عبد العزيز الجسمي

أصوات الرحى – عبد العزيز جاسم

خلفان البحري رجل مليء باللعنات. مليء بالبلغم والكحول، بالنزق والجنون. كان كثيراً ما يقفل عليه باب غرفته، ويبدأ في الصراخ، حتى تكاد الجدران تنهدم عليه. وكثيراً أيضاً ما سمعه الجيران يشتم ويلعن دون أن يكون معه أحد. ثم بعد برهة، يخرج منفعلاً بثيابه الرثة، المهلهلة على جسده كخرقة راهب متشائم. ليذهب إلى مكان غامض باتجاه المقبرة. إن معظم العائلات المتشددة دينياً في المنطقة. تحذر أبناءها من الاحتكاك به. فهو بالنسبة لهم رجل سيئ السمعة، مسكون بالجنون، وبالحركات الشاذة، التي تخرج عن المألوف والمتداول. حيث بعضهم ذهب في تفسيره إلى أبعد من ذلك. فيما نعتوه بالإلحاد، لأنهم لم يشاهدوه قد دخل إلى المسجد في يوم من الأيام. هو شخص نحيف كعود الخيزران، يتعاطى الخمرة بإدمان. وجهه مطرز بالقلق والتوتر. وعيناه جاحظتان باستمرار، حيث السيجارة لا تفارق فمه. إن الغموض يدور من حوله، فيما يعيش بتكتم أشبه بالعلاقة السرية. فقد حاول تقليص الصداقات الزائدة، وتتويجها بالاحتفاظ بصديقه سالم غسال الموتى فقط.

بالأمس قال الطبيب الباطني لخلفان البحري:

  • يجب أن تتخلص من الكحول. إنك تنحدر إلى مهاوي الانتحار.
  • وهل تخلصني من قباحة هذا العالم؟
  • لكن كبدك أصبحت كالغربال.
  • وماذا يعني ذلك؟
  • يعني أن عزرائيل قد حجز سريراً بقربك.

.. ابتسم خلفان البحري بهدوء قاتل، وخرج لا ينوي على شيء. في غرفته المعزولة قليلاً عن بيوت المنطقة. أخرج من تحت وسادته العفنة، قارورة صفراء وأخذ يشرب. كان وجهه قد احتقن بالدم وتصلبت شرايينه. حيث أعلن سخطه على العالم. كان كئيباً أكثر من أي وقت مضى، كمنطقة بركانية مظلمة، أو كسماء لا تضحك. فيما تصوف في حزنه، وهاج وماج في نزعاته وطقوسه. بعدما أطلق صرخة مدوية كارتعاش قطار قديم على سكة حديدية.

كانت الصرخة في هذه المرة جارحة وعنيفة. فيما انبجست أقوى من أي تغليف جوي يوقف نشاطها، ويحد من درجة حرارتها المنبعثة من فوهة غياهب غامضة. كان لصرخته تأثير الحرب. وطعم المرارة وجلال الشهوة. ومن ثقوب مجامر مكتنزة بالرماد والبلغم واحتكار الشبق. سال دمه الهائل والجارف بقسوة. من الينابيع السحيقة. الينابيع المخصية بإصرار الخلافة والإرث. عظيم كعيون متوحشة تحشر بالجمر، وتضيء في الظلام. الأمر الذي أدى إلى اكتساح بقع دم فاسدة، وندوب أوجار مسمومة تشاكلت بغبار متحف تحطم. وبدا في هذه اللحظة كما لو أن الصرخة أصبحت مهيبة أكثر من المعتاد. حيث توسطت رصيف الولادة والموت. لتسيل كعصير النارنج في نهر من القلق اللذيذ. القلق الخرافي الذي يتحول إلى سحر أو تنجيم.

