شيماء المرزوقي

استدامة الذاكرة الوطنية في التجربة القصصية لشيماء المرزوقي

تقديم

      تحرص القاصة الإماراتية شيماء المرزوقي[1] على استشراف ومجاراة وضعيات الطفولة في شتى المجالات الإبداعية والتربوية؛ ففضلا عن أعمالها الإبداعية الموجهة للأطفال واليافعين التي تجاوزت خمسين عملا… ما فتئت هذه المبدعة الشابة تنفتح على علاقة الناشئة بأسئلة الحاضر والمستقبل، ويكفي أن نحيل إلى مقاليْها (2023) بصحفية «الخليج» الإماراتية: «التغيّر المناخي… ماذا عن الأطفال؟»، و«الأطفال يواجهون المستقبل» حتى نتثبت من أن قصص الطفل بوجه عام تحتاج إلى الانفتاح على واجهات علمية وحضارية لا تقتصر على الأدب بقدر ما تتصل بالمعرفة، والمهارات الحياتية، والتحديات الكونية… فما المقومات الفنية والأدبية التي اهتدت بها الكاتبة لتجعل منجزها القصصي منذورا للتعمق والانفتاح على مقتضيات الاستدامة الثقافية؟ وكيف يمكن أن نستلهم فلسفتها في الكتابة بغية الرقي بمشاغل الإبداعات الموجهة للطفل داخل رقعتنا العربية؟

     إن المعادلة التي تنطلق منها المرزوقي في إبداعاتها الأدبية وكتاباتها العلمية تبدأ من قاعدة واضحة، ألا وهي أن التوسع في استثمار المعارف الإنسانية المتنوعة؛ هو السبيل الأمثل الذي يقود الفرد إلى التفاعل مع محيطه الاجتماعي والعالمي… إذ لا يمكن تحقيق الانفتاح المتوازن في غياب ترسانة معرفية متبحرة في الحضارات، والعلوم، والفلسفات التي أثرت في مسير الإنسانية… فمن خلال هذا المعيار، استطاعت المبدعة العمل على الوصل بين ذاكرة تراثها المحلي، والتحديات الكونية التي تعتمل في واقعنا الاقتصادي والبيئي والثقافي… وهو ما يعني أن الكاتبة تراعي –بشكل ضمني- استراتيجيات الاستدامة الثقافية التي تصل بين السابق واللاحق؛ فالكتابة في مدونتها تغدو رفضا مطلقا لهيمنة أي خطاب أحادي، وتجنبا صارما للانكفاء والانحصار في معطى يحد مخيلة الإبداع، ويضيق إمكانات العقل ورحابة المعرفة. ومن ثمة، فإن الموسوعية والانفتاح اللذين يتحققان في مدونتها يعبّران عن تصوّرها الأصيل لفعل الحكي والقص، سواء أتعلق الأمر بالمنحى الإبداعي أم العلمي، فحتى إن دعتنا الأسباب إلى انتشاب ما يدعو إلى المفاضلة بين هذين المنحيين؛ فالاستدامة الثقافية –في منظورها العام- تستدعي حضور مقاليد الفن والعلم معا في نسق متساوٍ لتحقيق الرقي الجمالي والأدبي إلى الجانب الترشيد العقلاني والمعرفي للمتلقين من الأطفال واليافعين.

      وحرصا منها على النزوع العقلاني والتربوي اللذين هيمنا على أعمالها الغزيرة… مثلما هو متعين في كتابها المعنون بـ «العلم في قفص الاتهام» (المرزوقي، 2018أ)؛ حيث تتمظهر معالم توجهها نحو جعل الكتابة رافدا من روافد الوعي الذي ينبغي أن يناهض ما يؤرق المجتمعات… وجسرا من جسور تخطي الظواهر السلبية والأوهام الذاتية، على الرغم من أنه «لا يوجد شيء أكثر عدوانية من محاولة إزالة الغموض عن الأوهام المفترضة للآخرين» (Leitch, 2014. P.19). ولعل ذلك هو التحدي الذي خاضته الكاتبة بهدوء وإصرار جعلا من أعمالها ملاذا لاستخلاص القيم السامية، ومصدرا لتحصيل الحلول العميقة. إذ يتضح ذلك في قصتها الموسومة بـ «بيراي وجزيرة القطن الأبيض» (المرزوقي، 2022أ)، التي تحفز –من خلالها- الأطفال على تنمية معارفهم الحياتية حول المجال الزراعي والجغرافي، وتدعوهم –موازاة مع ذلك- إلى تثمين منتجاتهم القروية لتحقيق تنمية مستدامة بعيدا عن جشع الشركات الكبرى… مستثمرةً كل ذلك في شخصية «بيراي»؛ تلك الطفلة النبيهة التي ستسهم في إنقاذ زراعة القطن بالجزيرة من مشاكل التصدير، وتحديات المناخ، بتأسيس مصنع داخل الجزيرة… تقول المرزوقي (2022):

