علي العبدان - مريم

قصة الرجل الذي اسمُهُ مَريَم

كان مريمُ يُعاني كثيراً، لكنه لم يكن يشكو، بل لم يكن يتكلمُ إلا قليلاً، ولم يكن يبتسِمُ إلا نادراً. وإذا ابتسمَ، لم ينتبِه هو نفسُهُ إلى ابتسامتِه. وكان يشغَلُ نفسَهُ عن التفكير في مُعاناتِهِ طيلةَ النهار بالعمل، فقد كان يعملُ كاتباً في محلِّ التاجر راشد بن خَلَف في السوق الكبير، يُسجّلُ الأموالَ التي تُحصَّل من البيع، وتلك التي تُصرَفُ للشراءِ بالجُملة، ويُحصي ذلك كلهُ في آخِر النهار، ثم يُسلِّمُهُ للسيّد راشد، الذي لم يكن يبخلُ عليه بالمكافأة، وذلك لأن مريمَ كان يُحسِنُ القراءةَ والكتابة، ولم يكن كثيرون يُحسِنون القراءةَ والكتابة في الستينيات، فتَشَبَّثَ بهِ التاجر، وقَدَّرَ مهاراتِه، وأجزلَ لهُ المُقابِل. لكنّ مريمَ لم يكن يهتمُّ بالمكافأة، إلا بالقدر الذي تُلبّي بهِ احتياجاتِ عائلتِه، فقد كان ما يُهِمُّهُ في العمل أكثرَ من ذلك أنه يُساعدُهُ في قضاءِ الوقتِ مُتجنِّباً كثرةَ التفكير في حالتِه. لقد ماتَ أبوهُ، وترَكهُ مسؤولاً عن أُمِّه، وعن أخواتِهِ اللائي لم تتزوّج واحدةٌ منهنّ بعد، لأن أحداً لا يريدُ الزواجَ من فتاةٍ لها أخٌ سُمِّيَ باسْمِ أنثى. وفي البيت، كانت أُمُّهُ وأخواتُهُ مُجبَراتٍ على أن يُنادِينَهُ بما سُمّي، لأن الأمرَ جرى هكذا، منذ أن كان صغيرَ السِنّ. وفي أحد الأيام ناشدتهُ أُمُّهُ أن يذهبَ إلى قاضي المدينة، كي يُغيِّرَ اسمَهُ إلى اسم رجل، ويُشهِدَ الناسَ على ذلك، حتى تتغيَّرَ الحال، حالُ مريم، وحالُ العائلةِ كذلك، فقال مريم:

– إن شاء الله.

لكنهُ لم يَسْعَ إلى ذلك أبداً، وكان يقولُ لنفسِهِ:

– ما الفائدة؟ تغييرُ الاسمِ لن يُغيِّرَ من الواقع شيئاً، وحتى لو غيّرتُ اسْمي؛ سيعودُ بعضُهم ليقول: هذا الذي كان اسمُهُ مريم.

وبقيَ مريمُ هكذا، يشغَلُ نفسَهُ عن التفكير في حالِهِ طيلةَ النهار بالعمل، ولكن حين يأتي المساء تنبعِثُ مُعاناتُه. كان يأوي إلى الفِراشِ ما إنْ يحِلَّ الظلام، ولا يتأخّر عن ذلك، لأنه لا يتمكن من النوم قبلَ أن يُجهِدَ نفسَه ساعاتٍ بتذكر قائمةٍ طويلةٍ من الناس الذين كانوا يُنادونه باسْمِه، ولكنْ بطريقةٍ مُقلِقةٍ ومُزعِجة، وأحياناً قاسية. إنه لن ينسى أبداً ذلك الشيخَ الذي يُسمّونه “المطوّع”، أو مُعلِّمَ الأولاد، والذي أُخِذَ مريمُ إليه كي يتعلمَ القراءةَ لديه، إذ حين سمِعَ المُعلِّمُ اسمَهُ لأولِ مرةٍ صاحَ في وجهِهِ بتعجُّبٍ أمامَ التلاميذ:

– هاه؟ اسْمُك مريم؟!