(2)

البارحة اعتقل خلفان البحري. بتهمة تعاطيه للمشروبات الروحية. حيث أودع السجن بعدما مر بجميع الإجراءات الطبية والأمنية. حين كان في السيارة، كان هادئاً وقذراً، نزلت رجله في عدة أوحال تجمعت بفعل المطر، حيث لم يبد أية مقاومة تذكر. فقط أخذ يحدق في الجنود ويدخن كشاعر يصطدم بجدار اللغة، دون أن ينبس بكلمة واحدة. أثار هدوءه المفتعل أحد الجنود الذي شتمه وكاد أن يبصق عليه. ولما شاهد خلفان صامتاً، وكأن الأمر لا يعنيه. أخذ منه بقوة عود السيجارة، ودعسه تحت حذائه. فيما قال له بغطرسة: «يجب أن تحترم بدلة البوليس يا غبي». لم يحرك خلفان ساكناً. فقط زفر زفرة نارية، ورمى بصره في الفراغ. حيث بدا الجندي يظهر عضلات فكيه ويشد على أصابعه بصلابة.

كان خلفان قد تعود على هذه الممارسة من قبل. لذا لم يظهر أي وجل أو خوف. فأغلب الإجراءات الأمنية، تبدأ بهذه القسوة وتنتهي بنفس الصرامة والتعذيب. إذن فالأمر في غاية البساطة لديه. ففي الغد سينتفض جسده الهزيل تحت لدغات عصا الجلاد الموجعة. ليصبح ظهره خارطة لمدينة مشوهة. ومن ثم سيطلق سراحه، ليعود إلى غرفته المعزولة عن العالم. ويشاهد صديقه غسال الموتى. حيث يخبره عن آخر ميت سرق منه بعض الخواتم أو الدراهم، التي بقيت على جسده قبل أن يرحل إلى العالم الآخر. وبعد ذلك سيشرب حتى الثمالة. إن الجلد بالنسبة له أصبح كالعادة الشهرية لدى المرأة. تؤلم فقط لكنها لا تطهر. إن خلفان البحري نزيل قديم على ما يبدو. فهو للمرة العاشرة التي يجلد فيها ولا يتوب. لذا فكلمة اعتقال لهي شديدة الالتصاق به. حتى أضحت الوجه الآخر لتكوينه النفسي والعقلي. إنه بدا لا يتنفس إلا من خلال هذه الكلمة. فهو حين يأكل أو يتكلم أو يفكر أو يمشي أو ينام أو يقرأ. يراها منتصبة بكامل زينتها وقباحتها أمامه. وكأنها لعنة أوديب القرن العشرين تمتشق على هذه الأرض بخطيئة أخرى.

حين زج بخلفان البحري في الزنزانة. كان مخلوقاً ضالاً، لا يملك أي هوية تحدد معالم وجوده. لذا فهو لا يستطيع تفسير ما يحدث له. لكن شيئاً ما أثار هواجسه في الحجرة الحديدية. ففي الوسط كان رجل أصلع ملقى كجثة هامدة يصدر صوتاً أشبه بخوار ثور. قد ثبت نصف وجهه على الأرضية. فيما شفته السفلى تلحس التراب والعرق المتصبب من جبهته العريضة. في حين كانت عيونه مقفلة كبوابة دهليز قديم، لا يجرؤ أحد على فتحها. وفي الزاوية المواجهة له تماماً. انكمش شاب خلاسي، جحظت عيناه، وشد يديه على صدره كوضع الصلاة. بيد أنه ينظر إليه بحذر شديد وواضح.

(3)

