غرفة 4

غرفة أربعة – خولة عوض الكتبي

يرتطم نسيم البحر بوجهه، وتداعب موجاته قدميه، لكن الحشرجة العالقة في صدره لا تجد سبيلاً للخروج، سوى بالتماهي مع الأسى القابع في أعماقه.

الوقت يتثاقل، كما لو أنّ الزمن نفسه يُشاركه ثقل الروح، تلك الروح التي لا يعرف كيف يجعلها خفيفة، ولا كيف يعيد إليها نبضها القديم.

يمشي بخطواتٍ عكسيّة، لا توازي اتجاه البحر، بل تنافره، كأنّما يهرب منه، لا بحثاً عن الراحة، بل عن نفسه. عن ظلٍّ قديم فقده في زحام الكبت، عن جزءٍ منه تمزّق بصمتٍ تحت ضجيج التظاهر بالقوّة.

يحاول أن يجترّ ما تبقى منه، أن يجمّع شظايا ذاته المتناثرة، لأنّه -ولأوّل مرة- لا يبحث عن أحد لينقذه، بل يريد أن ينقذ نفسه.

لكن، كيف يُنقذ المرء ذاته وهو غارق؟

غارق تماماً، لا يدري إن كان غرقه في الحزن، أم في الفراغ، أم في كلّ شيء ولا شيء معاً.

حين يصل إلى المكان، يتلفّت حوله.

كلّ شيء يبدو كما تركه، إلا هو.

التردّد يتسلّل في جسده مجرى الدم، لا يُرى، لكنّه محسوس.

يضمّ قبضة يده، كأنّما يحتضن هشاشته، ثمّ يتنهّد، ويمضي بخطوات ثقيلة نحو الباب.

يدفعه للأمام، ببطءٍ مقصود، ثمّ يتوقّف أمام مكتب الاستقبال.

ترفع الممرّضة رأسها، تنظر إليه بدهشة:

– سيّد آدم!

عيناه مليئتان بالقلق، والخوف، والأمل المُبهم… لكنّه هذه المرة لا يهرب.

يتكلّم بصوت خافت، لكنّه حاسم:

– أنا… موافق على دخول الغرفة أربعة.

تتّسع عيناها. لم تتوقّع عودته.

كثيرون تراجعوا حين علموا أنّ علاجهم سيكون في تلك الغرفة.

قلّة فقط دخلوا، وقلّة أقلّ خرجوا وهم مختلفون.

استقامت في وقفتها، التقطت مفاتيح الغرفة، وقالت وهي تسير معه:

– يجب أن تعلم أن دخولك هذه الغرفة يعني أنّك تتحمّل المسؤوليّة الكاملة، ستُقدَّم لك اتفاقيّة لتوقيعها قبل الدخول.

يُومئ برأسه.

لا كلمات، فقط إشارات.

كأنّ اللغة خانته، وبقي له فقط جسد يُترجم ما تبقّى من إرادة. يجلسُ على المقعد، فتُقدّم له بضع أوراق لم يكلّف نفسه عناء قراءتها، فلا يملك أيّ شيء ليخسره سوى هذا الجسد. ينظرُ إليها بعد أن قام بتوقيع الأوراق، كما لو أنّه سجينٌ ينتظرُ حكم الإعدام بفارغ الصبر. تلتقطُ الأوراق وتضعها في داخل الملفّ، ثمّ تقول وهي تنظرُ إليه بشفقة واضحة:

– سيّد آدم، من فضلك قم بتغيير ملابسك بالملابس التي ستجدها في الغرفة التي أمامك، ومن ثمّ سيتمّ نقلك إلى غرفة أربعة.

يومئ مجدّداً. كلّ ما يجيدهُ هو الإيماء. لقد نسي الكلام على ما يبدو. كانت خُطاه تتهادى بين الانكسار والتصميم، كمن يتقدّم وفي صدره حربٌ لا تهدأ. يدفع الباب ثمّ يدخل، ينظرُ حوله، فيجد الملابس أمامه، يلتقطها، ثمّ يُسارع لتغيير ملابسه، خشية أن يسبقه التردّد، ويغلق عليه الباب قبل أن يكمل ما جاء من أجله.

يخرجُ جاهزاً لمعركته الأخيرة، ثمّ يجد الممرّضة تبتسم وهي تشير إلى الطريق:

– من هنا سيّد آدم.