كان مريمُ وهو يقتربُ من خيمةِ المُعلِّم يستمعُ إلى أصواتِ التلاميذِ والتلميذاتِ في الخيمة. كانوا يُرَدِّدون كلاماً واحداً بنفَسٍ واحد، بطريقةٍ تُذكِّرُهُ بطنين الذباب حين يجتمعُ على شيءٍ ما، وكانت قراءتُهم بهذا الشكل أمراً عجيباً بالنسبةِ له، بالقدر الذي كانت تسميتهُ – وهو الذكرُ – بِاسْمِ أنثى أمراً عجيباً بالنسبةِ لهذا المُعلِّمِ “المطوّع”. لم يَصحبهُ أحدٌ من عائلتهِ إلى خيمةِ المُعلِّم في اليوم الأول، بل دفعوهُ للذهابِ مع أحدِ جيرانِهم، كي لا يُضطَرَّ أحدُهُم إلى ذِكرِ اسْمِه أمام المُعلِّم والتلاميذ، وأوَّلُهُم أبوهُ الذي سمّاهُ بهذا الاسم. وحين رأى مريمُ نفسَهُ بين تعجبِ المُعلِّم، ونظراتِ التلاميذ والتلميذات، الذين لم يكن فيهم أحدٌ يبتسِم؛ انكفأَ على نفسِه، ولَزِمَ الصمتَ، وبحثَ عمّا يشغلُه، فعلَّقَ ناظِرَيْهِ بصفحةِ الدفترِ الذي أمامَه، كي لا ينظرَ إلى مَن حَولَه، فيتأثَّر. وبهذا تعلَّمَ باكِراً كيف يعيشُ عُزلةً بين الناس، وأكَبَّ على تعلم القراءةِ والكتابة، ومبادئ الحساب، يشغلُ بذلك نفسَه. وبعدَ مُدَّةٍ، تعوَّدَ جميعُ مَن في خيمةِ التعليم تلك على اسْمِه، وأصبحوا يُنادونهُ بهِ دون أيّةِ انفعالات. حصلَ ذلك بعدَ أن ضَرَبَ مريمُ أحدَ الصِبْيانِ ضربةً كادت أن تكون قاتلة. كان ذلك الصبيُّ قد نادى مريمَ مُستهزِئاً باسْمِه، فثارت ثائرةُ مريم، بعدَ أن حافظَ على حِلمِهِ مدةً من الوقت. هذه الحادثة استدعت حضورَ أبيهِ إلى خيمةِ المُعلِّم، والتفاهمَ معه، ومع أبِ الصبيّ المضروب، فانتهى الأمرُ بسلام. وقد اقترحَ الشيخُ المُعلِّمُ على أبي مَريم أن يُغيِّرَ اسْمَ ابنِه، لكنّ الأبَ لم يَعِدْهُ بشيء، وغادرَهم مُصطحِباً مريم، وهو يحملُ نظراتِ العِتابِ والإنكارِ ممّن حضروا الواقعة. كان مريمُ قد شعرَ بالانتصار بعدَ أن ضربَ ذلك الصبيَّ أمامَ الجميع، كما أنهُ قدَّرَ موقفَ التلميذاتِ اللاتي لم تُعجبُهُنّ مُضايقةُ مريمَ باسْمِه، وأُعجِبنَ بعدَ ذلك بثورتِه، لكنهُ كان يعلمُ في قرارةِ نفسِهِ أنهُ لا يُمكنُه التصرُّفُ بهذا العنفِ دائماً. ولا يكادُ مريمُ ينتهي من ذكرى هذه الحادثة حتى تخطر في بالِهِ حوادثُ أخرى مع آخَرين، حادثةٌ بعدَ حادثة، كان اسمُهُ في كلٍّ منها سبباً في تحميلِ نفسِهِ الكثيرَ مما يظن أنه لا يستطيع احتِمالَه، فيَدورُ بها تفكيرُهُ في رأسِهِ حتى يغشاهُ النوم، وهكذا كلَّ ليلة.

