ليس لديَّ ما يُشير إلى أنّ عبد الحميد أحمد -وهو رائد من روّاد القصّة الإماراتيّة- توقَّف عن كتابة القصّة القصيرة بعد مجموعته الثالثة (على حافة النّهار- 1992)، ولكنّ الساحة الثّقافيّة التي دلّت على أنّه توقَّف عن النّشر بعد هذه المجموعة فُوجئت بنشره قصّة (الـمُطوّر العقاريّ) في صحيفة الخليج (ع 16740- الأربعاء 19/3/2025). وإذا كانت عودته إلى النّشر تبقى أمرأً شخصيّاً يسرّ الذين قرؤوا مجموعاته الثّلاث، ومقالاته في كتابيه (مع النّاس- 1997)، و(النّظام العالميّ الضّاحك- 1998)، فإنّ قصّة (المطوّر العقاريّ) التي أعلنت عودته إلى النّشر تُعَدُّ أمراً ثقافيّاً يمكنني اختصاره بالقول إنّ هذه العودة هي عودة الواقعيّة النّقديّة بمنهجها الفنّيّ إلى الحياة، بعد أن ظنَّ كثيرون أنّ القصّة الحديثة جاوزتها، وقضت على وظيفتها، ومحت آثارها الجماليّة.
تضمّ قصّة (الـمُطوّر العقاريّ) ككلّ القصص الواقعيّة النّقديّة حكاية ما حَبَكها صاحبها على هيئة خطاب سرديّ ذي رسالة اجتماعيّة تنتقد أمراً معيَّناً في المجتمع المحيط به. أقول: لا تختلف قصّة (المطوّر العقاريّ) عن القصص الواقعيّة في بنائها الحكائيّ الانتقاديّ، ولكنّها تختلف بين القاصّين في الحبكة القصصيّة التي نلاحظها في الخطاب السّرديّ؛ لأنّها حبكة مصنوعة لأداء الانتقاد الـمُقدَّم في الخطاب السّرديّ. لذلك لن أشغل نفسي بتلخيص قصّة عبد الحميد أحمد، فمادّتها الحكائيّة بسيطة جدّاً، هي محاولة موظف كاد يصل إلى التّقاعد شراء وحدة سكنيّة ليبيعها بعد الحصول عليها، ويفيد من ذلك دراهم معدودة يستعين بها في حياته القابلة بعد التّقاعد، ولكنّه يخفق ثلاث مرّات، من غير أن يفقد الأمل، بل يبقى مُصرّاً على الاستمرار في الانتظار في الطّابور الطّويل مرّة رابعة، فقد ينجح في الوصول إلى التّسجيل قبل نفاد الوحدات المعروضة.
من حقّ أيّ متلقّ لقصّة (المطوّر العقاريّ) أن يفهم الحكاية القصصيّة على أنّها حكاية موظّف عنيد يحاول غير مرّة التّسجيل في وحدة سكنيّة ليبيعها بعد ذلك، ولا يمنعه إخفاقه ثلاث مرّات من الاستمرار في المحاولة مرّة رابعة. وهذا الفهم للحكاية ومغزاها سليم في رأيي؛ لأنّه ظاهر القصّة كما قدَّمه ساردها. بيد أنّ هناك -في رأيي أيضاً- ثلاث دلالات أكثر عمقاً وراء الظّاهر الواضح، هي:
= أوّل هذه الدّلالات إيمان الموظّف (صالح عبد الله) بأنّ حياته المعيشيّة مُهدَّدة بعد تقاعده؛ أي أنّ المجتمع الذي خدمه طويلاً سيتركه محتاجاً عندما يتقاعد من وظيفته؛ لذلك سيحتال على هذا المجتمع بالتّسجيل على وحدة سكنيّة لبيعها وليس لاستعمالها سكناً.
= لم يكن الأمر خاصّاً بالموظّف (صالح عبد اللّه)، فزملاؤه في العمل فعلوا ذلك، وحفزوه إلى أن يفعل مثل فعلهم. والوكيل العقاريّ يفعل ذلك أيضاً، ويجعل من التسجيل في الوحدات السّكنيّة مهنة؛ لذلك يُرسل موظَّفه لتنفيذ التّسجيل في كلّ مرّة. أي أنّ أفراد المجتمع، من موظفين وغير موظّفين، صاروا يلجؤون إلى الأمر نفسه، ما يدلّ على أنّ العلّة تكمن في القوانين العقاريّة في المجتمع عامّة، وفي النِّسَب القليلة المخصَّصة للمواطنين خاصّةً.
= الدّلالة الثّالثة هي أنّ التّطوير العقاريّ لم يبق تلبية لحاجات سكنيّة لأفراد المجتمع، بل أصبح شكلاً أجوف لا يساعد من يحتاجون إلى المساعدة، بل صار مصدراً للعمل والغنى لمن لا يحتاجون إلى مساعدة سكنيّة. أي أنّ المجتمع الحديث بدأ يحتال على أبنائه بمشروعات لا تخدمهم، بل تخدم شريحة منهم، وقابل أبناء هذا المجتمع مجتمعهم بالحيلة نفسها؛ لأنّهم فقدوا ثقتهم بمساعداته العقاريّة، ما زاد البون اتّساعاً بين المجتمع وأبنائه، وأبرز أساليب جديدة في الاحتيال، ورسَّخ قيماً سلبيّة، وخسر اللُّحمة بين شرائح المجتمع نفسه.
