إبراهيم-مبارك

شتاء

حرث البحر.. قبض على الماء.. حملته أمه في بطنها وبعد تسعة أشهر خرج كالسمكة، فسبح في البحر.. احتضنته أصابع متشققة تبرز منها نتوءات الصخور الكبريتية من أثر حبال الشباك وخيوط الصيد، عمدوه بقطرات مالحة من ماء المحيط، فانفتح القلب كبوابة السماء الواسعة، برق البحر في عينيه منذ اليوم الأول.. مرسوم طريقك…..

أيها الخارج من ظهر البؤس والفقر.. الماء أمامك وخلفك، فاحرق العمر حتى يخرج من رماده الآخرون وتمتد الحياة، ولتشعل أيامك شمعة حتى يهتدي للطريق من يسير… …

بصقه المحيط في الخليج لتمتد صداقته مع البحر.

حقيبة صغيرة أعدتها زوجته.. وضعت بها بعض المأكولات الهندية وصورة صغيرة. وفي المساء حادثها بشكل جنوني، كأن رغبة العمر كله تأتي في ليلة واحدة.

لم يشاهد في الخليج إلا طريقاً واحداً من المطار حتى كوخ خشبي بجوار ميناء صغير للصيادين. الشباك تمتد في كل مكان ورائحة الأسماك والبحر تنعش أنوف البحارة.. قوارب الصيد تحتل الميناء الصغير واليابسة، وظهور الرجال أقواس، نبال، والأيادي أسهم تعالج الشباك المهترئة والممزقة.. فتح رئتيه واستنشق الهواء المحمل برائحة السمك.

  • أبو بكر، محيي الدين، بابو رفاق عمل على ظهر القارب، قال ذلك خلفان صاحب قارب الصيد لكومار.. فابتسم.

الميناء حذوة حصان عجوز أفناه الدهر، تطرزه القوارب، وتسبح بقايا الأخشاب في أرجائه، وتتناثر بقايا الأسماك الفاسدة على شواطئه وتختلط رائحة الزيت، وعفونة الأسماك والطبخ المنبعث من أكواخ الصيادين والتبغ فيه.. وتدوي صرخات العائدين من أعماق البحر والراحلين إليه، وهي تسحب القارب..

(يا الله.. يا حيل الله).

تُنشر الشباك على الرمال الملتهبة، لتشرب الماء، بينما تحتل طيور البحر الصخور وكذلك السرطانات.

يعود منهكاً، مكدوداً وتظل كالمنار تشعل الاحتراق بداخله.. عندما تأوي إلى ذاتك يوقظك صدى الذاكرة، تتجسد في اللاشعور الرغبة والاشتياق لحضن، امرأة، تغسل غربتك وتروض جموحك.. أمام ناظريه وقفت قريته وامرأة.. كرجع الصدى يأتي صوتها من كهف أعماقه:

  • انتظر عودتك كالمطر، واتنسم أخبارك كالهواء…

يشعل المصباح، ثم يكتب إليها رسالة طويلة.. افتقدتك، بداخلي اشتعال حريق، رأيت عينيك بالأمس تخرج من الشباك، راقبت سمكة تسبح في الماء فخلتك تسبحين في دمي، وعندما هبت نسمة عليلة أحسستك تغزين جسدي ثم تدمرينه وتلقين به كالرماد في محرقة الشوق.. أشتهي كرزات رائعة نبتت فوق ثغرك.. ما زال طعم جوز الهند ينساب في فمي ورائحة المانجا.. يا ثمرة جوز في قلبي.. الآن أسمع قطرات المطر تعانق سقف الكوخ، أكاد أعد القطرات، هذه بعضها تسقط بجوار سريري الخشبي من ثقب في سقف الكوخ، ثم تقفز لتبلل أطراف دفتري، ثم تتبعها قطرات أخرى.. هذه القطرات تشكل حفرة صغيرة في الأرض، هكذا تحفرين قلبي الملتاع.

إنه الشتاء.. أتعلمين يا حبيبتي ما يفعله الشتاء بالرجال؟!

أتذكرين يوماً كنت أطوقك بذراعي ثم ننظر لأسراب الطيور المهاجرة في السماء؟

عندها قلت لك إنها تبحث عن الدفء.. هكذا الرجل أيضاً عندما يأتي الشتاء يكون أكثر شوقاً إلى الدفء.. أنك تحتلين قلبي، بينما أربض في الصقيع وتحتلني الصحراء.

هذا الخليج يبعث في قلبي الخوف والرعب، بعد أن كان ينبوع عطاء فبالأمس لم يعد أعز أصدقائي بعد أن خرج للصيد، واليوم أعلنت تمردي. فأنا أحبك وأخاف أن تلتهمني وحوش البحر والألغام.

يا قيثارة حبي.. سأعود إليك.

29/2/1988

شتاء

إبراهيم مبارك.. من المجموعة القصصية (رياح الشمال)