وكان مريمُ يصحو باكِراً، فيتناولُ إفطارَهُ بهدوء، ثم يذهبُ إلى عملِه، ويشغلُ نفسَهُ بالعمل طيلةَ النهار كي ينشغِلَ عن أفكارِه، وكان يعملُ بصمتٍ في مكتبٍ داخليٍّ من المَحلّ، فلم يكن يسمعُ اسمَهُ في غالبِ الوقت، لأن أحداً لم يكن يُناديهِ إلا نادراً، حتى صاحبُ المحل، التاجر راشد بن خلف، لم يكن يُناديهِ إلا إذا احتاجَ إليه، ولم يكن يسمحُ لبقيةِ العاملين أو لأحدٍ من الزبائن بالإكثار من الحديث مع مريم، منعاً لأيِّ إحراج. ولهذا كان مريمُ يشعرُ بالطمأنينةِ في جوار التاجر، فقد كان يعُدُّهُ أباً بعدَ أبيهِ الميِّت، وكان التاجرُ قد ظنَّ مرّةً أن بإمكانِهِ مساعدةَ مريم، فقالَ مُحاوِلاً التخفيفَ عنه:

– ألم تسمع بالشاعر ابن شَمّا؟

– بلى، لكن شَمّا ليس اسمَ الشاعر، بل اسمُ أمهِ، وهذا لا بأسَ به، لا كما هي حالي، فمَريمُ اسْمي، وليس اسْمَ أمّي. ثم إن ابنَ شَمّا شاعرٌ معروف، ولهُ قدْرُهُ عند الناس، مهما يكن، لن يُسيءَ إليه أحد. أما أنا فمِن عامّةِ الناس، وهمّي ليس كهَمِّ الشاعر. الشاعرُ ينتهي همُّهُ حين ينتهي من قصيدتِه.

ثم نهضَ مريمُ، وقال:

– هذا إذا كان لدى الشاعر همٌّ أصلاً.

– ما هَمُّكَ إذن يا بُنيَّ؟ إنهُ اسْمُك. اذهبْ إلى قاضي البلدة، واطلبْ تغييرَ اسْمِك.

نظرَ مريمُ إلى التاجر بأدب، وقال:

– أرجوكَ يا أَبَتِ، أنا أحتاجُ إلى نفسي.

لم يفهم التاجرُ قولَ مريم، لكنه لم يَعُد بعدَ ذلك إلى إلى مُواساتِهِ، بل تركه على سَجيِّتِه، كي يظلَّ في مزاجٍ حَسَن، فقد كان بحاجةٍ إلى مهاراتِهِ في الكتابةِ، والتسجيل، والإحصاء. وكان مريمُ في المُقابِل بحاجةٍ إلى الانزواءِ في طرَفِ المَحلّ كي يعملَ في هدوء، خاصةً بعدَ مواقفَ مُحرِجةٍ حصلت له في البدايات حِينَ علِمَ بعضُ الزبائن باسْمِه. لكنّ الحوادثَ بعدُ لم تكن متشابهة، فبعضُها كان خطيراً. إن كثيرينَ ما زالوا يتذكرون ذلك اليومَ الذي جاءَ فيه أحدُ الوُجهاءِ إلى المَحلّ لِشراءِ كميّةٍ من السِلَع، ولمّا كان هذا الوجيهُ ثَريّاً معروفاً، أجلسَهُ راشد بن خَلَف بنفسِهِ على كُرسيٍّ بحِذاءِ مدخل المَحلّ، وطلبَ لهُ كأساً من الشاي من مقهىً قريب، وأمرَ العُمّالَ بتجميع السِلَع التي طلبها الرجل. ودون تفكيرٍ نادى التاجرُ مريمَ الذي كان في الداخلِ كي يأتيَ ويُحصيَ السِلَع، ثم يَحسبَ ثمنَها، وحين سمِعَ الوجيهُ اسمَ مريم أبدى تعجُّبَه، وسألَ راشدَ بن خَلَف مُبتسِماً وهو يضعُ رِجْلاً على رِجْل:

– أفتاةٌ تعملُ لديك؟

– كلّا.

– إذن مَن مريم؟ لعلّهُ هذا الصبيّ الذي يعملُ لديك؟ لقد أخبرني ابنُ عمير أن لديك صبيّاً باسْم امرأة!

وابتسمَ الوجيه، ثم أضافَ قائلاً:

– ولعلّهُ جميلُ المُحيّا أيضاً!