يتبعُها وهو لا يُفكّر، ليس هناك ما يمكن أن يفكّر به في هذه اللحظة، وما هي إلا ثوانٍ معدودة حتّى توقفت أمام باب غرفة خشبيّ كُتب عليه “٤” ثمّ تنظرُ إليه، في عينيها كان هناك شفقة وقليل من الحزن، لحظات ثم قالت:

– آملُ أن تتخلّص من كلّ آلامك بسلام.

قالت ذلك، ثمّ التفتت لتفتح الباب، وتوقّفت بانتظاره ليدخل، لكن قدميّه تجمّدتا، كما لو أنّ التردّد تسلّل لعقله، يخبره بألّا يتجرّأ بدخول ذلك المكان، لكن اليوم، لا شيء سيغلب إرادة آدم، آدم الذي تجرّع الألم لسنوات، لا يمكن أن يتوقّف بعد كل هذا.

كان المكانُ مظلماً، يبعث على الخوف تارةً، وتارةً أخرى يمنح شيئاً من الراحة الغامضة.

الغرفة كانت بسيطة، تحتوي على سرير، ومرآة طوليّة، وفي الزاوية اليمنى مغسلة ومرحاض صغير.

بدت كما لو أنّها زنزانة انفراديّة، لكنّها لم تكن كذلك تماماً… ولم يكن ذلك مهمّاً لآدم.

هناك ما هو أهمّ، أن يتخلّص من كلّ ما يثقله، من كلّ ما تراكم في جسده وعقله من وجعٍ وصمت.

توقّف يتأمّل المكان، يحاول أن يقرأه كما لو أنّه يقرأ مشهداً أخيراً قبل الغوص في المجهول.

ثمّ سمع صوت إغلاق الباب خلفه.

لم يركض إليه، لم يصرخ، لم يطالب بأن يُفتح…

بل جلس على الأرض، وأسند رأسه إلى طرف السرير.

وأغمض عينيه.

في داخله سؤال لا يسكت:

– ما التالي يا تُرى؟

لكنّ لا إجابة تأتي.

الفراغ هو كلّ ما يرد عليه.

استيقظَ من غفوته، على صوت طفلٍ صغير، يناديه، فتح عينيه بصعوبة، وراح يبحث عن الصوت، ثمّ نظرَ إلى المرآة وهو يسمع الصوت مجدّداً:

– آدم.. آدم

وأخيراً، اتّضحت له الصورة، كان طفلاً في السابعة من عمره، يرتدي كنزة خضراء، الكنزة التي لا يمكن لآدم أن ينساها، الكنزة التي كان يرتديها لأيّامٍ وشهور، والتي كانت تُغسَل قليلاً جدّاً. أغمض عينيه مراراً وتكراراً، يحاول أن يستيقظ، فرؤيته لنفسه طفلاً ليست بالشيء المعقول، لكنّه مهما أغلق عينيه وعاد لفتحهما فإنّ هذا الطفل موجود، ينظرُ إليه بعينين بريئتين، ينتظره أن يتحدّث معه، بلع ريقه وهو يشعر بغصّةٍ في حلقه، ثمّ سأله:

– ماذا تريد؟

كان الطفل واقفاً هناك، لا يتحرّك، فقط عيناه تُحدّقان بآدم كما لو كان يحمل في داخله آلاف الأسئلة المؤجّلة… لكنّ آدم لم يستطع النظر طويلاً، كان خائفاً. خائفاً من هذا الوجه الصغير، البريء، الذي لم يُمنح حقّ البراءة… الذي تمّ انتهاكه في غفلة من الزمن، وتعدّى عليه الجميع دون أن يُدركوا ماذا سرقوا منه، ذلك الطفل ليس سوى ماضيه، الماضي الذي دفنه بعمقٍ كي لا يراه، كي لا يشعره، كي لا يعود إليه أبداً.

لكن ها هو… يقف أمامه الآن، حيّاً، يصرُخ بصمت، وبملامح تُعاتب، دون أن تنبس بكلمة. شعر آدم بأنّ الأرض تميد تحت قدميه، كأنّ الذكرى تتجسّد أمامه بلحم ودم وليس أمامه إلا أن ينظر.