لَمْ تَكُن بِيرَاي حَزِينَةً، بَلْ كَانَتْ مَشْغُولَةً بِالتَّفْكِيرِ فِي إِيجَادِ حَلّ لِهَذِهِ المُشْكِلَةِ، فَهِيَ مُدِيرَةُ المَصْنَعِ، وَالمَسْؤُولَةُ عَنْ الإِنْتَاجِ، وَبَيْنَمَا كَانَتْ مُسْتَغرِقَةً فِي التَّفْكِيرِ، هَتَفَتْ قَائِلَةً:

_ يَا سُكَّانَ الجَزِيرَةِ الشَّجْعَانَ، سَنَسْتَوْرِدُ أَفْضَلَ أَنْوَاعِ القُطْنِ، وَسَيَسْتَمِرُّ المَصْنَعُ فِي عَمَلِهِ، وَلَنْ يَتَوَقَّفَ، سَنُعَالِجُ تُرْبَتَنَا لِتُصْبِحَ صَالِحَةً لِلزَّرَاعَةِ مِنْ جَدِيدٍ، لَا شَيْءَ مُسْتَحِيلٌ فِي جَزِيرَةِ أَرْضِ القُطْنِ الأَبْيَضِ، سَنَحْتَاجُ إِلَى خِبْرَتِكِ أَيَّتُهَا الجَدَّةُ العَزِيزَةُ، فَأَنْتِ أَفْضَلُ مَنْ يَعْرِفُ كَيْفَ نَزْرَعُ البُذُورَ وَنَعْتَنِي بِالقُطْنِ… (ص.35).

   وفي منأى عن أحداث القصة، وعن نجاح شخصية «بيراي» في إنقاذ سكان الجزيرة من أضرار التصدير والتغيرات المناخية في زارعة القطن، وتحقيقها لحلم مستحيل… فإن حبكة القصة برمتها تجد صداها –أيضا- في كتابات المرزوقي التربوية؛ حيث ما فتئت تربط بين أهمية الحلم وقيمة الكرامة، من خلال التشديد على ضرورة «أن نحـترم أحـلام الآخريـن ولـو وجدناهـا غريبـة أو صعبـة المنـال؛ لأن كل كيـان إنسـاني لـه كرامـة تسـتحق التقديـر…» (المرزوقي، 2018ب، ص.27). مما يومئ إلى أن الكاتبة تعمل على ترجمة رؤاها في التنمية التربوية داخل إنتاجاتها القصصية خاصة، والسردية عامة؛ وهو معطى مثل منعطفا حاسما في تجويد قصصها، ورواياتها. أما من جهة أخرى، نستخلص من قصتها الموسومة بـ «حديقة الزهور» (2016) تخييل ذاكرة المكان في أحداث بديعة تتعلق بنحلتين ستخالف إحداهما أوامر أبيهما بالخروج عن الخلية… لتتخذ من هذا الحدث في آخر القصة مسوِّغا لترميز البعد الإيكولوجي المستدام الذي تتأسس عليه دبي بوصفها مدينة المستقبل، وذلك بتشييدها «أكبر حديقة على مستوى العالم [إذ] تضم أكثر من 45 مليون زهرة مختلفة الألوان والأشكال» (المرزوقي، 2016).

   بعد تبيان المشاغل التربوية والإبداعية السالفة، يمكن أن نستحضر إحدى أعمالها التي تترجم بعضا من أوجه الاستدامة الثقافية، التي تصل بين المحلي والكوني مثلما تربط بين الأصالة والمعاصرة، نخص بالتحديد عمل المرزوقي (2018ت) الموسوم بـ «ميثاء في متحف الاتحاد» الذي جسدت من خلاله أوجه التعاضد بين الأصالة والمعاصرة في تاريخ الإمارات العربية المتحدة، معتمدةً في ذلك تقنيات سردية تقوم على تفكيك الذاكرة إلى أحداث قصصية متنوعة بغية إفهام الطفل، وتحسيسه بقيم ذاكرته الوطنية التي تزاوج بين قيم الأصالة التراثية السالفة، ومستحدثات المعاصرة اللاحقة، مستلهمة في ذلك أحداث تأسيس المغفور له الشيخ زايد رحمه الله لدولة الإمارات، والتحولات التي طرأت بعد تسلّمه لمشعل القيادة، ليجعل من وطنه أيقونة رائدة في السلام، والإنسانية، والتعايش… وقد عززت هذا العمل بقصة أخرى موجهة للصغار بين عمر 3-6 سنوات بعنوان «بابا زايد: وشعب الإمارات» (المرزوقي، 2018ث)، حرصا منها على استدامة ذاكرتها الوطنية واستحضار فلسفة الإنسانية التي يعدّ الشيخ زايد أحد روادها على المستوى العربي والعالمي… مع توظيف ذكي للأيقونات جذابة من التراث الإماراتي الماثلة في الاحتفاء برمزية الخيل والصقر التي تجذب رغبة الأطفال في الاكتشاف،  كما هو مبين في الغلاف الآتي:

