ناصر اليعقوبي

لقد انتهت نزهة الغابة – ناصر اليعقوبي

آه أيها الرفيق العزيز القادم من الغابة .. كيف استطعت تحملي كل تلك السنوات وأنا اتنقّل بشقاء بين فصول المرض ؟!
أيتها الغابة الأم، والموطن الأول لرفيقي .. سأشتاق إليكِ كثيراً ، لقد حفظتُ الأشجار المتناسلة منكِ والطيور والأشباح التي فيكِ ، إنها أيامي الأخيرة وأنا أترقبُ من النافذة وأُرتّلُ فصولك الأربعة ، ولولا رفيقي لأصبحت الحياة بالنسبة لي مجرد وقت .

إن إحساس الرحيل قد أتى ولا أملك فرصة البقاء ، لقد رافقتني يا صديقي كل لحظات الألم والوحدة ، كيف استطعت تحملي حتى هذه اللحظة ؟

هناك شيء يناديني ، سأذهب هذه الليلة ولن أعود ، سأكون قد أرحتك من هذا المشوارالثقيل ومن التعب الذي كان على كاهلك ، بقيتَ صامداً معي طوال حياتي ، وشهدت سلسلة طويلة لمسيرة عنادي وتحديات الوحشة وغطرسة أفكاري المكابرة .

  لقد رأيتَني أمامك متجرداً في الغابة من كل شيء ، حتى هذا الجسد لم يره أحد سواك ، عرفتَ كل أسراري وكتمتها ، أتتصور أني في بعض لحظات خروجنا للغابة كنتُ أستشعر أنك تشغل مني مشغل الجزء العظيم من جسدي ، نصفي الذي وُلِد معي ورافقني في أكثر من حياة  ، لذا لم أكن لأخجل منك حين أقرر في لحظة كآبة وعناد التعرّي بين الأشجار ، كما لم تجرؤ يوماً على تركي وحيداً بين ذلك المشهد البدائي الذي يحررني من عقدتي ومخاوفي ومرضي ، كنت رفيقاً وفيّاً ومخلصاً وحارساً أميناً ، ولا أريد أن أُفكّر بأنك أُجبِرت في الأصل على أخذ هذا الدور في حياتي ، أنتَ لستَ مجبراً على مرافقتي .. أليس كذلك ؟

آه يا رفيقي ، أعلمُ أنكَ انتُزِعتَ من رحم الغابة ، وطُوِّعتَ لتكون عبدي ، لكني لم أسمح لنفسي أن أكون سيدك ، فمذ التقينا ونحن نتبادل الرعاية والاهتمام والنزهات ونتشارك دروباً واحدة ، لا يفترق أحدنا عن الآخر ، وأنت تدرك تماماً أن الدروب ليست لي وحدي ، ولا أسير عليها ونحوها إلا برفقتك ، لقد صرتُ أسيراً لرفقتك ، وأعلم أنك أنت ايضاً تشعر بذلك .

أتدركُ معنى أنك خُلِقْتَ لأجلي ؟ حقاً كم أنا سعيد بهذا التقاطع العظيم الذي جمعنا على هذه الأرض ، منذ طفولتي وأنت تُصغي لمخاوفي ولا أنسى أنك كنت السبب الوحيد لأعدل عن فكرة إلقاء نفسي من شهقة الجرف البعيد عن القرية ، حين كنتُ صبياً يتوترُ لأول مرة من عشق فتاة لم يشعر حيالها إلا بالخذلان . كان وجودك معي كافياً لأتذكر أمك الغابة وأسمع صهيل الخيول تخرج من بين التجاويف والشقوق والمياه ، لتدخل في أعماقي وتذكّرني من جديد بالحياة المتوهجة .

