لم يعُد يذكُر –ولا يريد أن يذكر- أينَ هو، ولا من أينَ جاء، ولا إلى أين يمضي! فهناك لحظاتٌ تفقدُ فيها تلك الأسئلةُ معانيها وأهميتَها، اللحظات التي تستبدُّ فيها رغبةٌ ما بِصاحبِها، حتى تملِكَ عليهِ حواسَّه وتسلُبَهُ أيّةَ إرادةٍ سوى إرادةِ إدراكِ ما يروي غُلَّةَ تلك الرغبةِ المُستعرة، التي راحَ لهيبُها يتأجّج في داخله حتّى يكادُ دُخانُها يبرُزُ من أُذُنَيه.
حِمارٌ غبيّ؟! لعلّهُ كذلكَ بالفعل، لكنّهُ لا يأبَه لذلِكَ حتّى، وإن كان حقيقةً، فَمُنذُ زمنٍ بعيدٍ، وهو لم يَعُد يكتَرِثُ لنظرةِ الآخرينَ لهُ، فليموتوا بغيظِهِم، فلا أحدَ يسألُهُ شيئًا ولم يَعُد لأحدٍ من سُلطانٍ عليهِ منذُ ماتَ أبوه، يفعَلُ ما يشاءُ، ويُنفِقُ كيفما شاء، فلو كانَ فقيرًا ورأوهُ يقضي نحبَهُ جُوعًا لما ناولَهُ أحدٌ كِسرَةَ خُبز، ولَتَركوه مُلقىً على حيدِ الطريقِ إلى أن تتحلّلَ جُثَّتُه!
مُنذُ طفولتِهِ وهُوَ يستَبِدُّ بِهِ شَغَفٌ بالجَسَدِ الأُنثوِيّ، يحرِقُهُ الفُضُولُ لاستكشافِ تفاصيلِه والاختلافاتِ بينَهُ وبينَ جسدِهِ هُوَ، لم يَكُن يَملِكُ تَرَفَ السّؤال؛ إذ كانَ أبوهُ غيرَ مُرَحِّبٍ بأسئلَتِهِ، وكان يعلَمُ –من خلال تجاربِه- أنّه لو طَرَحَ سؤالاً مثلَ هذا لجاءَتْهُ الإجابةُ على هيئةِ صفعَةٍ قويّةٍ تُنسيهِ اسمَهُ أو تفقده ذاكرتَه، وقد تُبقيهِ طريحَ الفِراشِ ليومَين! فعلى الرغمِ من كونِهِ الابنَ الأوحَد لأبيهِ تاجرِ السيارات المعروف في مدينتهم الساحلية الصغيرة، إلا أنّه كان يجد منْهُ معامَلةً قاسيةً لم يجد أحدًا من أقرانِهِ يتلقى مثلها من آبائِهم الذين لا يُضاهي أحدُهم ثراءَ أبيهِ.
لا يزالُ يذكُرُ أنّ أُمَّهُ –تلك المرأة قليلة الحِيلةِ المُغلُوبة على أمرِها- كثيرًا ما كانت تُعاتِبُ أباهُ على قسوتِهِ المُفرِطةِ على ابنهِما الوحيد، فكانَ يسمَعُه يملأ الدُنيا صياحًا بأنّهُ لا يريدُ لابنِه أن يكبُرَ مُدَلّلاً وفاشِلاً فيكون على يديهِ زوالُ الثروةِ التي جَمَعها بالعَرقِ والدم؛ فيمتلئُ قلبه حِقدًا على تِلكَ الثروةِ التي طالما جلبَت له الصَّفعَ والركلَ والإهانة، ويتمنى في أعماقِهِ اليومَ الذي سوفَ تَؤولُ فيه تلك الثروةُ اللعينةُ إليهِ فيُبَدِّدَها انتقامًا من أبيه.
وحينَ صارَ مُراهِقًا تحوّلَ فُضولُهُ تجاهَ الجسَدِ الأنثوِيّ إلى رغباتٍ جنسيّةٍ مكبُوتَة، جعَلَتْهُ يَتَفَنّنُ في ابتِكارِ طُرُقٍ للتلَصُّص على خادمةِ البيت تارة، وزوجةِ سائقِ أبيه تارة، وبنات الجيران تارات، إلى أنْ رأتْهُ ابنةُ جيرانهِم القاطنين في المنزلِ المُقابِل يتلصّصُ عليها من نافِذةِ غُرفتِهِ ليلاً بواسِطَةِ مِقرابٍ اشتراهُ خصيصًا لهذا الغرض بينما كانت تستحِمّ، فأخبرتْ أباها الذي شكا بدورِهِ لأبيه، فكانت النتيجةُ سيلاً من الصفعاتِ والركلات، مع لكمةٍ أطارت إحدى أسنانِهِ الأمامية، ونقلِهِ لغُرفةٍ ضيّقةٍ في الطابقِ الأرضي.