وقهقهَ الوجيهُ ضاحِكاً، لكنه لم يُكمل ضَحِكَه، إذ رأى مريمَ قائماً على دكّةِ المَحلّ، وهو ينظرُ إليه بتجَهُّم، وقد جمعَ قبضةَ يَدِهِ بقوّة، فلم تُعجِب الوجيهَ هذه النظرة، وقال دون أن يُوجِّهَ كلامَه لِأحدٍ بِعيْنِه:

– الرجالُ المُحترَمون النبلاء، بل حتى النساءُ العاقلات؛ لا يُسمّون أبناءَهم بأسماء النساء، لا يفعلُ ذلك إلا الوُضَعاء.

نظرَ مريمُ في عيْنَي الوجيه، وقال له بهدوء:

– أتعني أن أبي كان وضيعاً؟

لم يردَّ الوجيه، وأشاحَ بوجهِه وهو يبتسِمُ بسُخرية، فأغاظت الابتسامةُ مريم. وكان راشد بن خَلَف قد توتّرت أعصابُه، ولا يعرفُ كيف يتصرّف. لكنّ مريمَ لم يكن ينتظر من أحدٍ أن يتصرّف، إذ ما لَبِثَ أن وضعَ الدفترَ والقلَمَ اللذَيْن كانا يَحمِلُهما على الأرض بهدوء، ثم انتزَعَ كأسَ الشاي من يَدِ الوجيه، ورَشَّهُ بهِ فجأةً في وجهِه، وعلى ثيابِه. ثم وضعَ الكأسَ جانباً، وقصَدَ إلى الرجل مرةً أخرى، فأمسكَ بمُقدِّمةِ ثوبهِ التي هَلْهَلَها الشاي، ومَزّقها بقوّةٍ وعنف، وكادَ أن يُمزِّقَ بقيّةَ الثوب، فخافَ الوجيهُ المذهولُ على نفسِه، وتراجعَ وهو يكادُ أن يسقطَ من التعثُّر. غضِبَ راشد بن خلَف غضباً شديداً، واعتذرَ من السيّدِ الوجيه، وبالَغَ في ذلك، حتى قَبِلَ الرجلُ الاعتذارَ على مَضَض، ونفضَ ثيابَهُ كي يُغادِرَ المكان، ثم عادَ راشد بن خَلَف إلى مريم كي يُحاسبَه على ما فعل، لكنه كان قد اختفى من المكان.

2

مضى وقتٌ ثقيلٌ على نفسِ مَريم منذ أن تركَ العملَ وجلسَ في البيت، خاصةً بعدَ أن رأى أُمَّهُ تُخرِجُ آلة الخياطةِ القديمة، التي لم تستعملها منذ مدة، وتَشْرَعُ في تنظيفِها، ربما لأجل أن تعملَ عليها، وتكسبَ قُوتاً، فتجمّعت الهمومُ والأفكارُ السُودُ في نفسِ مريم. وفي الليلةِ الثالثةِ بعدَ حادثةِ المَحلّ، كان مريمُ نائماً نوماً عميقاً، فرأى في المَنامِ بَدراً مُنيراً يبتسِمُ له، وكان لهذا البَدرِ وجنتان حَمْراوان. ثم أعطاهُ البدرُ شيئاً في يَدِه، وكان مريمُ مُندهِشاً في الرؤيا. وحين استيقظَ في أوّلِ الصباح لم يَنهضْ من فراشِه، إذ أخذهُ تفكيرُهُ في تلك الرؤيا، وفي الشيء الذي وضعَهُ البَدرُ في يَدِه، ونظَرَ إلى يَدِهِ وهو ما زالَ يشعرُ بأنّ فيها ما أعطاهُ البَدرُ في المَنام. وفي ضُحى هذا الصباح أيضاً، جاءَ مَن يطرقُ بابَ بيتِه، وكان الطارقُ أحدَ عُمّال التاجر راشد بن خَلَف، جاءَ ليُبلِغَهُ بأن السيّدَ يقولُ له إنهُ قد سامحَه على فِعلتِه، وأن بإمكانِهِ أن يعودَ إلى عملِهِ إن كان يرغبُ في ذلك. فكّرَ مريمُ قليلاً، ثم قال للعامل:

– قُل للعَم راشد إنني أحتاجُ إلى نفسي بعضَ الوقت، ثم سآتي إليه.