تنهّد الطفل، ثمّ جلس بجانب آدم، عيناهُ البريئتان ليستا عيني آدم الكبير بعد الآن، إنّهما مختلفتان، لقد ضاعت البراءة منذ زمنٍ طويل من آدم، بل في الحقيقة لقد سُرقت على حين غفلة.

جاء صوت الطفل هادئاً:

– لقد انتظرتُك طويلاً…. لقد مللتُ الانتظار.

لم يكن بمقدور آدم أن ينطق، حاول أن يبحث عن كلمةٍ يقولها، ولكن كان حلقه ضيّقاً والذنب أوسع من أن يُقال. كأنّ كلّ اللغات انكمشت داخله، وكلّ ما تبقّى فيه… هو الصمت.

لكن الطفل لم يرضَ بهذا الصمت، فهو لم يأتِ من عمق الذاكرة ليُقابل جداراً آخر، فقال بصوت خافت، لكن يحمل نبرة شجاعة لم تكن فيه يوماً:

– لم يكُن خطأك… أنا آسف لأنّني لم أكن قويّاً بما يكفي لحمايتك، أنا آسف لما تعرّضنا له، وأعلمُ تماماً بأنّك حاولت دفني بعيداً لأنّك خفت من تبعات أن تتذكّرني، لكن هل نسيتني حقّاً يا آدم؟

إنّ النسيان يحدث عندما لا نريده، ويتخلّف عندما نرجوه. كأنّه كائن عنيد، لا يخضع لإرادتنا، بل يتسلّل خلسةً، يمحو ما كنّا نتمسّك به بكلّ حواسّنا، ويُبقي لنا ما كنّا نرجو زواله.

نظر آدم لعيني الطفل، ثمّ وبصعوبة حاول إخراج بضع كلمات:

– لقد حاولتُ كثيراً… لكنّني لم أستطع، لكنّه كان يجرّني من قدميّ في كلّ مرّة حاولت فيها التملّص منه، كما لو أنّه رمالٌ متحرّكة… كلّما قاومت، ازددت غرقاً.

وضع الطفل يده على خدّه، وأسندها إلى ركبته، ثمّ هزّ رأسه قائلاً:

– ما ظننتُ أنّنا سنكبر لنصبح ضعفاء يا آدم، رغم كلّ الصعوبات التي مررنا بها، إلا أنّني كنتُ مؤمناً بأنّنا سنتجاوز ونصبح نسخةً قويّةً منّا.

شعر آدم برجفةٍ تسري في جسده، شعورٌ مألوفٌ بالقلق عاد يزحف نحوه، فمواجهة هذا الطفل ليست بالشيء اليسير… إنّها تستنزِف شعوره وطاقته، كما استنزفه الهروب منه طوال حياته. نظر إلى الأرض، كمن يبحث فيها عن مهرب، عن شقٍّ صغير يبتلعه ويريحه من هذا الثقل. لكنّه، وبعد صمتٍ ثقيلٍ طال، تنفّس ببطء، وقرّر أخيراً أن يتكلّم:

– لقد حاولتُ كثيراً… لكن… كان الأمر صعباً ومؤلماً. أن تحاول النجاة بعد كلّ ما حصل… دون يدٍ تمتدّ إليك، دون صوت يجيبك. مهما صرخت… لم يكن هناك من يسمع. لم يكن هناك أحد.

دون تردّد، ربّت الطفل على ظهره. لم يتردّد، لم يتراجع، لم يتردّد حتّى في لمسه، كأنّه يعرف أن هذه اللمسة الصغيرة، هي كلّ ما احتاجه آدم منذ زمن بعيد. قال بصوتٍ مطمئن، حنون، صوت يُشبه حضناً طال انتظاره:

– لقد كنت قويّاً بما يكفي. لا بأس بأن نشعر بالألم، يا آدم… لا بأس.

لكن تلك اليد، تلك اليد الصغيرة، التي ربّتت على كتفه بلطفٍ، كانت القشّة التي قصمت ظهره. فانهار. انهار باكياً كما لم يبكِ من قبل. لطالما شعر بالوحدة، هرب طويلاً من المجهول، ترك خلفه نفسه، وركض دون وجهة، وكان الحزن والخوف يجلدانه دون رحمة، ولا يد تمتد، ولا صوت يُهدهده، ولا حضن يُربّت على قلبه المنهك. ولهذا… كانت هذه اليد، وهذه الكلمات، أشبه بالبلسم الذي طيّب جراحه كلّها، ببساطة، وصدق، ووقتٍ لم يعد يتوقّع فيه شيئاً.