لكنَّ ولعَهُ بالتلصُّص على النساءِ لم ينتَهِ عندَ هذه الوقعة، بل زادتهُ حِرصًا على ألا ينكشفَ أمرُهُ مرّةً أُخرى، وحينَ التحَقَ بالجامِعَةِ صارت تلكَ العادةُ الشائنة لا تروي غُلّتَه؛ فالرؤيةُ البصريّةُ لم تعُد تكفيه، بل باتت تُحَرِّضُهُ على تجربَةِ المُلامَسَةِ الحقيقية، وهكذا وقعَت الفضيحةُ المُدَوِّية حين تحرّشَ بإحدى زميلاتِه، لكنَّ أباهُ لم يضربْهُ في هذه المرّة، بالرغم من أنّهُ استخدَمَ نفوذَهُ كي لا يتعرّض للفصْلِ من الجامِعَة، وبذلَ قُصارى جُهدِه كي يتِمَّ احتواءُ الحادث، لكنّهُ كانَ يُدَبِّرُ أمرًا آخرَ.
وهكذا وجدَ نفسَهُ بينَ عشيّةٍ وضُحاها مُتَزَوِّجًا قبل أن يُتِمّ عامَه الدراسي الثاني في الجامِعَة، إذ رأى والدُهُ أنّ داءَ ولَدِه لا دواءَ لهُ إلا الزواج، لم يكُن لديهِ خيارٌ كي يقبَلَ أو يَرفُض، كما أنّ شبَقَهُ جعلَ كُلَّ النّساء سواءً في عينِه، والحَقّ أنّ تلكَ الزيجَةَ كانت بوّابَته الأولى للعبور من عالم المُشاهدة إلى عالَم المُعايَشَة، حتى ظنّ هو نفسُه أنّ الأمرَ قد انتهى بعد أن نالَ ما كانَ يشتَهي، لكنّ ذلكَ الحال لم يَدُم طويلاً، فَسُرعان ما عاود شيطانُهُ إغواءَهُ بفكرةِ أنّهُ كان مُخطئًا حين ظنّ أنّ كُلَّ النساءِ سواء، فالبيضاءُ ليست كالسمراء، والنحيفة ليست كالسمينة، وأنه ما زالَ في ريعانِ شبابِهِ ويجبُ أن يتذوّقَ كُلّ ثمارِ الحديقة، كما أنّ مَن ذاقَ ليسَ كمن رأى وسَمِع، ومِن ثمّ فقد زادَ الزواجُ من شبقِهِ بدلاً من أن يَحُدَّ من سَورَتِه، وهكذا لم يمضِ شهرانِ على زواجِهِ حتى ضبطَتْهُ زوجتُهُ الجميلةُ ذات الحَسَبِ والجاهِ يخونُها معَ خادِمَتِها في فراشِ الزوجيّة.
وكانَ الطلاقُ هوَ نُقطةُ التحوّل في علاقته بأبيه، فقد شعرَ بعد تجربةِ الزواجِ القصيرةِ بأنه قد صار رجُلاً، وأنّ عليه ألا يخشى الضربَ أو يُذعِنَ لقراراتِ أبيه المستبدّة، فصارَ يُعلِنُ تمرُّدَهُ وعِصيانَه، وصارَ يَجبَهُهُ بما يَكرَهُ من القول، مُستَغِلاً كونَهُ قد كَبُرَ سِنُّه واعتلّتْ صحّتُه، في الوقت الذي رفعَ فيه الأبُ الرايةَ البيضاء مُسَلّمًا بأن لا أملَ من شِفاء ابنهِ من تلكَ العلّةِ التي لم يكُن يدري لها سبَبًا، واتّخذتْ العلاقةُ بينَهُما طابعًا غريبًا، حالةٌ من الهدوءِ الحَذِر، تتخلّلُهُ بين الحينِ والآخرِ استفزازاتٌ متبادَلة.
