولكنها كانت تطأطئ رأسها وترخي العنان لدموعها تسكبها حارة وسخينة بين ذراعيه ويطمئنها هو في صمت وانكسار وعيناه يغرق فيهما موج لحلم خبا بريقه.
نفضت ذكرياتها وطنين أحاديث النسوة وهمهماتهن تتردد حولها تؤرق أحلامها واستفاقت من غفوة الخيال وتذكرت المكان الذي تجلس فيه، كانت تسدل فوق وجهها ستراً قاتماً وقلبها يخفق بالخجل وعيناها تقطران بنزيف القلق والوحشة.
تململت في مكانها ثم نهضت متعثرة تلملم شتات نفسها التي بعثرتها أحزانها وهمومها.. استطاعت أن تصبر طوال السنوات العشر التي قضتها مع زوجها في يأس وصمت يثقلان مشاعرهما ويفتتان أحلى سنوات للحب والزواج.. لم تكن تدري بأنها سوف تعاني ما تعانيه اليوم ولم يكن هو يتصور بأن يصيبه الله في أبوته زينة الحياة بعد أن أغدق عليه وأوسع في أبواب أرزاقه، وأعجزتها كثرة اللجوء إلى المستوصفات والعيادات جرياً وراء العلاج وبحثاً عن الأطفال، عن أمومتها المذبوحة في قلب المجهول، وآثرت في النهاية أن تتوارى خلف جدران دارها حيث قبعت وأغرقت نفسها في بحيرة يأسها والعذاب يتحول إلى أشواك حقيقية تعانيها في كل لحظة وتقضي بها سنوات حياتها …
وتسلل زوجها من بين أحضانها، السهر واللهو كانا يجعلانه لا يعود إليها إلا في أنصاف الليالي ثملاً مجهداً يدير رأسه الشراب الثقيل وتجهد لسانه محاولات الكلام والغناء، كان هو الآخر يعاني ويحاول أن يفرغ صديد ذلك الورم المتكتل في قلبه إلى الخارج..
اقتربت من العتبة الواسعة للحجرة الموصدة وامتدت يد من خلفها تدفع أمامها الباب الصغير وتشرع بطن الحجرة الضيقة المعتمة.. سعلت بعد أن هبت في وجهها رائحة عطنة وتراجعت …
بعد عشر سنوات خيّل لها بأن زوجها قد تحول عن رغبته في الإنجاب، لم يكن يحادثها بذلك الشأن ولم تكن أسئلته واستفساراته تصل إلى سمعها بعد ذلك وسكنت نفسها بعد أن توجست شراً حينما علمت بأنه قد آثر طريق السهر واللهو وصار يعب منه بغزارة بغية صبره وسلوان روحه الظمآنة للأبوة وجاءها من يخبرها بنيته في الزواج..
جلست والسعال قد تملكها.. الأبخرة الملونة تتصاعد بكثافة وتصل لذعاتها الحارقة إلى عينيها وحلقها، بطعمها الكريه المقيت، سعلت وشعرت بالغثيان، وودت لو تفرغ ما يملأ معدتها في تلك اللحظة.
وتأكدت من رغبته في الزواج…
الجميع كانوا يعلمون والجميع قد أخفوا عنها تلك الحقيقة، كان يبحث عن أمل طوال السنوات العشر التي مرت وهو صامت يبتلع رغباته لأجلها ويحرص أشد الحرص على ألا يؤذي مشاعرها، لقد أكبرت فيه تلك الأيام التي قضاها وإياها يداري آلامه ويخفي أوجاعه وخيّل لها بأنها كانت واهمة حينما تصورت في لحظة ما بأن زوجها سوف يلقي بها مثل كم مهمل بعد أن يتأكد من عقمها ورحمها المعطل عن الإنجاب وبأن حبه لها قد فاق كل رغبة وقفز عن كل أحلام زرعها في ماضيه..
واستفاقت من غفوة السنين التي ظلت تصبّر نفسها خلالها بذلك الأمل وتحشو قلبها بتلك الفكرة تنظر حولها وتجدها وحيدة عزلتها الأقدار في صحراء الوحدة بعد أن قرر زوجها.. وعزاؤها الوحيد في هذه الحياة أن يتزوج..
