علي عبد العزيز الشرهان

الزهرة تشرق – علي عبد العزيز الشرهان

غابة موحشة تغطيها أشجار عالية متداخلة الأغصان يسودها الظلام وتتداخل فيها أصوات تلك الحيوانات.. تلك الطيور التي تحتضنها أغصان وأوراق خضراء، وهناك حيث السهول العريضة التي تحيط بتلك الغابة، حيث الحشائش الخضراء، وتجمعات الزهور ذات الأشكال المختلفة والألوان المتعددة، ووسط ذلك السهل الفسيح، وتحت قبة السماء الزرقاء ينتصب كوخ خشبي اعتاد تلك اللحظات الصامتة، معانقاً تلك اللفحات النسيمية التي تحمل إليه الروائح العطرة التي تنبعث من رحيق الزهور المحيطة، ويظل صامتاً يحمل بين ثناياه حياة وأشواقاً وتأملات، ويعيش وسطه يائساً. اعتاد ذلك الصمت، وبخطوات ثقيلة يتقدمني ظل حمل صورة لهيكلي، تحركت في جولة في تلك السهول، حيث التأمل وأوتار المياه وهي تشدو بألحان مختلفة يزيدها جمالاً تلك الخطوات. أبحث عن شيء لم أجده يئست ومرت أيام وأشهر وسنون إنني أبحث عن زهرة تبقى معي مستقيمة وأعيش شذاها، أعيشه إلى الأبد كل الزهور المحيطة تذبل ويختفي شذاها بعد رحيل الربيع عنها.

فتشت بين ثنايا تلك السهول، اختبرت كل الأصناف، ملأت ذلك الكوخ بشتى الأنواع، ولكن لم تطل، لم أجد تلك الزهرة. إنها غير موجودة، وفي نفس الوقت ينتابني شعور بأن الزهرة التي أنشدها موجودة، إنها ذات رونق جذاب، وذات شذى بعيد التأثير ورقة بالغة الإبهار، رصدت الأفق البعيد استمررت في البحث، الإشراق كان مبعث أشعاري والإغراب مبعث الأحلام بوجودها، أشرقت الشمس وبدأت طريقي في البحث مع عين الأمل وأفكار اليأس.

ويأتي صوت من بعيد، إنه من تلك الغابة الموحشة.. الشمس ستشرق! الشمس ستشرق ازداد اقتراب الصوت، شعرت بأن المسألة تخفي أمراً ما، أو ربما سيأتي شيء غريب عن هذا الواقع، انشددت بمصدر الصوت، وقفت مبهوراً ونظرت حولي، وجدت أمراً غريباً إنها زهرة، زهرة ذات لون وردي، وقد غطتها الأشجار وتداخلت حولها الأشواك اندفعت نحوها وبحركة لا إرادية كان مبعثها شعور مسبق نحوها.

إنها تعاني آلاماً وينقصها ذلك الأفق. لماذا لا تكون هي الزهرة التي أرجوها؟ إنها عاشت واقعاً مخيفاً حيث الأشواك والظلمة الحالكة، حملتها واحتضنتها نصبتها وسط الكوخ تفتحت وملأت الكوخ بشذاها العطر، شعرت وكأن ذلك الصمت الذي عشته قد تحول إلى سعادة، بدأت رحلتي معها وأنا أقبل على مرحلة جديدة أراقب فيها وضعها إنها تشرق بابتسامة وتفوح عطراً شجياً ومعـهـا عشقت الشمس وإشراقتها، منحتها كل إحساس وبدأت أشعر وكأن تلك الزهرة دليل حياتي وخير رفيق في تلك الوحشة المخيفة فانشددت إليها.

بدأت العاصفة الشتوية وما تحويه من ظروف قاسية، عاشت اضمحلالاً وآلاماً وبدأت رحلتها وبذلت كل ما تستطيع لتحتفظ بوجودها لأنها تشعر أنني أتألم معها وأسعد معها، صارعت الظروف. وهي تراقب بعين الأمل اندثار تلك القساوة الشتوية لتزيد من شذاها في ذلك الكوخ وتدعو الشمس للإشراق. إن فصل الربيع بالنسبة لها مستمر ومتجدد لأنها تعيش الربيع لتمنح الحياة للبراعم الصغيرة وتعانق أشعة الشمس لأنها تشرق مع الشمس لتعطي الدفء لمن حولها.

الشقاء – مجموعة قصصية – علي عبد العزيز الشرهان

منشورات اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات

الطبعة الثانية

1992