بعد لحظات، وما أن هدأ آدم، جلس الطفل بجواره، يضمّ قدميه لحضنه تماماً كما كان يفعل آدم، لقد كانت لحظة صمت، يحاول كلٌ منهما تجميع طاقته، حتّى سأل الطفل بفضول:

– هل ما يزالان على قيد الحياة؟

نظر ناحية آدم، ينتظرُ إجابة ثمّ أردف موضّحاً سؤاله:

– أمّي وأبي.

كانت عينا آدم حزينتين في الحقيقة، قال وهو ينظرُ للمرآة، ناحية انعكاسه:

– لقد ماتا منذُ وقتٍ طويل، عندما كنتُ في التاسعة عشرة من عمري.

لم يحزن الصبيّ الصغير، لقد أومأ برأسه فقط، لربّما كان ذلك ما كان يتمنّاه عندما كان في السابعة من عمره، ثمّ قال:

– لقد عاشا طويلاً… لقد ظننتُ بأنّهما سيموتان مبكراً بعد كلّ ما فعلاه بنا يا آدم.

عضّ آدم الكبير على شفته محاولاً كبح بكائه، وبعد ثوانٍ معدودة قال:

– ظلّت أمّي تخبرني بأنّها فعلت ما فعلته من أجلي، يا للأسف، لم تعتذر ولا حتّى لمرّة واحدة طوال التسعة عشر سنة التي عشتها معها، لقد سخِرت من ألمي الذي كانت سببه هي وأبي، ولذلك لم أحزن لموتهما أبداً. بل حزنت لأنّهما رحلا بدون اعتذار لكلّ تلك الجراح التي تسبّبا بها لي.

كان الطفل ينظر لآدم من خلال المرآة، ثمّ يتذكّرُ أمراً، يلتفتُ ناحية آدم، ثمّ يرفع كُمّ كنزته الخضراء:

– هل مازلتَ تملك هذه النُدبة؟

نظر آدم إلى معصم الطفل، وهناك كانت الندبة. لم تكن مجرّد علامة على الجلد، بل علامة على الذاكرة، على الطفولة الموجوعة التي حاول جاهداً نسيانها. كانت تلك الندبة تحديداً التي حصل عليها وهو في السابعة من عمره، حين أحرقه والده بالمكواة لأنّه لم يحصل على الدرجة الكاملة في الاختبار.

الإصابة على يد الطفل بدت حديثة، حمراء، متوهّجة، كأنّها للتوّ حدثت، وكأنّ الزمن لم يمرّ فوقها بعد. منظرها أيقظ في قلب آدم طوفاناً من المشاعر، أشعل الذكريات القديمة التي حاول دفنها طويلاً تحت طبقات من الصمت والهرب والتظاهر بالقوّة.

بلطف، مدّ الطفل يده الصغيرة، وسحب يد آدم الكبيرة نحوه، ثمّ رفع كُمّ القميص بهدوء، وكأنّه يعلم تماماً ما يبحث عنه. وهناك، كانت الندبة. لم تكن بنفس الاحمرار أو الوهج، لكنّها ما زالت موجودة، هادئة، باهتة، تحمل نفس المعنى وإن اختلف لونها.

سألهُ آدم وهو ما يزال يحدّقُ بيده:

– لا بدّ أنّها تؤلمك، وبشدّة..

نظر الطفل ليده، ثمّ ابتسم:

– ليس بعد الآن، لكنّ منظرها مُزعج، ويؤلمني كيف حصلتُ عليها، لقد ظننتُ طوال الوقت بأنّ حصولي على الحبّ من أمّي وأبي كان بشروط معينة يجب أن ألتزم بها، لكن عندما رأيتُ أصدقائي في المدرسة لا يحصلون على درجاتٍ جيّدة ومازالوا يحصلون على حبّ والديهم، عرفتُ بأن هناك خطباً ما.