لقد كان العملُ لدى التاجر راشد بن خَلَف مناسباً لحالته، وكان أفضلَ عملٍ أمكنَهُ الحصولُ عليه في هذه المدينة التي لا يتركُ الناسُ فيها ما لا يَعنيهم. إن راشد بن خلف يفهمهُ، ويُقدِّرُ جُهدَهُ وعملَهُ في المحلّ، لكنّ مريمَ كان متأكداً من أنهُ حتى لو عادَ للعمل في المحلّ، فإن ظهورَ المشاكل بسبب اسْمِهِ كان أمراً مُحتَملاً، فهو لن يملِكَ أعصابَه، وإذا سامحهُ التاجرُ مرةً، فقد لا يُسامِحُهُ أخرى. ولم يَرَ مريمُ جديداً في أُفُقِ حياتِه، وكان يخشى المزيدَ من الهموم ومخاطِرِ الحياة، حتى جاءَ ذلك اليومُ الذي وصلت فيهِ امرأةٌ غريبةٌ إلى الحَيّ، وأصبحت جارةً لعائلةِ مريم بعدَ أن استأجرت المنزلَ المُقابِل، وجاء معها أخوها وأُختُها اللذانِ يَصغُرانِها بسنوات. وعلِمَ أهلُ الحَيِّ كافّةً بعدَ نصفِ نهارٍ أن هؤلاءِ الجيرانَ الجُددَ قَدِموا من البحرين. وفيما اهتمَّت الجِيرةُ بهم؛ لم يُلْقِ مريمُ لهم بالاً، إلا في اليوم الذي أعدَّت فيهِ أُمُّهُ عصيدةَ يَقطين، التي يُسمّونها عصيدةَ “بوبر”، وطلبت منه أن يأخذَ شيئاً منها إلى الجيران الجُدد، فقال مُتمَلِّلاً:

– ولِمَ لا تُرسلينَ إحدى أخواتي إليهم بالطبق؟ المسافةُ قريبة.

– لا.. لديهم أخٌ في مثلِ سِنِّك.

حملَ مريمُ الطبَقَ الدافئَ بين يَديْه، وتوجَّهَ إلى المنزِلِ المقابل، ووقفَ أمامَ الباب، وأخذ يطرقُ عليه بهدوء. حِينَ فُتِحَ البابُ رأى امرأةً في العقدِ الرابع من عمرها تقريباً، مستديرةَ الوجه، ممتلئةَ الجسم، ترتدي ثوباً أصفرَ فاقعَ اللون، عليه خيوطٌ ذهبيّة، ازدادت لَمعاناً في ضوءِ النهار، وعلى رأسِها خِمارٌ زَهْريُّ اللون، لا يُغطّي من رأسِها إلا بقدرِ ما يُظهِر، واختلطت رائحةُ عطرِها برائحةِ علكة الموز التي كانت تظهرُ بين أسنانها وهي تبتسِمُ له ابتسامةً عريضة، شعرَ معها بالإحراج والخجل. وسَمِعَ صوتَ أغنيةٍ كويتيّةٍ معروفة، يتردّدُ من مذياعٍ في داخل البيت.

– مرحبا، حيّاك الله!

– أنا… أنا من البيت المقابل، نحن جيرانكم، وهذه عصيدةٌ هديّةٌ من أُمّي.

– أوه، نحن محظوظون إذن بجِيرتِكم! تفضل عندنا على فنجان شاي.

– لا لا، شكراً.. أريد أن أعودَ إلى البيت.

– طيّب، لدينا “شَرْبَت” بارد، ما رأيك؟

قالت ذلك بتلك الابتسامةِ العريضة، وبطريقةٍ دفعت مريمَ إلى الابتسامِ رَغماً عنه، فبادرتهُ بقولِها:

– تفضل إلى الداخل.