الآن وحدها أصوات الزرانيخ تملأ المكان. وسعال جارح يأتي من مكان قريب کمخلوق مصاب بالسل الرئوي. غير أن ضجيجاً علا في الخارج. وأصوات أقدام تدخل. الأمر الذي أثار حفيظة خلفان الذي كان يشعر بالفراغ. وبعد برهة أدخل سجين ثمل تماماً. توشك روحه أن تزهق بين أصابع الشرطي الذي أمسكه من عنقه بعنف وبدون رحمة. في هذه الأثناء دفع بالنزيل الجديد في الزنزانة المجاورة. وصوت ارتطام يجيء من هناك. ثم بوابة حديدية تقفل. وكنمر غاضب مر الشرطي بهراوته الطويلة، وقد ارتسمت على محياه علامات التأفف والضجر. حيث قال: «كلاب.. أوغاد». تذکر خلفان البحري هذا المشهد. وكيف أنه جرب أساليب الإذلال من قبل. ففي إحدى المرات والشرطي ممسك به من خاصرته ككماشة السلطعون. استدار نحوه خلفان وبصق في وجهه. الأمر الذي استوجب رفسة قوية في بطنه. جعلته يشعر بالغثيان يصعد إلى فمه. وإحساس رهيب بأن حياته قد دنت من النهاية.

إن الإحساس بالوقت لمعدوم في هذا المكان. فقد رفع خلفان عيونه الحزينة بتوجس، مجيلاً بناظريه في الأشياء من حوله. كان في نهاية الممر المؤدي إلى الصحراء الخارجية، بؤرة ضوئية ثبتت في السقف بعناية فائقة، تضعف وتقوى في كل حين. ومن أماكن متفرقة تصعد رائحة أشبه برائحة الحانات أو بيوت الدعارة وهسيس غامض غير مفهوم يأتي من بعيد. فيما في الممر العادي الذي يفصل ما بين الجدار والأسياخ الحديدية المقابلة له، تنتشر مخلوقات زاحفة، تجردت من النعومة والملاطفة. حيث أبسط ما تثيره هو الشعور بالاشمئزاز والرغبة في التقيؤ. شيء ممتع كان يحدث في هذا الطقس الفاحم! كان في أفق الممر، ذباب سمين يحوم حول البؤرة بنشاط مفرط. فيما ذكر وأنثى الذباب كانا يمارسان الجنس علانية، دون أن يثيرا غريزة ما حولهما. سوى نظرات خلفان البحري الثاقبة الذي أخرج لسانه الجاف ليلحس بعض قطرات من العرق تجمعت أسفل شفته. بينما باقي السرب كان منشغلاً بنزق التحليق والعبث.

لم يقطع هذا التأمل الصوفي وهذه النزعة الاكتشافية، سوى غرغرة بطن الشاب الخلاسي التي علت بصوت مرتفع. حيث لم يزل في انكماشه كمن يرغب في عزل نفسه في زنزانة ثانية، والحجر عليها في مدينة الهامش. باستدارة الواثق من إمكانياته، والمجرب لعذابات الخوف والعزلة. التفت خلفان باتجاهه وبدا يحدق فيه ملياً. كان مرتبكاً، حيث بدأ يقطع أظفاره بأسنانه. وشحوب وبعض تشنجات تعلو وجهه. كان خلفان قد أقسم قبل الآن، بأن لا يحدث جباناً في حياته. غير أنه تذكر بأنه وضع في هذا المحك من قبل. عاطفة ملحة كانت تحرضه لفتح حوار معه. بعد أن أخرج لفافة من السجاير، من مكان سري. حيث أخذ يدخن بتلذذ كمن يعانق حبيبة بعد طول فراق. قال له:

  • لِمَ كل هذا الارتباك أيها الشاب؟ إنك تبدو كطفل في المهد لم يفطم.

.. بفظاظة غير متوقعة. قال الشاب الخلاسي بعد تردد:

  • وما شأنك أنت بي؟ إنك تبدو متطفلاً.
  • ولكنك بهذا الفعل. ستموت قبل موعدك.
  • وهل نحن أحياء في نظرك؟
  • نعم. لذا يجب أن نطعن الموت. إنهم يزرعون لنا الموت في كل مكان.