لقد تغيّرت نظرة الطفل هذه المرّة، وعرف آدم أنّه حزين. ربّت آدم على ظهره هذه المرّة وقال:

– في كلّ مرّة أخطأت كانوا يعاقبونني بمختلف الطرق، وهل تعلم أنّ أسوأها كان أنّهم لم يقوموا بشراء لباسٍ جديد لي؟ هذه الكنزة….

أشار إلى كنزة الطفل الخضراء التي كانت بالية، ثمّ أردف:

– لقد لازمتني في مختلف الفصول، لقد كانت أمّي تقول بأنّني لا أستحقّ لباساً جديداً لأنّني لستُ مثل سامي، ذكيّاً، ويحصل على درجات جيّدة، لكّن سامي كان سيّئاً في الرياضة رغم كون والده مدرّب كرة القدم، لكنّه كان يحصل دوماً على حذاء وملابس جديدة، لقد تنمّر عليّ الجميع، ولا يمكنني لومهم، فلقد تنمّر عليّ والداي قبل أيّ أحدٍ آخر.

أمسك الطفل بطرف كِنزته ينظرُ إليها، ثمّ جاء صوت آدم منخفضاً:

– من كثرة ما لبستُها ظننتها جلدي.

عمّ الصمت للحظة، ثمّ انتبه آدم لما يفعله الطفل، فلقد خلع الكنزة، فممّا يتذكّره آدم، أنّه لم يكن يخلع تلك الكنزة أبداً في ذلك العمر، إلا للاستحمام والذي لم يكن يحدث إلا مرّة واحدة في الأسبوع، مهما نتنت رائحته واشتكى منه الآخرون إلا أنّه لم يكن مسموحاً له أن يستحمّ، لأنّ والديه كانا يقولان بأنّ الاستحمام امتياز يجب أن يستحقّه، وآنذاك لم يكن آدم يستحقّ ذلك مهما فعل.

شعر آدم بشعورٍ غريب، براحة غريبة في صدره، رغم بشاعة منظر يد الطفل المحترقة، إلا أنّه شعر بارتياح كما لو أنّ أحدهم سكب مادً بارداً على جرحه، سأل الطفل بفضول:

– لماذا خلعتها؟

قال وهو ينظر للكنزة المهترئة:

– أعلم أنّك تكرهها يا آدم، لقد كبرت وأنت تمقُت كلّ شيءٍ أخضر، لهذا حان الوقت للتخلّص منها، للأبد وكما لو أنّها لم تلمسنا أبداً.

كانت مشاعرُ آدم مختلطة، بين ارتياح وقلق، إنّ رؤية آدم الصغير بدون الكنزة الخضراء كما لو أنّه بلا جلد. بلع ريقه، إذ شَعر بغصّةٍ تخنقه، فإنّ الذكرى وراء هذه الكنزة ليست شيئاً يسيراً. كانت تلك الكنزة أوّل ما ارتداه في أوّل يوم دراسيّ له، يوم تمنّى فيه أن يكون “مثلهم”، مثل باقي الأطفال الذين تشتري لهم أمّهاتهم ملابس نظيفة، ويربّتُ آباؤهم على ظهورهم. لكنّه خرج من البيت مُثقلاً بالكنزة القديمة نفسها، التي مرّت على مواسم عدّة، وتشقّقت أكمامها من الغسيل المتكرّر، وإن كان قليلاً، حتى تغيّر لونها من الأخضر النضر إلى الأخضر الباهت المُهمل.

لطالما أخبرته أمّه أن لا داعي لتغييرها، فـ”الثياب لا تصنع الإنسان”، ثمّ تتبعها بجملة أخرى:

– وما دمت لا تجلب لنا الفخر، فلا فائدة من أن تبدو جميلاً.

كأنّها كانت تقول له: “أنت لا تستحقّ الجديد، لأنّك لست جديداً في شيء.”

كانت الكنزة شاهدة على كلّ صفعة تلقّاها، وكل مرّة جُرّ فيها إلى ركن العقاب، وكلّ ليلة نام فيها دون عشاء. حتى إنّها كانت السبب الأوّل لسخريتهم منه في المدرسة، إذ صار لقبه “الكنزة المتكلّمة”، لأنّ رائحتها تسبق حضوره، وتلتصق به حتى في غيابه. لهذا، حين خلع الطفل الكنزة، شعر آدم أنّ شيئاً أكبر من القماش قد سقط. سقط القيد. سقط الذنب. سقط الشعور بأنّه لا يستحقّ.