آآآه .. دعنا من كل هذا فأنت بلاشك قد أدركتَ شعوري نحوك من البداية ، إنك قَدَّ قدمتَ إليّ خدمات جليلة لايمكنني إحصاؤها ، حتى سنوات الهوان هذه وأنت تقف بانتظاري طوال اليوم لأنهض عن فراشي ونسير إلى بيت الخلاء ، تنتظرني دون تذمر ، آه يا رفيقي العزيز لولاك وبدونك ماكنت أستطيع رؤية الحياة خارج عالم البيت .

شهدتَ معي كل اللحظات الجميلة والعصيبة ، وجودك معي كان بالنسبة لي أكثر من وجود عائلة  ،  لقد عِشت معي كراهب مُراقِب ، عِشتَ معي حياة صعبة ، تذهب بي بكل ثقة إلى حواف النهر وأحتضن جذوع الأشجار والجلاميد ، وفي عودتنا تترنح بسبب ثقلي ولا تبالي مُحاولاً أن تستعيد توازنك ، تحميني من وحول ومطبات الطريق وأحجاره القاسية .

أيامي معك مليئة بالذكريات..

 لا انسى ذلك اليوم الذي قررنا فيه الذهاب معاً إلى الغابة رغم خطورة التوقيت والظروف السماوية ، حيث أمطرت فجأة السماء وفاض النهر ونحن لازلنا عالقيْن وسط الغابة ، حتى وصل الماء إلى خصرينا ، وكان بارداً و موحلاً . كنتُ أتمسّك بك وكدنا أن نهلك معاً لولا لطف الله المُرسَل لنا عبر ذلك الشيخ الذي تدلّى فجأة كغصن من الشجرة ، ورفعنا واحداً تلو الآخر على صخرة عظيمة بدت هي الأخرى وكأنها نبتتْ فجأة من جوف الأرض وجيء بها لأجلنا .

 أي علاقة هذه يمكن أن تكون ؟ رغم الموقف الصعب أكملنا وجلسنا على الصخرة الكبيرة ، نتأمل بهدوء ما يحدث حولنا ، الماء بين الصخور والأسماك تختبئ تحتها وتعيش بين الأغصان المتدلية على الأرض والمشتبكة في تعانق وانسجام لطيف . كنتُ مستمتعاً بهذا المنظر وكنتَ َثابتاً على الصخرة تتأمل الطوفان الهادر بسكينة ، كأنك جبل شامخ وحارس أمين .

كثيراً ما كنا نذهب إلى الغابة ، لا نظل الطريق أبداً ولا نعبأ بالدروب الوحلة بعد الفيضان ، وعندما نعود أقوم باهتمام بالغ بتنظيفك من الطين والأشياء الملتصقة فيك ، كم يعجبني هذا الدور ، أن أهتم بك وأشعر بأنك محاط بالرعاية في بيتي .

حتى وفي مرحلة الوهن والشيخوخة كنا كطفلين يخرجان معاً إلى اللعب ، ويعودان في وقت متأخر إلى البيت وقد تقاسما الوحل والأوساخ و السقطات و الخدوش والانكسار والبرد ، تقاسمنا كل ذلك بصمت مُقدّس .

لقد تعلمتُ منك يا رفيقي أن أعبر هذه الأرض دون أن أتشبث بشيء أبداً ، لقد كنتُ حراً طليقاً معك ، وآن الأوان لنفترق ، هناك شيء يناديني ، لأول مرة سأذهب هذه الليلة وحدي إلى الغابة ولن أعود .

لم تعد حُريتك في يدي ، أعطيك حرية الاختيار .. إما البقاء لوحدك ، أو الذهاب إلى أحد غيري تكمل معه رسالتك العظيمة في هذه الحياة ، لم أتخيل يوماً وبعد كل هذه السنوات أن تكون كرسياً متحركاً يرافق أحداً سواي .

تمنيتُ أن أقف للحظة وأنحني لك ، ثم أمضي .

لقد آن الأوان .. بسلام أغمض عيني وأودعك الوداع الأخير.