تملكتها مشاعر الألم والغيرة، لقد أصبحت ذلك الكم المهمل الذي خشيته لفترة ماضية وتناسته طوال السنين التي قضتها يغمرها دفء رجلها وتضمها حنايا بيته وقلبه وسوف تأتيها بعد أيام امرأة أخرى تفوقها شباباً وتتفوق عليها بتحقيق رغبة الرجل الذي أحبته وتمنت لو أنها قادرة على إسعاده..
كان مجرد التفكير في تلك الدقائق التي تعلن ولادة ذلك الزواج كفيلة بإصابتها بلوثة من الجنون ويقلب في صدرها فورانات، الغيرة، تلذعها وتسري في عظامها مثل نيران تفتتها وتسحق مشاعرها.. وأرشدتها إحدى جاراتها إلى الحل الناجع الوحيد الذي صدت عنه وسخرت منه طوال السنوات الماضية..
- هو الوحيد الذي يستطيع حل عقدة عقمك وإخصابك وهو الوحيد القادر على حفظ مستقبل زواجك..
كانت تستغيث بكل ما حولها في محاولة أخيرة للسباحة ناحية شاطئ النجاة وكانت تتخبط مثل غريق جذبته دوامة القلق وبدأت في دورانها نحو النهاية.. الأبخرة تتكاثف وتتصاعد حتى أصبحت لا تتبين ما يدور حولها ولا تسمع سوى أصوات تختنق بين النيران والشرر المتطاير.. الحجرة الضيقة بدت وكأنها تضيق أكثر وتطبق على صدرها والوجوه المختفية وراء الضباب القاتم تلتمع فيها ألوان الشرر الملتهب وتبدو وكأنها ظلال صور بدون ملامح تميزها..
خفق قلبها جزعاً وبدأت الأرض تميد بها، المرئيات حولها أصبحت أضواء تسطع في عينيها وتختفي والرطوبة تنخر أنفاسها وتضيق في حلقها وصدرها..
صرخت بألم وارتمت فوق الأرض تموج في عقلها صور أمومتها وأطفالها الذين لم تنجبهم وزوجها تعلو من حوله أنغام دفوف الزفاف تجرح سمعها وزوجته تضحك في وجهها باستهزاء وجارة عجوز تنصحها باللجوء إلى ذلك الساحر الذي لم تَخْطُ امرأة عتبة داره إلا وخرجت وهي راضية مسرورة بعد أن يتحقق لها ما أرادته وعجزت عن بلوغ مآربها منه ومستقبل حالك السواد تصبح هي فيه كومة من جسد وثياب يهملها كل الناس ولا تجد لنفسها سوى حجرة ضيقة مثل التي تسقط فوق أرضها وأبخرة تتكاثف، ضباب يغلف أيامها وأصوات خليط من ضحك وقهقهات وعواء بشري وكأنها ترتفع من مكانها إلى السماء، غابت عن وعيها وانتهت دوامة الاختناق بسقوطها المؤلم..
فتحت عينيها وقد غابت عن خاطرها كل حوادث الأمس الرهيبة، لمحت وجهاً يقترب منها صرخت بضعف وصوت واهن وهدأها صاحب ذلك الوجه والموجودون حولها.. تبينت ملامح زوجها شاحبة متقلصة وهو يقترب منها ويفح في آذانها همساته:
كل ما سمِعْتِهِ كان أكاذيب، جارتنا هي التي عرضت عليّ الاقتران بابنتها و.. وسرى إلى سمعها صوت الطبيب وكأنه يحفر في عظامها ويفتت كبدها…
- السيدة تبدو في حالة خطرة، اغتصاب وحشي وجنين عمره شهران اختنق في رحمها بعد استنشاقها لكمية كبيرة من الروائح السامة والكيميائيات القاتلة.. وسقطت أجفانها…
منشورات اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات
- فازت هذه القصة بجائزة تقديرية