إذا كانت الدّلالات الثّلاث السّابقة تنتقد المجتمع، فإنّنا غير غافلين عن أنّ النّقد مُوجَّه بوساطة قصّة لها أسلوبها الفنّيّ الخاصّ في التّعبير عن النّقد، وليس مُقدَّماً بوساطة علم الاجتماع ذي التّعبير المباشر عن النّقد؛ أي أنّ الدّلالات الثّلاث في قصة (المطوّر العقاريّ) يجب النّظر إليها من زاوية محدَّدة، هي قدرة عبد الحميد أحمد على بناء المادة الحكائيّة بناءً فنياً ماتعاً مؤثّراً. ومعرفتي تقول إنّ عبد الحميد أحمد خبير في البناء الواقعيّ للقصّة؛ لذلك اختار سارداً محدَّداً قادراً على التّلاؤم مع أمرين؛ أمر متابعة انتظار (صالح عبد الله) في الطّابور، وأمر الاختفاء وراءه في أثناء حديثه مع (محمود) مندوب الوكيل العقاريّ الواقف أمامه في الطّابور، وفي أثناء حواره مع زملائه في العمل. وقد اختار عبد الحميد أحمد السّارد المتخيَّل ذا الرّؤية مع شخصيّة (صالح عبد الله) حسب تقسيم جان بويون للسّاردين، وهو سارد موضوعيّ ذاتي لا يعرف غير ما يعرفه صالح عبد الله حسب تقسيم توماشفسكي. أقصد بذلك أنّ عبد الحميد أحمد لم يستعمل السّرد بضمير المتكلم؛ لأنّ السارد لهذا السّرد سيُضطرّ إلى الاختفاء وراء شخصيّة صالح، ويترك لها تقديم الأمور بنفسها. وعبد الحميد أحمد راغب في أنّ يُقدّم ما حول (صالح عبد اللّه ) في الطابور، وينقل -في الوقت نفسه- معلومات عن التّطوير العقاريّ بوساطة حوار (صالح) مع (محمود) ؛ لذلك قادته خبرته إلى اختيار سارد موضوعيّ داخليّ يؤدّي مهمّتين؛ الأولى نَقْل ما يراه صالح، والثّانية نَقْل حواره مع محمود ومع زملاء العمل من غير أن يبدو مسيطراً على السّرد سيطرة تجعل المتلقّي يرى شخصيّة صالح من خلال السارد وحده، في حين رغب عبد الحميد أحمد في تقديم الأمرين بوساطة سارد موضوعيّ قادر على مرافقة صالح في الطّابور والعمل، ويترك للإيحاء معرفة الدلالات الثّلاث. فصالح لم ينتقد شيئاً، ولكنّ موضوعيّة السارد في نَقْل ما فعله صالح قادت إلى الإيحاء بالدّلالات، ولم تُعبّر عنها تعبيراً مباشراً.
لم يكن السارد موضوعياً فحسب، إنّما كان مقتصداً في السّرد، فقد اكتفى بذِكْر طبيعة وقوف صالح في الطّابور مرّة واحدة، رغم أنّه وقف في الطّابور ثلاث مرّات؛ أي أنّ السّارد المختار كان حريصاً على التّكثيف اللّغويّ، فاستعمل من اللّغة ما يحتاج إليه المعنى، وابتعد عن الثرثرة، وشرح الدّلالات، والتدخُّل في التّعليق على الأمور وتعليلها. كما أنّه كان حريصاً على وحدة الانطباع، إذ كان ينقل ما يتعلّق بسبب وقوف صالح في الطّابور ليس غير، من غير أن يستطرد إلى طبيعة عمله، أو سبب خوفه من ألّا يكفيه راتبه بعد خروجه من وظيفته، أو يتحدَّث عن مسوّغ عناده وإصراره على تكرار الوقوف في الطّابور مرّة رابعة.
صحيح أنّ هذا السّارد اعتدى على مهمةٍ كان السّارد العليم يقوم بها، فنقل صالح زمنيّاً إلى صباح اليوم التالي، وعرف دخيلته، وأنّه استيقظ عكر المزاج، لم يحلق لحيته، كما انتقل إلى ما رآه زملاء صالح في هيئة زميلهم في هذا الصّباح الجديد، وذكر أنّ صالحاً كرّر الوقوف في الطّابور بعد أسبوع، ولكنّ السّارد الموضوعيّ لم يبالغ في تقمُّص موقف السّارد العليم المسيطر العارف بكلّ شيء في دخيلة الشّخصيّة وحركتها الخارجيّة، فبدا اعتداؤه على مهمّة زميله في تصنيف جان بويون مجرَّد استعارة لم تؤثّر في البنية العامّة للسّرد الموضوعيّ.
أعتقد أنّ قصّة (الـمُطوّر العقاريّ) أعادتنا إلى نقد المجتمع في وقت صرنا فيه في حاجة إلى هذا النّقد، كما أعادتنا إلى السّرد الواقعي النّقديّ الجميل بلغة عبد الحميد أحمد الواضحة المعبّرة القادرة في الوقت نفسه على طَرْح ظاهر قصصيّ يستجيب للمتلقّي العام، وبنية عميقة تستجيب لمحاولات التّفكيك والتّأويل.