لكن ذلك السقوط لم يمرّ دون رجفة، لأنّ ما نحمله معنا طويلاً، حتى وإن كان يؤلمنا، يصبح جزءاً منّا، ويكون التخلّي عنه شبيهاً بخلع جلدٍ تعوّدناه.

جاءَ صوت الطفل متسائلاً وهو ينظرُ لآدم بعينين بريئتين:

– أعلم بم تفكّر يا آدم.. ما الذي كان ينقصنا حتّى لم يتقبّلنا والدانا كما نحن.

كان الصمت إجابة آدم، لكنّ الطفل أكمل حديثه قائلاً:

– لقد أرادا طفلاً ذكيّاً في المدرسة، ولم تكن المدرسة الشيء الذي نبرع فيه مهما حاولنا.

تنهّد آدم وقال وهو ينظرُ لسقف الغرفة:

– لكنّنا لم نكن بدون فائدة، لقد كنت أبرعُ في الرياضة والرسم، لقد أثنى الأستاذ عليّ مرّاتٍ عديدة، لكنّ ذلك حسب قول أبي مجرّد سخافات لا فائدة منها.

أومأ الطفل برأسه، ثمّ قال:

– لقد قال ذلك كثيراً، هل تظنُ أنّك وبعد موتهم سامحتهم على ما فعلوه؟

الهدوء كان الإجابة لبضع ثوانٍ، ثمّ قال آدم وهو يثبتُ نظره على السقف:

– أبلغ من العمر الآن خمسة وعشرين عاماً، ومضى على وفاتهما ستّ سنوات، لكِنّني لم أسامح، لقد ظننتُ أنّ رحيلهما سيجعلني أتجاوز، لكنّني لم أستطع، فموتهما كان يعني أنّني لن أسمع اعتذراً صادقاً منهما.

سأل الطفل بفضول:

– وكيف تبدو الحياة في الخامسةِ والعشرين يا آدم؟ هل حصلت على وظيفة؟ وهل أكملت دراستك الجامعيّة يا تُرى؟

نظر آدم ناحية الطفل، ثمّ قال:

– لقد كرهت الدراسة بما يكفي يا فتى، لم تكن الجامعة من أولويّاتي، لكنّني أصبحت رسّاماً، لقد حصلت على الكثير من المال للوحاتي، واشتريتُ الكثير من الملابس، لم أعد أرتدي القميص أكثر من ٣ مرات، ويقول معالجي النفسي إنّ هذا تبذير، ولكنّني لا أكترث، سأرتدي الملابس التي أشاء عدد ما أشاء، ولم أعد أتناول الخبز بالزيت فقط، لقد أصبحتُ أتناول الطعام بأشهى الأصناف وقتما شئت.

ابتسم الطفل، فكرة أنّ آدم الكبير كَبر وأصبح ناجحاً، حتّى لو لم ينه دراسته الجامعيّة كانت تبعث على الراحة، وفكرة الملابس والطعام كانت أجمل! قال بفضول متسائلاً:

– ولكن لماذا تبدو حزيناً يا آدم؟ رغم كلّ الأشياء الجميلة لماذا لست سعيداً بعد؟ ظننتُ أنه ما أن يتغيّر الحال حتّى نكون سعداء.

ساد صمت قصير، كأنّ السؤال نفسه كان أقسى من كلّ الأسئلة التي سبقته. آدم لم يُجب فوراً، فقط تنفّس ببطء، كمن يفتّش داخله عن الكلمات. ثمّ قال بصوت منخفض:

– لأنّ الوجع لا يتُركنا بمجرّد أن نملك المال، والسعادة لا تأتي فقط لأنّنا بخير من الخارج، إنّها تحتاج لأن تنبعَ من الداخل أوّلاً، والطفل الذي كُنته كان لا بدّ أن يتمّ انتشاله من تحت ركام الإساءة حتّى يصبح آدم الكبير سعيداً.

مجدّداً كان الصمت سيّد الموقف، إذ لم يتحدّثا أبداً، ثمّ نظرا ناحية الندبة، كانت هناك، لم تختفِ، لكنّها بدت مختلفة، كأنّها تتوهّج لا ألماً، بل ضوءاً صغيراً، خجولاً، دافئاً.