مرّت الأيّام وبالكاد أنهى دراستَه، وألحقَهُ الوالدُ بالعملِ معَه؛ إذ لم يكُن ليترُكَهُ يعتَرِكُ سوقَ العمَل الذي لم يكُن الابنُ مُتَحَمّسًا لدخولِه، وفي الآنِ ذاتِه لم يكُن ليَدَعَهُ بِلا عَمل كي يَتَفرّغَ لإثارةِ المتاعِب، والحق أنّهُ لم يكُن يفعَلُ أي شيءٍ ذا قيمة في الموقعِ الذي وضعَهُ فيه أبوه، لكنّ ذلكَ لم يُثِر اهتمامَ الأب الذي لم يعُد يكترِثُ لأي شيء، فقد كان يشعُرُ بِدُنوّ أجلِه، ولم يكذِبْهُ شعورُه الذي تفاقَمَ بفِعلِ مَرَضِه العُضال، الذي أودى بحياتِه سريعًا، والتي يبدو وكأنّهُ كان يتعجّلُ مفارقَتَها سريعًا بعدَ أن حوّلها ذلك الابنُ إلى جحيم.
مع وفاةِ أبيهِ صارَ وكأنّهُ قد نشطَ من عقال، زادت عربداتُه السّرّية بعد أن صارت علنيّة، وتعدّدت علاقاتُه النسائية التي كان يُنفِقُ عليها المالَ دونَ حساب، وبعضُ أخبارِه تلك كانت تصل إلى أمّهِ التي زادها الحُزنُ ضعفًا على ضعفِها، فسَلَكَت معه سيرَتَها مع أبيه، الخنوعُ وقِلّةُ الحيلَة، لكنّها ذاتَ ليلَةٍ وقفت قُبالَتَه حين عادَ إلى البيتِ مُترَنّحًا كما اعتادتْ أن تراه، وقالت له إنّها وإن كانت لا تستطيعُ أن تَكُفّ أذاهُ عن نفسِه وعن الناس، فإنّها لا بُدَّ أن تُحَذّرَه من مغبّةِ أفعالِه، قبلَ أن يفوتَ الأوان، وأنّ ولَعَهُ بالنساء سوفَ يقودُه إلى حتفِهِ بعد أن نادَتْهُ “أمُّ الدويس”!
ضحِكَ ساخِرًا لدى ذِكرِها “أمّ الدويس”، إذ كانت أمُّه في طفولتِهِ تحكي لهُ قِصَصًا عن “أُمّ الدويس” كي تُخيفَه، كانَتْ تُصَوِّرُها له في هيئةِ امرأةٍ بارِعَةِ الحُسن، تملكُ عيونًا كعيونِ ذات ومضةٍ تلمَعُ في الظلام، ترتدي ملابِسَ فاتنةً وتفوحُ مِنها عطورٌ تخلبُ اللُّب بل الألباب، تظهرُ للرجالِ ليلاً في الطرقاتِ كي تُغويَهُم، وحينَ يسيرُ الرجلُ منهم خلفَها مسحورًا، وما إنْ تبتعدُ بِهِ عن الدُّور، حتى تكشفَ له عن وجهِها القبيح، ومن ثَمّ تقتله بِالسِّكّينِ المعقُوفِ الذي يُشبِه المِنجَلَ الحادّ، فينال على يدِها عقابَ استجابتِه لفتنةِ النساء.
لكنّ الغريبَ في الأمرِ أنّ تلكَ القصّةَ لم تكن تثيرُ فيه الخوفَ كما كانت تبغي أمّه؛ بل على العكس، كانت تثيرُ في خيالِه الطفوليّ فضولاً لرؤيةِ ذلكَ الجمالِ الذي يسحرُ الرجال، ويتمنى أن يكبُر حتى يُقابلَ “أمّ الدُّويس” ويُمتّعَ عينَه بجمالِها الذي تحكي عنه الأساطير، ولا يُهِمّ ما يحدُث له بعد ذلك.
لكنّه الآن يسخرُ من ذكرِ أمّه لها، ويعلّقُ بأنّ حكاياتها تلك ربما كانت تُخيفُهُ عندما كانَ طِفلاً، أما الآن فقد صارَ هو “أبا الدُّويس” الذي يُخيفُ ولا يَخاف، كانت تلك هي المُواجهةُ الوحيدةُ بينهما تقريبًا، ولاذت الأمُّ بعدَها بالصمتِ الدائم.