كانت البيوتُ في الستينيّات مختلفة. كانت الغُرفُ والمَرافِقُ تُحيط بالفِناء، وفي وسط الفِناء تُزرعُ بعضُ الأشجار المحليّة، مثل اللوز، واللومي، والفرصاد، والسِدر. وقفَ مريمُ في ظِلِّ لوزةٍ كبيرةٍ في وسط الفِناء، وأخذ ينظرُ متأمِّلاً إلى أوراقِها مُتعدِّدةِ الألوان؛ الخضراء القاتمة، والخضراء المُصفرَّة، والحمراء شبهِ المُصفَرَّة، والحمراء الخالِصة، والأُرجوانيّة، ولم ينتبه إلا حِين عادت المرأةُ بكأسِ “الشَرْبَت” البارد. ولاحظ مريمُ أنها عادت مُصطحِبةً أخاها وأختَها كذلك، وقالت وهي تناوِلُهُ الكأس:

– هذا أخي أحمد، وهذه أختي عفاف.

تبادلَ مريمُ التحيّةَ معهما وهو مُحرَج، وأرادَ أن يشربَ الكأسَ وينصرفَ بسرعة، لكنّها قالت له:

– لم تُخبِرْنا باسْمِك!

تردّدَ مريمُ قليلاً، ثم قالَ جادّاً، وقد كادَ وجهُهُ أن يتجهَّم:

– اسْمي مريم.

ولدهشتِهِ الكبيرة رآها تمدّ يَدَها إليه قائلةً:

– يا لَلصُدَف، أنا أيضاً اسْمي مريم، عاشت الأسامي!

وهَزّت يَدَها طلباً للمُصافحة، ولم يجد مريمُ الذي عادَ للابتسامِ في حَيْرةٍ سِوى أن يمدّ يَدَهُ نحوَها، فشدّت عليها مُبتسِمةً، وفي هذه الأثناء سقطت ثمرةُ لوزٍ ناضجةٌ من الشجرة، فالتقطتها مريمُ، ووضعتها في يَدِ مريم، وقالت له:

– هذه من نصيبِك يا “السِميّ”[1]، وأبلِغْ سلامي إلى أُمِّك.

خرجَ مريمُ إلى السِكّةِ بين البيتيْن، وتوقفَ متفكِّراً في الذي جرى له، وكان قلبُهُ يخفِقُ أكثرَ من العادة. إنها المرّةُ الأولى التي يُصافِحُ فيها امرأةً من غير أهلِه، ويبتسِمُ لها. وهي المرةُ الأولى أيضاً التي يذكرُ فيها اسمَه لأحدٍ، ولا يُصادفُ إحراجاً. وقضى بقيّة يومِه، وهو يُفكرُ في مريم، في هيئتِها، في ابتسامتِها العريضة، في كلامِها وتصرّفاتِها. ثم ظنَّ أنهُ يُفكرُ في رُوحِها. إنه لم يكن مُعجَباً بها من بابِ الحب، بل لشيءٍ لم يكن قادراً على تحديدِه. إنه لم يَرَ امرأةً من قبلُ مثلَها، تبتسِمُ في ثِقةٍ غيرَ مُبالِية. وحين أوى إلى فِراشِه، قضى ليلةً كانت الأولى التي لم يُفكِّر فيها بالهموم والمشاكل التي أثارَها اسمُه طيلةَ حياتِه، إذ شُغِلَ ذِهنُهُ بطريقةِ الحياةِ التي تحياها جارتُهُ مريم، وابتسامتِها العريضة، ورائحةِ عطرِها، ومشروب “الشربت” اللذيذ، الذي لابد أنها أعدّتهُ بنفسِها، لأنه كان يُشبِهُها في رأيِه، وكان يرجو أن يَراها في المَنام. وكان آخِرُ ما كان يتخيّلُهُ قبلَ أن يغرقَ في النوم ألواناً مُبهِجةً، وروائِحَ ذكيّةً، وابتساماتٍ كانت تدورُ حولَه.