الشكل البصري 1، (2018).

واعتبارا لمحتوى القصة الذي يعتمد تاريخ تأسيس الإمارات من البدايات إلى النجاح، انطلاقا مما تحتويه فضاءات متحف الاتحاد… يمكن القول إن استدامة الذاكرة الوطنية تنطلق من خطوات تضمين النصوص ومختلف الوسائط الأدبية الموجهة للطفل بقيم وطنية أو ثقافية محلية تنفتح معها آفاق الذاكرة. ولن يتأتى للمبدعين تحقيق آثار إيجابية لفعل التضمين ما لم يستندوا إلى إمكانات التخييل التي تتيح لهم بسط ذاكرتهم الوطنية دونما تفريط في المستلزمات الحضارية الكونية الراهنة… تقول الساردة في قصة ميثاء (المرزوقي، 2018ت) بعدما ذهبت رفقة عائلتها إلى متحف الاتحاد، وانبهرت بكيفية مزاوجته بين الأصالة (الفلج) والمعاصرة (لوحات رقمية تفاعلية):  

قالت له أمي: لماذا هذا القسم تحديدا؟

أجابها المُرْشِدُ قائلاً: لأنَّ هذا القسم وكما ستلاحظونَ يَعْرضُ خطوات الوصول إلى مرحلة الاتحاد، ومن أجل أن يُدْرِكَ كلُّ منْ يَزورُ هذا المُتحَفَ كافة الجوانب، تم تصميمُهُ بِالصُّورِ ومعروضاتٍ مختلفة، وتمَّ صَفُها وتنسيقها على شكل (فلج). أيضا تكمن أهمية هذا القسم في أنَّه سيأخذُكُم في رحلة عبارة عن خط زمني تفاعلي، يسوقُ لكم قصة اتحاد بلادنا، وخلالها أيضا سَتَطلعون على الأحداث الوطنية والدولية التي تزامنت في تاريخها مع تلك الحقبة (ص. 18).

تركيب

    واستنادا إلى ما سبق، إن قصص أدب الطفل في تجربة المبدعة الفذة شيماء المرزوقي لا ترمي إلى الإمتاع فقط، كما لا تسعى إلى تطوير الإنتاج التخييلي في حد ذاته، وإنما تتطلع إلى جعل كل سيرورات الحكاية التي تعتمل داخل النصوص قصصيةً كانت أم روائية، منبعا للتحسيس بأهمية الاستدامة الثقافية التي تساعدنا ربط السابق باللاحق من دون أن نتغافل عن استحضار القيم الكونية بطرائق سلسلة[2] تستنج مباشرة من الأحداث؛ إذ يبدو ذلك جليا في احتفاء المبدعة بتراث الذاكرة الإماراتية في ضوء مجموعة من الأحداث المحفزة التي تؤكد أن الأزمنة في الذاكرة لا تنفصل بل تتواصل وتتواشج… أما من جهة أخرى، يبدو أن سر النجاح الذي رافق تجربة المرزوقي كامن في توسّل أساليبها السردية بطرائق تربوية معاصرة تتلافى أسلوبَ الوعظ المباشر؛ ذلك أن الطفل -في زمننا المعاصر- تُحيطه أحاسيس الضيق والنفور كلما صادف شيئا يمارس عليه الوصاية المتعالية، أو يفرض عليه العبر المتعالمة؛ فالطفل يسعى -دائما- إلى أن يستقي القيم والمعارف من معين تجربته الوجودية التي يمكن أن تكون القراءة في -حد ذاتها- رافدا من روافدها، وهو الأمر الذي برعت فيه المرزوقي نتيجة تخصصها الأكاديمي في التعليم المبكر… ومهاراتها الإبداعية المبتكرة في المراوحة المثلى بين التربوي والجمالي في القصص الموجهة للأطفال. 

