جمعة فيروز

شنق – جمعة فيروز

أبوه يتلو بامتعاض وغبطة، يجر شعورين مختلفين في مقاطع طويلة تأخذ الألباب:

صلوا على النبي …

يتفاعل معه الآخرون بسهولة وثورة: صلوات الله عليه. يتلو:

فلما كان اليوم السادس زعقت مسحوقة حبيبته! ساقا الأب لم تكونا مواراتين بالثوب الأصفر ولا جسده ولا شيء من أعضائه، كان كالبوابة المفتوحة على مصراعيها بكرشه، يتدلى حول نفسه في استرخاء، تنزل اللحية كصدارة طفل مسترسلة، وحلمتين ينقشع عنهما ثوب أمه وابتسامة وفتات لعاب منفوضة

: ما قلت لكم إنه سيعود …

كان بالدار حزن وأنشودة تتعانقان وأهزوجة وبكاء ومبخر يرتجف فرحاً.

: كم من السواكن تحركت من سكرات الموت وقالت من قتلها! كانت الأم تدير المبخر في كل الجهات، متى تعود؟

وتهب فاطمة نافضة نفسها بخجل فتذر مؤخرتها الدافئة كالرماد فيلكزونها وتحشو المبخر أسماء، أسمال، شعر، وتنزل اسورتها الرقيقة السائبة فتستفرغ كل رنينها في رأسه،

: أنت شهيد.

ويجهض الأب كل محاولات الكلام: قال أصحاب الجنية مسحوقة لصاحبي «أبو ذر»، تخال مملكة الجن كبيرة وأنها تمارس الجوع والشبع وتمارس الغنى والفقر والظلم والرياء وأنها تمارس البؤس والخوف كما تمارس الفرح وتمارس الضحك وتمارس البكاء ويستأنف أبوه: فلما كثر الظلم وانعدمت المساواة والحرية! وفي هرج الوجوه والالتفاتات يذوب، أناس قدموا، أولاد يرقون رؤوس النساء، رجال، بنات

وتنقلب المظاهرة إلى فرحة كبرى.

  • الأوغاد الأنجاس شنقوه في الليل.

تنتشر الزغاريد على خيوط البخور البلدي ويبدأ الصبية الحواديت: «كان يجلس بباب الخليفة» فمنعوه ثم نهض وقاوم الحراس، فشتموه، وانهالوا عليه بالسياط وأوسعـوه ضرباً وقذفوه من النافذة، وكان بينه وبين الشبع الجوع وبينه وبين الحلم الحقيقة. صرخوا، فليستيقظ وبعد غيبوبة طويلة استيقظ، حدد مواقعهم من جديد، صرخ، فقد القدرة على الشعور وقت الامتزاج بالراحة ولم تبق منه غير ذاكرة مصلوبة بحقنة وعياط.

: لم يمت.

الثرثرة والعياط والبكاء كانت رنيناً خفيفاً في أذنه كأجراس محايدة، همس: اغلقوا الباب …

أشتم رائحة حريق، تتبعهم والالتفاتات تهرول خلفهم،

  • نام قالوا له ثم هتفوا بالأرض.

همس: اغلقوا الباب.

تجمعت رأسه فوق الوسادة الملقاة بلا ذوق أقصى جسده، أشتم رائحة السكون، تلعنهم وتتعاطف معهم فيذهبون ويبقى وحيداً.

صرخ بلا شعور: أريد أن أتبول، استفرغ، أتبرز، ألهث في الصحراء.

جرى الخليفة وراءه: أيها المعتوه، أيها … توقف وإلا سلخوك ….

تدلت رأسه وفوقها الملاءة وكان يبدو كما لو أنه قد مات…

حملت فاطمة المبخر، ملأته أسماء أسمال، شعر، أحرقتها، وأوصدت الباب وفي الدخان رأت رجلين، أحدهما أبو ذر والآخر الخليفة يحمل سيفاً.

 

فيروز – مريم جمعة فرج

الطبعة الأولى – 1988

منشورات اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات العربية المتحدة

جميع الحقوق محفوظة