الهدوء يسيطر على الحي الذي اعتاد السكوت المميت، عدا صيحات الأطفال، وهمسات الرجال مع زوجاتهم، نباح تلك الكلاب التي تبدو وكأنها قد أوكل إليها أن تجوب الأزقة بحثاً عن الطعام أو جرياً خلف القطط.
قبل أن يعلن المؤذن نداء الصلاة.. استيقظت إيعازاً من جسمي الذي مل تلك الانبطاحة الثقيلة على تلك الحصيرة المصنوعة من سعف النخيل والتي طالما تركت علامات محفورة على ظهري، نهضت متثاقلاً، يسود الخيمة العتيقة ظلام مميت.. تحسست المصباح بحذر.. أشعلته.. خطوت نحو موضع الماء.. اغتسلت وأديت واجبي تجاه الرب حيث أديت صلاة الفجر.. تفحصت تلك الأدوات التي أعددتها قبل نومي.. الأعشاب البحرية.. بعض.. الحبال.. سلة السمك. غادرت الخيمة وبريق الأمل يوحي بأن البحر سيكون هادئ الموج. خطوت متثاقلاً بتأثير ذلك النوم المتعب.. بدأت بذلك الزقاق الذي يربط هذه الخيمة البائسة بالبحر، والذي تعوّد مثل هذه الخطوات في مثل هذه الساعات. أثناءها يرافقني فوج من القطط والكلاب الجائعة، التي طالما حصلت على غذائها من صاحب هذه الخطوات. انتابني تفكير حول تلك المرأة التي تعودت المجيء إليَّ لأخذ ما أحضرت من سمك. إن ما يشغلني أنها فاتنة الجمال ذات جاذبية غريبة.. ولكن.. إيه.. ما الفائدة لمثل سني البائس.. إنها تريد من يملك عضلات مفتولة.. وماذا في ذلك.. ألست رجلاً؟! وأذكر بالأمس أنني احتضنتها بذراعي عندما ذكرت لها بأنني قد أحضرت كمية بسيطة من السمك.. وبطرف عينها التي تحمل حيويتها المرحة أجابت بأن ذلك لا يهم.. يكفي أنه يوجد ما فيه الكفاية.. ونحن لبعض.
كلمات جعلتني أقتنع بأنها تجد فيَّ الإنسان المطلوب لها، وخاصة أنها فقدت زوجها وهناك ما يدهشني حقاً.. أليس ارتباطها بي هو بدافع حاجتها المستمرة للسمك الذي يتوافر لها دون مقابل؟!
لا.. لا.. إنها تحبني.. إنها لا تستطيع أن تعتبر السمك بمثابة ثمن لمتعتي معها.. وما دام الأمر كذلك فسوف أبحر
بعيداً.. بعيداً حتى أحضر أجمل أنواع السمك من أجلها.
اقتربت من القارب – الهوري – المنتظر فوق الرمال بصمت، وبكل قوتي دفعته إلى المياه البعيدة وأنا أتطلع إلى السماء الصافية والنجوم التي تزينها، وتبعث ببريقها البارد وكأنها تبشر بصيد وافر. توسطت القارب.. تحركت المجاذيف.. والقارب يمخر البحر الهادئ بفخر واعتزاز بقوتي التي تدفع المجاذيف بتناسق مع ألحان متناسقة تصدر من الأوتاد، بعد مسافة استغرقت الساعتين قذفت بالمرسى وبدأت في الغطس، أخرجت الشبك الأول – الكركور – ولشدة ثقله عانيت من دفعه إلى باطن القارب.. اليوم.. اليوم ستفرح.. إذاً سأحتضنها.. سأتمتع بحضنها الدافئ وأنفاسها الحارة الممزوجة ببقايا عطور الهند وهمساتها التي تشجعني فيها لأكثر من احتضانها. بسرعة لا إرادية قفزت إلى الماء، بدأت في إخراج الشباك الثاني والثالث وقررت عدم العودة إلا والقارب ممتلئ بالأسماك.. اللحظة تلك أتوسط عمق البحر.. إنه يقترب.. يلاحقني.. عليَّ أن أحذر.. لكنه يقترب.. سمك القرش.. يقترب، دفعت بالشبك الذي أحمله.. اتجهت إلى القارب.. وإذا بي أشعر بأسنانه تطبق على كف رجلي.. أمسكت بالقارب أصدرت صراخاً حاداً.. لم أستطع التحرك حتى لا أفقد القارب.. ظل القرش ممسكاً برجلي.. بعد صراع عنيف وسط الألم العميق والصراخ قرر الوحش افتراس رجلي.. وبألم كاد أن ينزع قلبي من موضعه.. فصل كف رجلي اليمنى وترك المياه المحيطة بالقارب بلون أحمر داكن.. فقدت قواي وبضعف بالغ رفعت المرسى.. جذفت بعد أن ضمدت تلك الرجل بقميصي المتسخ.. وصلت الشاطئ بعد رحلة من الألم جعلتني قوتي.. قررت أن أصل.. الخيمة.. تركت القارب وما يحويه من أسماك ومع الألم الحاد اضطجعت على تلك الحصيرة.. سيطر عليَّ الإغماء وفقدت شعوري صحوت في اليوم التالي.. تحيط بي مجموعة من النساء.. الرجال.. الأطفال.. وفي محيط الأحاديث المتنوعة: مسكين، لعنة الله على سمك القرش. التهنئة بالسلامة.. طفت بنظري. لم أجدها. لم تأت.. ماذا تريد؟! ماذا تريد من إنسان فقد رجله وفوق ذلك في الستين من عمره.. إنه السمك.. السمك. حقاً السمك الذي يشدها إلى هذه الخيمة البائسة، وهذا الجسم الهزيل، عصرني الألم… بقيت أتخبط على الفراش، والأيدي تمتد إليَّ بالماء.. انصرفوا.. مرت الأيام.. ولم يطرق الباب.. أحسست بالنهاية تقترب..
بينما أعيش آلامي.. يتردد على مسمعي حوار خارجي.. إنه يمتلك ثروة؟ ومن سيرثه؟ لا أحد.. إذاً أين خبأها؟ غريبة هذه البشرية.. يريدون موتي طمعاً في المال.. إن حقيقة مرة ستضرب وجوههم الطامعة عندما يجدون أن الذي يحتضر لا يملك إلا قاربه الخشبي وأدوات صيده، وحصيرته التي يفترشها تحته.. اقتربت الساعة وسيطر عليَّ نوم عميق.. عميق.. وداعاً أيتها الحياة.. إنك حفرة دون قاع.. دون قاع.. دون ق.. ا.. ع..
الشقاء – مجموعة قصصية
علي عبد العزيز الشرهان