قالت موزة وهي بذاكرة كالمبللة. أيها الناس استيقظوا. كان لموزة جزء من حفيف السهول الباطنية وليلة الجبل الطويلة في الذاكرة وأشياء أخرى كثيرة، لكنها ظلت تتسلق الماء بذراعين معضلتين وترتعش آناً آخر فوق السجادة باشتهاء.
ونحن نتسلق الجبل والكرى يمر بالتراب بيديه. زعق الرجل مخبولاً! «توقفت» من هنا مرت قافلة النهب بالعبيد. توارى الجبل والزرائب وإطلالات الغيوم الريشية في السماء قبل أن تبعد مزارع المانجو وسهل الباطنة.
هجم الصباح بجزئيات الضوء على الذاكرة المملوءة بالصخب.
تدلت فوق الجدار بعينين حمراوين موضوعتين في كتلة داكنة، جرت في الفناء الملاصق للأفنية الأخرى، انطلق جسدها في الضوء، سبحت في الأواني شبه الفارغة.
: عندنا برتقال وأرز يكفي لأيام.
حتى رائحة القدر المعطوب والملعقة الطويلة مثقبة الوجه تشحذ الذاكرة المبللة من صنبور الماء البارد.
قالت لمجموعة النساء المتشبثات بالظل: عندما بيعت أمي، جريت خلفها، كان الصغير معلقاً بالثدي، «سمعون سمعون.. قالت له..»:
الرجلان العريضتان والجثة الهائلة توارتا أسفل الباب.
: سمعون، يا لعثرتي. كأنه ميت يا غاليات..
الصباح، كل صباح.. تدك العضلات المتحجرة تدفع بالحقنة تحت جلده
: استيقظ.
يدرون أن سمعون مريض وخامل، يؤرقها ذلك مع رحلة الحقنة في جوفه ليستيقظ ويعود شيئاً فشيئاً.
وينضم إلى شلة النساء المجتمعات: «الميت لا تقتله الطعنات» يقول سمعون: «أشياء كثيرة بيضاء وأخرى سوداء هي الدنيا مزيج منها»، يتوافقان فينهضان ووحدها تذكر الأزمنة كيف هي.
: مر علينا وقت يا أختي، كنا في حوش سيدي، هناك، نأكل أحسن الطعام ونلبس أحسن الثياب، وتبدلت الدنيا.
الآن، الفناء الصغير مليء بزجاجات الدواء والأعشاب وكتلة الاسمنت ينهمر منها الماء بلا توقف على صف من الأغطية والصناديق الهندية القديمة المتبقية منذ أن غادرت موزة السهل الباطني للساحل… ووجه سمعون الذي لو استفاق رجع غائباً مكوياً بالقيء من الداخل، لا شيء، لا شيء. وتسأل العجائز: متى الشؤون؟
كل الأشياء يملؤها الماء، أشكاله المتباينة بين البحر والصنبور تزيد من الإحساس بالتدفق لكن ما من أحد يعرف متى تصرف الإعانة للعجائز المنكفئات على التراب في الصباح، بعضهن آتيات من الأقبية والرذاذ وتلك رائحة الثياب المبخرة المحشوة بالرطوبة وبحات يطلقنها في الصباح مميزة، وموزة تعرف أن الحياة كالحلم المستحيل الذي لا يكتمل إلا لوجهه تعالى تقول دائماً: أنتن بنات ناس.
في الدار جلسة صباحية وموقد وهن منكفئات يستعدن ذكريات قديمة ولت، ورجل ضخم جسده ممتلئ بينهن كل تلك الصباحات.
: كما أرشق الجدار بالكلمات أحاكي سمعون، تقول موزة..
أما كلثم فتلقي الكثير من الهموم في وجه الشمس المشرقة قديماً رأته وهو صغير، أخذت تتخيل كل يوم النهب.
