تشبثت يداه بجانبي رأسه في قوة، كادت أصابعه تنزع خصلات من شعره الكث.. وأطبق جفنيه بينما راحت شفته السفلى تئن تحت وطأة أسنان فكه العلوي.. أسلم كيانه كله إلى اتكائه يائسة نحو الوراء.. مما أفقد الكرسي توازنه قليلاً…
جاء الخبر قذائف حارقة، أصابته في الصميم فحطمته، أحس بالغوص في أنفاق مظلمة وبأيدٍ ممتدة نحوه تشده في كل الاتجاهات شعر بالاختناق، صرخ بأعلى صوته…
- كيف… لماذا…؟
تباً لك من حياة.. مازلت تنسجين خيوط الأحزان أثواباً للبائسين، تباع على قارعة الطريق. وانخرط في بكاء متواصل..
كبرت دائرة الألم، أحس معها بخناجر مسمومة تنغرس بلا رحمة لتصل أعماق قلبه المكلوم.. قفز نحو الشرفة وهو يضرب بكلتا يديه، وقف مشدوهاً وقد اعتصرته الفاجعة.. بدأ كيانه بالغليان..
- جبناء كلهم جبناء!!
تطلع إلى السماء الواسعة، فإذا بها حالكة السواد تنذر بشرر مستطير.
أشاح بـ بوجهه عنها في ذعر.. صوب نظرات مضطربة إلى النهر.. وهو يشق طريقه متعثراً يجر ذيولاً من أوحال طين داكنة وقد كست صفحة وجهه مسحة حزن عميقة.
الخارج يضج بضوضاء غريبة، وحركة سريعة وأصوات عالية. استرد أنفاسه.. وتحرك عائداً إلى الداخل.. جاءت طرقات على الباب.. لتحمله أقدامه إليه:
- هل يسمح لي سيدي بتنظيف الغرفة؟
لم تتلق رداً غير عيون باهتة.. متسائلة..
- عفواً سآتي مرة أخرى.
أغلق الباب في حركة بطيئة.. امتدت يده لتلتقط جريدة الصباح، ألقى بجسمه الناحل فوق الكرسي وسط ضجيج الصمت.
بدأ بقراءة العناوين.. وما أن انتهت سطورها العريضة
حتى انطلقت من داخله صرخة حبيسة.
- اكتملت اللعبة.. الدائرة تدور.
أسرع نحو الهاتف.. أداره في عصبية.. أرسل رنينه المتتابع في إلحاح:
- أحمد أريدك حالاً..
- لعل الداعي خير..
- تعال بسرعة.. إني أحترق.
لم يستطع إتمام حديثه، كان منهاراً، تهاوى متهالكاً، سقطت سماعة الهاتف من يده.. بدأت روحه تحلق في سماء الغرفة التي أحس بجدرانها تنطبق على جسده لتسحقه، وشعر بكتل من اليأس تتراكض نحوه بحزن
العالم كله، تهاجر إلى قلبه.
مرت لحظات مثقلة بهم قاتل وكرب عظيم، أحس أنه أصبح مهزوماً.. زفر زفيراً حاراً وقد اصطدم بظلام صبغ المكان بلونه.. وصوت الخبر يئز في أذنيه، كل ما حوله بدا موحشاً كئيباً.. حاصرته الكوابيس المرعبة.. وصرخات مبحوحة تستغيث.. صوت بالخارج يناديه، وضربات شديدة متتالية كادت تخلع الباب.. وجاء صوته من الخارج.
- أنا أحمد.. افتح الباب.
- حمداً لله إنك جئت يا عزيزي.. ما أحوجني إليك. قاد نفسه إلى الباب وما أن فتحه حتى صاح مستنجداً
ويائساً:
- هل الخبر صحيح كما يدعون؟
- ليس عندي ما أقوله.
- قل أي شيء.
- لا شيء غير ما سمعته وسمعه الآخرون.
- ماذا تقول؟ أريد أن أشفي غليل روحي.