قائمة المصادر والمراجع

_ المرزوقي، شيماء. (2014). التحديات التي تواجه اللغة العربية في عصرنا. مداد للنشر والتوزيع.

– المرزوقي، شيماء. (2015). زعفران. دار كُتّاب للنشر والتوزيع.

_ المرزوقي، شيماء. (2016). حديقة الزهور. رسوم: سارة الجندي. دار الهدهد للنشر والتوزيع.

_ المرزوقي، شيماء. (2018أ). العلم في قفص الاتهام. الإبداع والمستقبل للنشر والتوزيع.

_ المرزوقي، شيماء. (2018ب). حتى لا يحكمنا الإعلام. الإبداع والمستقبل للنشر والتوزيع.

_ المرزوقي، شيماء. (2018ت). ميثاء في متحف الاتحاد. نبطي للنشر والتوزيع.

_ المرزوقي، شيماء. (2018ث). بابا زايد: وشعب الإمارات. نبطي للنشر والتوزيع.

 _ المرزوقي، شيماء. (2022أ). بيراي وجزيرة القطن الأبيض. رسوم: سرى غزوان، التفرد لخدمات التصميم ونشر المطبوعات.

_ المرزوقي، شيماء. (2022ب). قصة الإنسان مع الفضاء الواسع. رسوم: سرى غزوان، التفرد لخدمات التصميم ونشر المطبوعات.

_ Leitch, Vincent B. (2014). Literary Criticism in the 21st Century: Theory Renaissance, Bloomsbury.

_ المرزوقي، شيماء. (2023، 11 ديسمبر ). الأطفال يواجهون المستقبل استرجع في 18 يوليوز 2025.

https://www.alkhaleej.ae/2023-12-11/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B7%D9%81%D8%A7%D9%84-%D9%8A%D9%88%D8%A7%D8%AC%D9%87%D9%88%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%AA%D9%82%D8%A8%D9%84/%D8%A5%D8%B6%D8%A7%D8%A1%D8%A7%D8%AA/%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A3%D9%8A-%D8%B2%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%A7

_ المرزوقي، شيماء. (2023، 16 ديسمبر ). التغيّر المناخي… ماذا عن الأطفال؟. استرجع في 18 يوليوز 2025.

https://www.alkhaleej.ae/2023-12-16/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%BA%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D8%A7%D8%AE%D9%8A-%D9%85%D8%A7%D8%B0%D8%A7-%D8%B9%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B7%D9%81%D8%A7%D9%84/%D8%A5%D8%B6%D8%A7%D8%A1%D8%A7%D8%AA/%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A3%D9%8A-%D8%B2%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%A7

[1] – شيماء المرزوقي: هي كاتبة إماراتية أصدرت ما يربو عن أربعين عملا قصصيا لمكتبة الطفل، وما يزيد عن ثلاثة عشر رواية لليافعين، إضافة إلى مجموعة من الأعمال الفكرية والتربوية التي تعالج قضايا الثقافة والتعليم العربيين، من قبيل: «التحديات التي تواجه اللغة العربية في عصرنا» (2014)… ولقد استطاعت –رغم صغر سنها- أن تظفر بأعمدة مستقلة في عدد من المجلات والصحف الإماراتية والعربية نذكر منها تمثيلا لا حصرا:  صحيفة الخليج، صحيفة العرب اللندنية، ومجلة ناشر، مجلة الأمن… ولعل ما يفسر تنوع إنتاجاتها بين الإبداعات السردية الموجهة للأطفال واليافعين والكتابة التربوية والإعلامية… هو تكوينها الأكاديمي… فبالرغم من حصولها على بكالوريوس تربية في الطفولة المبكرة عام 2011 بجامعة زايد – دبي، فإنها حرصت على تطوير تكوينها الأكاديمي  لتنال صفة مدرب دولي من جامعة كامبردج الدولية، وجامعة دوفر الأمريكية ثم جامعة بوسطن.

[2] – في عملها الموسوم بـ «قصة الإنسان مع الفضاء الواسع» (المرزوقي، 2022ب)، يظهر هذا النزوع نحو جعل الذاكرة أكثر انسيابا وتماشيا مع المتطلبات الراهنة للإنسانية؛ حيث اشتغلت الكاتبة بإعادة صياغة مجموعة من الأحداث التاريخية التي تخص الحضارات، والأفكار، الاختراعات… في قوالب قصصية تخييلية تتغيا من خلالها تقريب الأطفال من تاريخ الإنسانية في هذا العالم الواسع الذي يعج برحمة الاختلاف.