IMG_9223 copy

يحكى أن فتاة أحبت الصمت – مريم المري

الحياة:

عبر طريق العمر قررت أن أبحث عنك، كل ما هنالك أنك خدعتني، أوهمتني بحب كبير، وبقصة غامضة وجميلة، قصة فتاة قرأت توهجا أزرق في بلورة، في كهف بعيد، وفي زمن مطلق.. والآن، هاهي الصورة الفضة تظهر أمامي.. تحرقني.. أمامك، فأنت لست الشخص الذي ادعيته، وأنا لست الأميرة التي سكنت الكهف.

تحاول أن تخدعني من جديد، وأن تقنعني بدخول الكهف البعيد، تريدني أن استسلم للنوم بسعادة، كما كنت قبل يوم.. قبل شهر.. قبل سنة، وأرفض، لقد انخلع قلبي حينما رأيت ملامحك القبيحة، وهربت… خرجت من الكهف.

 التقطت صورة، عاينتها في الشمس.. الصورة معي أينما حللت والأشجار الخضراء العالية والأرض الرملية المتعرجة والسماء كلها مصادر لسعادتي.. وها أنذا أعاين صورتك وسط دنيا سعادتي بصمت، واعترف لنفسي الآن بأني أكثر شبابا وأكثر طفولة وعيناي حلمان لا يمكنهما أن يركزا على مصدر القبح في المشهد المصور، ولكني أحاول أن أفهم السر.. أريد أن أغوص في التفاصيل، حتى أعرف كيف أحمي نفسي منك، وكي لا أمضي خلف صوتك الجميل إلى ذلك الكهف البارد، المظلم.

 تقرأ تعويذة، فتعويذة أخرى ثم تتلو لي قصيدة الانسجام فأقف أمامك مسلوبة وأسير خلفك طائعة.. تأخذني إلى السجن في الكهف فأجدني بين القضبان طائعة أجلس مطرقة، وتمضي عني محكما قفل البوابة معطيا ظهرك لتوهج روحي الذهبي، ويتناهى إلى سمعي وقع خطواتك كأنها قطرات تضرب حجرا.

أفيق من النوم على البرد القارص، أجد الصورة بحضني.. أراها بشكل أفضل وأحس بوخز الألم في قلبي، وبجرح ينزف مصيبا روحي بالحمى.. وأحدث نفسي: الآن انكشف السحر، فالصورة أوضح.. وأراك أمامي تخرج من قلب الحدث المحفور على الورقة، لتضيف حرفا واحدا هو ” لم ” إلى كل ما قلته من كلمات.. فعلك وحده حول شمسي إلى كسوف.

ملأت أشعة الشمس عيني فلم أعد أرى سوى النور.. أخذتني بين يديك تائهة في عمق الكهف.. قدتني عبر طريق حاد وشائك على طرف جرف بعيد وحين بلغنا بر الأمان ضممتني إليك وهمست بأجمل صوت: لم أحبب أحدا كما أحببتك، ثم هويت في بئر سحيق دون عينين، فقط بأشعة الشمس العمياء.. وملأ صراخي الكهف وأنت كنت بعيدا.. كنت دائما بعيدا.. كنت قد أديت واجبك تجاه ذاتك، ومضيت حاملا سطل ماء، وعشبة أمل، وحياة هي حياتك وحدك.

كنت تعلم أن لا أحد سيهتم لفقد فتاة.. ولذلك عدت إلى الكهف باحثا عنها.. في قعر البئر.. وأنت لا تنام.. وأنت ترى في الظلام.. وأنت مولع بفأرك الصغير الذي أشبعته تعذيبا ثم أسفت لأنك لم تلعب به بقدر ما تمنيت، ولأنك لم تجد فأرا آخر صغيرا يلهيك عن هذا الذي إن فقدته الآن بسرعة فلن تسامح نفسك.. ففي الوقت متسع، وكان يجب ألا تتعجل الأمور، فمن أين لك بفأرة مثلها صبورة إلى هذا الحد؟.. من أين لك أيها الذئب؟.

تحول الفأر إلى فتاة والذئب إلى قط ثم إلى رجل.. كانت الفتاة نائمة على الأرض وشعرها الحريري بخصلاته الذهبية منتثر في فوضى، كانت الفتاة قد ماتت، أو هكذا ظنت ولكنها أحست بالرمل البارد شيئا فشيئا ينتشلها بحنانه من هلوسة الأحلام والكوابيس الغريبة.. وبدأت تحاول النهوض، وفتحت فمها بدهشة عندما تمكنت أخيرا من الرؤية.. عادت لها عيناها وهذا الرجل الواقف أمامها مرسوم فيهما.. وفي داخلهما هو بالمقلوب يقف منتظرا شيئا هي لم تعد ترغب في إعطائه.. وقررت أن تصغي لما يهمس به الصوت النابع من أعماقها، كي تنجو هذه المرة من الغدر.. واقترب الرجل منها وساعدها على النهوض ثم سارا معا خارج الكهف، وهناك كان المدى مظلما ومليئا بالنجوم، وبدأ الخوف يملأ قلب الفتاة، ورائحة الدم تفوح منها حتما سيأكلها الوحش.. تحول إلى وحش وصرخت بداخلها مختنقة رعبا بينما تتراجع إلى الوراء، وهو يتقدم بخطوات لها وقع الصدى في الكهف.. وزلت بها القدم فهوت على ظهرها، وبكت وهي تشعر بأسنانه الباردة تحكم قبضتها على عنقها فلا يمكنها القتال، لأنه ثبتها بعضلاته القوية، تحاول وتقاوم قدر الإمكان، وفجأة تتسرب قواها فتبهت الحياة وصورتها والفضاء والنجوم ويذوب كل شيء ليتحول إلى ريشة بيضاء خفيفة تلعب بها النسائم، ويحل الصمت محل كل الأحزان في قلب وروح الفتاة.

الموت:

حينما أفقت وجدته يبكي، أخذني بين يديه وملأني حبا، وكنت بلا قلب حينئذ فلم أفهمه ولم أشعر بقيمة عطائه، نهضت ونفضت الرمل عني ومضيت باحثة عن هدفي في الحياة. وبعده بدا العالم جميلا، ولكن دون صوت.. غدا العالم هو الصمت.

الشمعة:

بين الحياة والموت تضيء شمعة، نحسبها انطفأت، وبأنها لن تعود للإشعاع بسعادة، ولكن ما تلبث الشمعة أن تضيء.. بين الحياة والموت تذوب شمعة، فنحسب أننا لن نجد شمعة بديلة، ولكن ما نلبث أن نرى وهج شمعة جديدة. بين الحياة والموت تنطفئ شمعة وتتقد شمعة، لأن الأمل هو الحياة.

مجموعة الحلم التاسع – 2009

مريم سعيد المري