.. إنجلى بعض الانكماش. وخف احتداد الشاب. غير أنه أردف قائلاً:

  • وكيف ذلك؟
  • اسمع. سأقدم لك نصيحة. في الغد ستؤلمك العشر جلدات الأولى. ولكن جلدك بعدها، سيعتاد حساسية العصا. في هذه الأثناء احلم بامرأة خرافية تغسل ظهرك بألياف جوز الهند واحلم بأنك ستنجب منها أطفالاً، مغامرين ينتقمون لك كذئاب شرسة.
  • وهل طعم العصا مر؟
  • لا مطلقاً. إنه أشبه بالعسل الأسود. العسل الذي تتذوقه على صحيفة من الجمر. ولكن جسدي لا يقوى على تحمل هذه السادية المخيفة. أنا طالب في المرحلة الجامعية. أبي مات ليلة البارحة لم أقو على الصدمة، فلجأت إلى الحانة ابتغاء للنسيان المزيف.
  • إنني أكره الجبناء يا رفيقي. لذا يحتم عليك أن تتشجع.
  • ولكني خائف بالفعل!
  • ولِمَ الخوف؟ إنه طاعون مدمر.
  • السمعة يا سيدي. وماذا سيكون موقفي إزاء مواجهة الناس حين أجلد؟ إنني وحيد أهلي.. وعلى وشك الزواج. ألا تعي.. هذه المسألة؟

.. لم يتمالك الشاب الخلاسي نفسه. فانهمرت دموعه وأخذ يشهق، كمن يكوى بالنار. بينما الرجل الأصلع ما زال يغط في نوم عميق غير مدرك لما يحدث من حوله.

(4)

حين كان الدخان يسافر إلى رئتيه، استسلم خلفان البحري لصوت قرينه الذي جاء من الأوجار العميقة. وبحدة العصاب الروحاني، انفلت كيانه المثقوب في جزائر الذاكرة.

حيث بدا كما لو أن كوة كبيرة انفتحت في جدار الزنزانة كانحلال جبل صخري. يبدو الآن بأن خلفان قد تخلى عن بقايا جسده، وهاجر في سماء الأيام الرمادية. غير عابئ ببكاء ونشيج الشاب الخلاسي. فيما في هذه الساعة تحدث قرينه الداخلي من مفازة باطنية، كهاملت شرقي يقف منتصباً، ليحاكم قطيعاً من الموتى في محكمة عظيمة. «نعم كنت أراها، وجفني المتقرح بدموعي الملتهبة يتعشق بأن يقفل في حضنها الدافئ، غير أنهم اعتقلوا فرحي ونفوني بعيداً عنها. كنت أراها تموت كوطن كبير، ولا أستطيع الوصول إليها. جازفت كثيراً وقاومت بشراسة، لكي أحطم بابها الخشبي المقفول كرتاج هذه الزنزانة. فلم أستطع. كنت أهرب باكراً قبل ذهابي إلى المدرسة من بيت خالي الذي رباني وقسا عليَّ بوحشية، حيث كان ينعتني بابن المجنونة، عندما يكون ثملاً، فأذهب إلى تلك الصخرة المغموسة عند بيتها وأبكي. كنت أكره خالي ومازلت. فقد طردني كالكلب من بيته، لأنني تناولت الكحول ولأنه قد صلى وتاب. خالي كان يشرب من قبل أن أولد. وكنت أتمنى أن يجلد مرة واحدة فقط. غير أنه لم يجلد مطلقاً. كنت صغيراً حين بدأت أسمعها في الهزيع الأخير تصرخ باتساع فمها. صراخاً مراً، وجارحاً. فما انقلب على سريري كجسم يشوى على نار محرقة. والدي قتله ربابنة السفن. لأنه وقف في وجوههم وحرّض البحارة على الثورة عليهم. ووالدتي قضت حياتها في برميل دفن نصفه في الرمل. بينما تحيط بها، کسیاج حزم الجريد النخر. نعم كنت أراها وهي شبه عارية. نهداها الطاهران تلحسهما عيون أهل المنطقة القذرة. بيد أن شعرها الأشمط المتكسر على كتفها كوشم علني، يدين زمرة المحتكرين واللصوص. وأخاديد أسفل جفونها حفرت كمجرى نهر لا يتوقف. هكذا كان حالها في الصيف والشتاء، حيث خرقة بالية من خيوط الكتان تستر عورتها».