أخذ يذرع الغرفة جيئة وذهاباً وقد غرق في بحر من عرق غزير غطى وجهه المحزون.
- اجلس أخي، ارتشف قطرة ماء.
- لا أصدق. لا يمكن أن يحدث هذا، أليس كذلك؟!
- على رسلك يا جاسم لا تقتل نفسك، دعنا نفكر في هدوء.
كانت أعماقه هو الآخر تغلي من هول الصدمة وهو يراقب صديقه وقد أغمض عينيه كمن يحاول الهروب من سطوة وحش كاسر يحاول افتراسه، ثم عاود فتحهما ليتابع توسلاته لصديقه:
- هل لك أن تخبرني أين سأجدها…؟ من لها؟ قل لي من لها؟
- هي لا تطيق ما يحدث هناك، ليت الموت يخطفني لأنهي عذاباتي.
خرجت الكلمات من داخل نفسه المحروقة سيلاً جارفاً، وتابع حديثه في نبرات واهية متقطعة:
- عهدي بك الوفاء.. وصيتي ألا تتركها وحيدة، اعتن بها. وإذا ما رحلت وخمدت نيران الفتنة، إذا حدث ذلك، احملها إلى السيف، دعها تركض فوق رماله اللؤلؤية اللامعة كطائر نورس أبيض يحلق فوق مياه الخليج، دعها تجمع القواقع والصدف والأحجار، حتماً ستقول لك ذات يوم ملوّحةً بيديها الصغيرتين: «أترى أبي.. إنه قادم مع السفن العائدة، أتراها يا عم؟ إنها قادمة بأشرعة الأمل».
- أحلام هي أحلامنا، لا تخف ستكون بمنأى عما يحدث، رعاية الله أكبر لنا ولها.
جاهد أحمد في حمله إلى السرير، ووضع الوسادة تحت رأسه وسوى من غطائه، وهو يراقب قسمات وجهه وشحوب لونه وارتجاف أوصاله، ما جعله ينقض على سماعة الهاتف مستنجداً بصديقه:
- منصور أسعفني حالاً، جاسم يفقد وعيه شيئاً فشيئاً.. احضر وبأسرع وقت ممكن. نعم هو الآن لا يعي ما حوله. كان الخبر مفاجئاً لمنصور مما دفعه للخروج مهرولاً لنجدة رفيقه، بينما كانت اللحظات تمر بطيئة مشحونة بالآلام والأوجاع وقد تسمرت عيناه على الراقد أمامه بلا حراك، صوت منصور ومعه الطبيب يأتيانه مخترقين جدران الغرفة لينتشلاه من حطام تفكير عاجز، ألقيا السلام في صوت خافت، وتقدم الطبيب نحو المريض جلس على حافة السرير، تناول يد الراقد يجس له نبضه، ويقيس له ضغطه، ينقل إلى أسماعه نبض قلبه الخافق في ضعف..
كانا يراقبانه في قلق، أحس بمشاعرهما وباضطرابهما، فقال مطمئناً.
- هونا عليكما الأمر.. سأكتب له دواءً مهدئاً، وسأتابع حالته. وشرع في كتابة وصفة الدواء.. ثم توقف برهة عن الكتابة، ورفع ناظريه من على الورقة ليقول لهما:
- إذا لم تتحسن حالته.. لابد من نقله إلى المستشفى دون إبطاء كي لا تسوء حالته.. يحتاج إلى مراقبة دقيقة وعناية فائقة.
ثم عاد لإكمال كتابة وصفة الدواء.. ليتلقفها منصور بحركة من يد مهتزة، ويخرج بصحبة الطبيب، بينما مكث أحمد بجانب مريضه، وقد حلّقت روحه في فضاءات مشحونة بالوهم والخداع، فإذا برذاذ رماد داكن مخيف يغطي سماء الغرفة يحجب الرؤية ويفجر البركان.
***
القاهرة ۱۹۹۰م
من المجموعة القصصية (رياح الشمال)