قالت: منذ زمان طويل تخيلت أن القدرة على البقاء لسمعون الأسود ومن ذهب في تلك الصفقة ضعيفة.
ضحكت، صفقت بيدين ممتلئتين..
: أمك كانت قد أرضعت أخي. داهمتها الشمس وبخرف أردفت:
– كل الذين باعوهم لم يعودوا يا عرب إلا سمعون (!)
عاد سمعون.. ينظر إلى وجهها المبلل كباقي النساء، غمرهما البرد، سقطت قطرات من الماء وئيدة لا يعرفان من أين …
حلوة جميلة هي، برقع محفورة على الوجه، منخار حاد لامع، عينان براقتان محشوتان ثورة فم مظلل بلون غامق السمرة.
سمعون جلس مأخوذاً، تحسس جسده، بكى عندما أحس برائحة كريهة تغمره. أما هي فوضعت عينها برهة عليه ولم تشأ غير هذا. لأبيها كان جسد ضخم، ووجه كبير، وفم دقيق غير متناسق وضوء متفحص من العينين الجاحظتين. وقفت بالوجه الآفل، فتحت الأشياء المواربة في رأسها قابلتها الخرابة فلقيته يوماً مرتمياً على حصيرة النوبية.
سألت: لماذا يبكي أبي يا أمي؟ لكنها بعد المرات القادمة ولجت الباب المنسي… قالت لها نسي أبي أن يقفل الباب، تعثر في الجسد المستباح، تعفر وجهه بالتراب، ابتل.. كان المساء آت يغزو الباب يتربص بالزيت المحترق في جوف الفانوس وربما غادر الخرابة قبل أن يصرخ سمعون الصغير من بين فخذي النوبية. وآه عليه كان ممتداً مغموراً بشيء ثقيل، الضوء ظهر متهادياً صوبه كمحمل شارف على الوصول.
أردفت: يا ربي تشعر دائماً أيها الآدمي بأن الدنيا موجة قوية، قوية …
انزلت حفنة التراب من يديها: وفي الطريق التي لا ترجع سارت النوبية، مهدلة ثديها في وجه سمعون وظل الفانوس مشتعلاً إلى يوم الجمعة التالي وغادر كلب الخرابة البيت الكبير كما لو أنه – استغفر الله – باعوه هو الآخر.
بعدها بقيت الخرابة تعج بالبكاء وتعج بالأنين والحشرجة والسياط والعبيد دوماً، وعلى موقد الشتاء المنصرم برك ثدي أمي باحتقان.
كررت: ما أحد أبصر لنا جارية ووليد (!) مرات ومرات تصايحت النسوة وضحك سمعون ووردت إلى ذهنه الأشياء التي قالوها اخترق بتفكير كسول سبعة من البيوت الأخرى التي تقاذفته، وتفجرت النوبية ضاحكة في وجهه
– أيها «السرسري» متى نعود؟
ذلك اليوم ضاقت بسمعون الأرض وما وسعت الحنين القابض على صدر النوبية، لكنه دفنها بعد ذلك وعاد مكرهاً.
أردفت موزة: الدنيا مثل الحلم الطويل.. ضحكت النسوة كالعادة ورمقتهن ورمقت الحائط والضوء كليهما، وربطت الصرة الملقاة، جمعتها تحت حرارة الجسد المتأهب، نفضت البرقع المليء بالتراب، نشرته فوق وجهها مسرعة، قفزت إلى الباب قفزت إلى الشارع، صفقت الباب في وجوههم.
: «متى الشؤون» … سمعت وكانت في طريقها إلى المدرسة القريبة حيث تعمل فراشة، وكانت قد شعرت في نفسها وهي تجتاز شلة النسوة بأنها مغمورة بالضوء وأشياء أخرى جميلة.
فيروز – مريم جمعة فرج
الطبعة الأولى – 1988 – منشورات اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات العربية المتحدة
جميع الحقوق محفوظة