لم يعرف جُمُوحُ غرائزِهِ لِجامًا، صارَ زبونًا دائمًا لعُلَبِ ومواخير الليل، حتى أنّهُ كان يُسافِرُ إلى بُلدانِ أوربا لا لإبرامِ الصفقات، بل لخوضِ مُغامراتٍ نسائيّةٍ في أجواءَ جديدة، حتى الموظّفات في شركةِ أبيه لم يسلمْنَ من تحرُّشاتِه، ومَن كانت تتمنّعُ كانت تفقِدُ عمَلَها، تعاقبَت على وظيفةِ السكرتيرة العديدُ من النساءِ الحسناوات اللاتي كان يختارُهنّ بعناية، لكنّ إحداهُنّ لم تستمرّ في العملِ وقتًا طويلاً؛ إما لرفضِها الانصياعَ لرغباتِهِ أو لشعورِه بالملل والرغبةِ في التغيير.
إلى أن التحقتْ بالوظيفةِ تلكَ الحسناءُ الخَمريّة “هيفاءُ” القدّ، كانت عيناها تلمعانِ بالرغبةِ المُتدَلّلة في المقابَلةِ الأُولى حين تقدّمت للوظيفة، وخلبَت لُبَّهُ ابتسامةُ الخجلِ المُصطنعةِ التي ارتسمَت على وجهِها وهي تعضّ شفتَها المُكتنزةَ بأسنانِها اللؤلؤيّة بينما تخفضُ عينيها الواسعتينِ اللامعتينِ طويلتيّ الأهداب إلى الأرض، ناهيكَ عن عطرِها الساحرِ الذي كان يعبقُ المكانَ حولَها، فأمرَ بتعيينِها على الفور وهو يُمَنّي نفسَهُ برؤيَتِها مُتَجرّدةً أمامَه في أقرَبِ وقت.
لكنّ تلك الأمنيةَ لم تتحقق، وتوالت الأيامُ وهي ترُدّ على مغازلاتِهِ بكلماتٍ تحملُ الكثيرَ من المعاني المُتناقضة؛ تُرسِلُ لهُ النظراتِ التي تَعِدُ بالكثيرِ دون أن تعِدَ بشيء، تتمنّعُ على لمساتِه الفاضحةِ ولكن بدلالٍ ودون تذمُّر، فتزداد نارُ الرغبةِ في داخلِه اشتعالاً حتى كادَ أن يفقِدَ أعصابَهُ ويغتَصِبَها في مكتَبِهِ ذي الجدرانِ الزجاجيّة على رؤوسِ الأشهاد، وحينَ فرّت من يدِهِ هاربةً ظنّ أنّهُ لن يراها مُجدّدًا، لكنّهُ فوجئَ بها في اليوم التالي تمارِسُ عملَها بشكلٍ اعتياديّ وتبادلُه الحديثَ وكأنّ شيئًا لم يكُن.
تبدّلَتْ حالتُهُ المزاجيّة شيئًا فشيئًا، لم يعُد يُفكّرُ في شيءٍ سوى رغبتِه في الحصولِ عليها، حتى أنّهُ كفّ عن ارتيادِ عُلَبِ الليل لأوّل مرّةٍ منذُ ماتَ أبوه، صار يجلِسُ وحدَهُ لساعاتٍ يُفكّرُ فيها ويُدبّر الخطط للإيقاعِ بها في براثِنِه، لكنّهُ كان يتهيّبُ تنفيذَ أيٍّ من تلكَ الخُطَط، حتى فكّرَ ذاتَ مرّةٍ في أنّهُ رُبّما يكون قد وقعَ في حُبّها؛ لكنّهُ سُرعانَ ما تذكّرَ أن قلبَهُ ليسَ فيه مكانٌ للحُب، وقد تربّعت الشهوةُ في كامِلِ مساحتِه، مُقَدِّرًا أنّ كُلّ ما بِه شعورٌ زائدٌ بالرغبةِ في المرأةِ التي حيّرتْهُ واستعصى عليه نوالُها، وأنّ ما يشُدُّه إليها هو الفضولُ لمعرفَةِ ما تُضمِرُهُ تجاهَهُ ليس إلا.
إلى أن جاءَ ذلكَ اليوم الذي قرّر فيه أن يُنهي المهزلة؛ إما أن يحصُلَ عليها الآنَ أو تختفي عن ناظرَيهِ إلى الأبد، واجهَها بهذا القرار دونَ موارَبة؛ فما راعَهُ إلا ابتسامتُها الساخرةُ التي اتسعت لتحتلّ كامِلَ وجهِها، وهي تجيبُهُ بأنها ستواجه المصيرَ نفسَهُ في الحالَتين، كما حدثَ لمن سبقْنَها، وجدَ نفسَهُ يتذلَلُ لها ويُداهُنها لأوّلِ مرّة في حياتِه، مُمَنّيًا إيّاها بالكثيرِ من الوعود البرّاقة إن هي قبلَت أن تبيتَ في فراشِهِ ليلةً واحدة، ارتسمَت على وجهِها ابتسامتُها الخجلى التي صار مُدمِنًا عليها، وأخبرتْهُ وقد ازداد صوتُها نعومةً أنها تُفضّل أن تدعوَهُ هي إلى فِراشِها، لم يُصَدّق أذُنَيه، وافقَ على الفور ولم يُناقِشها في الموعِد الذي حدّدَته.