أهل المنطقة كانوا يقولون: «إن مقتل أبي هو الذي جعلها تفقد عقلها وتموت بائسة». غير أني أقول الآن «بأنهم جميعاً تواطأوا لقتلها، ولوضعها في أقفاص الكلاب والقردة». نعم سأحتسي الخمرة الآن حتى الثمالة. ثمانون جلدة لا توازي لحظة بؤس واحدة عشتها في عذابي. إنني الآن أشعر بأن القيامة في نفسي. وإن جسدي أصبح حجراً لا تفتته عصا الجلاد. ولكن لا أعلم لماذا أنا هنا؟ لماذا ثمانون جلدة لمن يتعاطون الكحول فقط؟ ألا يجب أيضاً بتر أيادي اللصوص والمرابين؟ إنني أجزم الآن بأن هناك نهر إثم يشرف عليه الشيطان. لا أعرف.. لا أعرف. هناك شيء غامض لا أستطيع تفسيره.

حين استعاد خلفان البحري وعيه. كانت دمعتان قد تدحرجتا على صدره، وخمد لهيبهما تماماً.

(5)

في الصباح الباكر كانت الوجوه عابسة أكثر من أي وقت مضى. فيما الأذهان تسبح في بحيرة من سعير حيث بدا السجناء كفئران تموت، بمرارة، فتأكل بعضها البعض. أحد المساجين قال بسادية مفرطة:

  • أيها الرفاق ما أجمل أجسادكم الآن. لكن بعد قليل ستصبح كالجوافة النتنة. قال آخر باحتداد:
  • ولكن جسدك أيها السكير الأخرق سيصير جثة قذرة، لا تأكل منها الغربان.

قال آخر بتأفف وضجر:

  • وقحون.. كلاب.
  • قال الثاني بغضب:
  • إنك لكلب سلوقي. ولكني سأسلخ فروة رأسك حين نخرج من هنا.

.. أخذت الأصوات تعلو وفجأة انفتح الباب المؤدي إلى الممر العاري، وخرج الشرطي بهراوته الطويلة، فيما صرخ:

  • اخرسوا يا بهائم.. يا لكم من أوغاد.

في هذه الأثناء كان خلفان يتابع بهدوء ما يحدث، بينما يحك بأصابعه جرحاً على جبهته بقيت آثاره بارزة. بید أن الشاب الخلاسي، كان يحتضر خوفاً. حين أخذ الشرطة الذين دلفوا فيما بعد، يفتحون البوابات الحديدية ويغلقونها. كانت الأصوات مرتفعة. والمساجين يتدافعون إلى الممر، ليشكلوا طابوراً بشرياً، سيقاد بعد قليل إلى الجحيم الثاني.

حركة غير طبيعية، كانت تحدث في زنزانة خلفان البحري. حيث ارتطمت جبهة الرجل الأصلع الذي لم يزل ملقى كجثة هامدة، بالجدار الحجري. إثر كابوس تسرب من فجوات عقله الباطن. فانتبه من مرقده الدافئ، هلعاً مرتعشاً يتفصد العرق من جسمه. وبحركة انزواء لا إرادية، تكور في جلسته، فيما وضع بطن كفيه على مؤخرة رأسه، حيث أخذ يضغط بعصبية كمن يحاول شق طاسته الجلدية، ونزع ما بها من لحم ودم. كانت أنفاسه تخرج بصعوبة، كنملة عرجاء تجاهد بشراسة للفرار من رماد حشاش لا يهدأ. فيما منخاراه ينتفخان ثم ينقبضان، كبالونة سوداء في غرفة إنعاش. في هذه اللحظة وأصوات الشرطة تعلو أحس بهياج في أمعائه، وجمود باطني لا يفسر. ثم أعقبه شعور بأن شرايينه قد تورمت بصورة خرافية. وأن نبضه قد نزح من صدره ليحشر في أصابع قدمه. شيء كوادٍ من الجمر، بدأ يسري في تلافيف دماغه. حيث بدا كما لو أنه قد هام في فضاء عدمي، وتشقلب في دائرة قمرية، طعن فيها الزمن ومات كحصان في صحراء مجهولة.