قال الطفل وهو ينظرُ إلى الندبة في معصمه:

– لا بأس أن تبقى الندبة. أحياناً، علينا أن نحتفظ بشيء يذكّرنا بأنّنا نجونا، لا لنحزن… بل لنُحبّ أنفسنا أكثر.

كان آدم هو الآخر ينظرُ إليها، لقد كانت الندبة التذكار القاسي من الطفولة القاسية. رغم تخلّصه من الكنزة الخضراء، ومهما اشترى من ملابس جديدة، فقد كانت دائماً هناك، تذكّره بالماضي، لكنّ سماعه لكلمات الطفل بأنّ هذه الندبة تذكّرهُ بالنجاة هو شيء لم يفكّر فيه أبداً، لقد كان دائماً ما يتحاشى النظر إليها، ويغطّيها بقميصه، حتّى عند الاستحمام كان يشيح بنظره عنها، لكنّه هذه المرّة وبكلّ شجاعة نظر إليها بتمعّن، لا يتذكّر متى كانت آخر مرّة أمعن النظر بها. الذكريات التي تقبع خلف هذه الندبة ليست سهلة، لكن لا بدّ من المواجهة، أن تواجه الألم يعني أن تدخل إلى طرقات وشوارع ضيّقة ومخيفة لا تألفها، ولكنّك لا بدّ أن تمرّ بها حتّى تصل إلى وجهتك المضيئة.

أن تقابل طفلك الداخليّ في إحدى الوجهات فتواجهه بدل الهروب، أن تعترف بأنّك كنت تلبس ابتسامة لا تشبهك طوال السنوات الماضية، وبأنّك التزمت الصمت في اللحظات التي كان يجب أن تصرخ فيها، بأنّك آسف لكبته في أعماق ذاتك عندما كان يجب أن تلتقي به، وتحاولا البحث عن التشافي من الماضي المؤلم بدل الهرب من بعضكما البعض.

أدار الطفل وجهه نحو آدم، ثمّ همس بصوت صغير:

– أشكرك… لأنّك رأيتني أخيراً.

أومأ آدم، وشعر بعقدة تتفكّك في عمق صدره، كما لو أنّ حبلاً قد فُكّ عن قلبه.

مدّ يده بلطف، ووضعها على كتف الطفل، ثمّ قال:

– وأنا آسف… لأنّني تأخّرت كثيراً.

هزّ الطفل رأسه:

– لا بأس، لقد كُنت بحاجة أن تسمعني فقط يا آدم، والآن بعد أن فعلت لم أعد خائفاً، لهذا عد للوحاتك الآن، وكن الشخص الذي طالما حلمنا أن نكونه. شخصٌ طموح، وقويّ، ولا يسقط مهما حدث.

شعر آدم بأنّ العالم، رغم قسوته، صار أهدأ قليلاً. كأنّ تلك الندبة التي طالما كانت شاهدة على الألم، صارت الآن شاهدة على النجاة. ثمّ نهض الطفل، خطا نحوه، واحتضنه. كان حضناً بسيطاً، لكنّه اختصر كلّ البرد الذي عاشه، وكلّ دفءٍ كان ينتظره.

وحين انفضّ العناق، لم يختفِ الطفل، بل ظلّ هناك، في عيني آدم، في ذاكرته، ليس ككابوسٍ قديم، بل كجزءٍ شُفي، واستقرّ.. ولأوّل مرّة منذ وقتٍ طويل، خرج آدم من الغرفة، وهو لا يهرب. بل يمشي وفي داخله يدٌ صغيرة، تمسك قلبه بلطف، وترافقه إلى الضوء.

نظرت الممرّضة بدهشة، اتّسعت عيناها وكان الذهول واضحاً:

– سيّد آدم! يا إلهي!!

ابتسمت، ثمّ قالت بحماس:

– هذا رائع، رائع جدّاً.

خرج آدم من الباب، ثمّ من المبنى، من الفكرة القديمة عن نفسه. لم يكن في خطاه استعجال، بل إيقاع جديد، إذ أصبح يعرف من هو أخيراً. فأحياناً كلّ ما تحتاجُه هو لقاء مع طفلك الداخليّ.


القصة الفائزة بالمركز الثاني –

جائزة غانم غباش للقصة القصيرة 2025