في مساءِ اليومِ التالي كان يرتدي أفخرَ ثيابِه، مُستقِلًّا أغلى سيارةٍ في شركتِه، عاقِدًا العزم على أن يُقدّمَها هديّةً لها إن هي برّت بوَعْدِها لهُ وأسعدَتْهُ في تلكَ المواعَدَةِ التي جاءَت بسهولةٍ فاقت توقّعاتِه، كان يمضي في طريقِهِ إلى العنوان الذي أعطتْهُ إياهُ مسلوبَ العقل، فلم يلحظْ أنّهُ يُغادرُ المدينةَ وضواحيها العامرة إلى ضاحيةٍ نائية ليسَ فيها سوى القليل من الدورِ المتناثرةِ في الصحراء، أوقفَ السيارة أمام بيتِها، وترجّل منها كالسائرينَ نيامًا، طرقَ البابَ ففتحَت لهُ وهي ترتدي ثوبًا يكشِفُ أكثرَ مما يُداري، تفوحُ منه رائحةُ عطرٍ باريسيّ ساحرٍ زادَ من شعورِه بِالخدر الذي دبّ في أوصالِه.
اقتادتْهُ إلى الداخلِ فسارَ خلفَها كالطفلِ المُمسك بطرفِ ثوبِ أمّه، اتّجهَت بِهِ إلى حُجرةٍ رأى عبرَ بابِها المفتوح فراشًا بشراشِفَ ورديّة، فانتابَهُ شعورٌ بأنّهُ واقِفٌ عند عتباتِ الفردَوسِ يوشِكُ أن يدخُلَه، وتسارعَت نبضاتُ قلبِهِ كُلما اقتربَ من الباب حتى شعرَ أنّه على شفا الإصابة بذبحةٍ صدريّة.
حين دلفا من باب الحُجرةِ لم يرَ هذين الرجلين مفتولي العضلات اللذين كبّلاهُ من الخلف وأجلساهُ على كُرسيّ خشبيّ أحكما وَثاقَهُ إليه، لم ينظُرْ لهُما حتّى، إذ لم يُحَوّل نظرتَهُ الذاهلة عنها وهي تُطلِقُ ضحكَة ساخرة مُجَلجِلَة وتتّجِهُ إليهِ وهو مُقَيّدٌ إلى الكرسي، وتكيلُ لهُ صفعةً ذكّرتهُ بصفعاتِ أبيه.
أرغمتهُ على إجراءِ عمليّةِ تحويلٍ من حسابِه البنكي عبر الهاتِف لمبلغٍ دولاري ذي ستّةِ أصفارٍ إلى حسابٍ خاص في بلدٍ أجنبي، واستولى من معها على ساعتِهِ الذهبية وخاتمه الثمين، ثم ألقت عليه “أمّ الدُّويس” نظرةَ وداعٍ وابتسامةٍ خبيثةٍ قبلَ أن تطعنَهُ بِسِكّينٍ مَعقُوفٍ يُشبِهُ المِنجَل، ثُمَّ تتركَهُ مُقيّدًا في مكانِه وتغادرَ البيتَ بعدَ أن أضرمَت فيه النيران.
———————————————————————————————————————————–
(*) أُم الدُّويس: امرأةٌ خُرافيّةٌ من الجن، تظهرُ ليلاً مُعطّرةُ لتجذب الرجال لتقتلهم بالمنجل وهو الداس وتصغيره “دُويس”.
(*) نوّهت لجنة التحكيم في جائزة غانم غباش للقصة القصيرة، التي ينظّمها اتحاد كُتّاب وأدباء الإمارات، بخمس قصص قصيرة مشاركة لتميّزها، من بينها القصة القصيرة “عودة أم الدُّويس”، وذلك في الدورة الخامسة عشرة للجائزة لعام 2024م، بمشاركة (40) قصة قصيرة من إبداعات الأقلام الوطنية، باختلاف تجاربها ومهاراتها الأدبية، في دولة الإمارات العربية المتحدة.