لم يستطع الرجل الأصلع مجاراة هذا التمزق الكياني، أو إخماد ذبالة النار التي اندلعت في جسده. فانتصب ثائراً، وأخذ يتحدث باحتداد فيما اتسعت عيون خلفان البحري:

  • أيها الشرطة.. يا أنتم جميعاً. لا يمكنكم أن تأخذوني إلى ساحة الجلد. انظروا إليَّ.. ألا تعرفونني أنا عبد الله الجلاد! أنا الذي كنت أجلد هذه الأمة في يوم من الأيام، حيث أشوي ظهورهم بعصاي. ألا ترون.. إنهم ما زالوا يخافون مني. اسألوا عني إن لم تصدقوني! إن جميع ساحات القضاء تشهد لي بذلك وكل القضاة أصدقائي. فكيف يجلد جلاد جلاداً؟

كانت جميع الأنظار موجهة نحوه، حيث كان الذهول سيد اللحظة. فيما زاد انقباض الشاب الخلاسي، وكاد يغشى عليه. بينما خلفان البحري كان مصعوقاً. ولكن بعد قليل أحس بضحكة قوية تملأ فمه الجاف. ولكنه حاول حبسها وبدأ يتفرس في هذا الوجه الغاضب والمتشنج، الذي توترت أعصابه وانهارت قواه غير أن إغراء الضحكة كان أشد مما يحتمل، وأعظم من الإفطار المرعب الذي كان بانتظارهم. وكالمارد الخارج من قمقم يلفه الدخان. انفجر خلفان البحري مقهقهاً، حتى أوشك على السقوط. حيث تيبست عضلات بطنه وفكه دفعة واحدة. الأمر الذي جعل الجميع ينظرون إليه بذهول آخر، وبحيرة مربكة تماماً.

في هذه اللحظة التي تشبه صميمية الموت. لم يحتمل الشاب الخلاسي هذه الهستيريا المدمرة التي كانت تحدث أمامه. حيث كل شيء بدا في حواف عقله فارغاً من محتواه، وأن وضع الكون بضخامته قد أصبح مستهجناً يفضي بوجوده إلى العدم. كانت نبضات قلبه تتسارع بشكل جنوني، فيما شعر بأن إزميلاً نارياً قد تسلل إلى جمجمته، وأخذ يحفر كيفما اتفق. رعب ملتو كان يسحقه ويجرده من إنسانيته. وهياج بربري يحرضه على أن يكون قاتلاً كانت مشاهد القتل تتورم في مخيلته. ولكن شيئاً عظيماً كان يخنقه ويضغط على قفصه الصدري. وبانفعال حاد، والماء يتصبب من عينيه قال: «توقفوا.. توقفوا.. أيها الأوغاد وأخرجوني من هنا. إني أكاد أموت جنوناً وخوفاً». حين سمع خلفان البحري ذلك، توقف عن نوبة الضحك ودلف في نوبة السعال الشديد، حتى بصق دماً. ثم حدق في هيكل الشاب الخلاسي، بعدما أصبح وجهه قرمزياً تماماً. وبصوت برز خشناً أضعاف ما كان عليه. قال: «لا يمكنك يا رفيقي أن تتضايق مني، إذا عرفت سر هذه الضحكة. فهكذا يطعن الموت، وهكذا يهرق دمه. مطلقاً إنك لن تتحرر! إلا إذا استطعت أن تضحك في وسط محرقة تتقد. لذا ابتسم وأنت تموت».

.. صوت مفتاح يدار في القفل وشرطي يدخل بهراوته الطويلة!

فازت هذه القصة بالجائزة الثامنة