في الصباح، فُوجِئت أمُّ مريمَ بابْنِها يُقبِلُ من حجرتِهِ مبتسِماً، ويُقبِّلُها على رأسِها، ثم يُحيِّيها بتحيّةِ الصباح، هي وإحدى أخواتِهِ التي كانت تجلسُ إلى جانبها في فناء المنزل، وقد عَجِبتا لذلك. وكان قد ارتدى ثيابَ الخروج، فسألته:

– إلى أين؟

أجابَها، وهو ينظرُ إلى آلةِ الخياطةِ القديمةِ القابِعةِ في ظِلِّ الجدار:

– سأذهبُ للعمل، لقد أرسلَ العم راشد إليَّ يطلبُ عودتي للعمل لديه في المحلّ.

– الحمدُ لله يا بُنيّ، وجزاهُ اللهُ خيراً، وشكراً لأنك قرّرتَ أن تعودَ للعمل، لقد حملتَ عنّي هَمّاً.

وخرجَ مريم، لكنّه لم يتجاوز السِكّةَ بين البيتيْن، إذ رأى مريمَ تخرجُ من بيتِها أيضاً، ولمّا رأتهُ ابتسمت، وتركت بابَ البيتِ مفتوحاً، وقالت:

–  صباح الخير مريم. أحمد جالسٌ في الفناء، ولديه شاي، اذهب واجلسْ معه.

ولم تنتظر منه ردّاً على كلامِها، بل أصلحت من شأنِ عباءَتِها وهي تسير، ثم اختفت في الطريق بين البيوت، وإن بقيت بقيّةٌ من رائحةِ عطرِها وبَخورِها في السِكّة. قال مريمُ في نفسِه: يا لَها من امرأةٍ ليست كمَن أعرفُ من النساء! واقتربَ من مدخل البيت، وأطلَّ برأسِهِ إلى الداخل، فإذا به يسمع أحمدَ يُناديه، فلمّا رآهُ قصَدَ إليه، وجلسَ معه. وناولَهُ أحمدُ فنجاناً من الشاي الذي استوى ببطءٍ على الجَمْر. وخلالَ حديثٍ قصير، علِمَ مريمُ أن جيرانَهم الجُددَ قد جاءوا من البحرين لتحصيل إرثِ أبيهِم، وأنهم سينتقلون إلى بيتِ أبيهم حالَما تنتهي إجراءاتُ المحكمة. ودون مناسبةٍ قال أحمد إنه وأختَهُ عفافاً يعتمدان على أختِهما الكبيرة مريم، ويُقدِّرانها تقديراً كبيراً، فقد عانت مُعاناةً عظيمة، وتحمّلت ذلك في سبيلهما حين كانا صغيريْن، وعلّمتهما منذ وقتٍ مبكِّرٍ أن الدنيا ليست سِوى حياةٍ ينبغي احتمالُها، كما ينبغي أن تُعاشَ بذكاءٍ قدرَ الإمكان، وأنه لا توجد حلولٌ أخرى. كان مريمُ يُفكِّرُ في كلام أحمد، ثم قالَ له:

– لم أرَكم استغربتُم أمس حين أخبرتكم باسْمي! هذه أولُ مرةٍ يسمعُ فيها أحدُهم اسْمي، ولا يستغرب!

– ولِمَ نستغرب؟

– لأن اسْمي اسْمُ أنثى.

– عادي، إنهم في بلادِ الشام يُطلقون اسمَ “بَراء” على المرأةِ والرجل، وفي مصر يطلقون اسمَ “رِضا” على المرأةِ والرجل أيضاً.

– كيف عرفتَ هذا؟

– من المجلات، من المذياع، من التلفزيون.

– عندكم تلفزيون؟!

– كان عندنا في البحرين، أما هنا فليسَ بعد.

ثم استدركَ مريمُ، فقالَ لأحمد:

– لكنّ الناسَ هنا لا يُطلِقون أسماءَ مشترَكةً على البنين والبنات.

– نعم، صحيح.

رَشَفَ مريمُ رشفةً من الشاي، ثم أخذ ينظرُ إلى أوراق اللوزةِ المُلَوَّنة، فقال له أحمد:

– أتُريدُ الصراحةَ يا مريم؟ في الحقيقةِ، جميعُنا استغربَ الأمر، وأنت لم تلحظ استغرابي أنا وعفاف، لأنك كنتَ مشغولاً بالحديث مع مريم.

نظرَ مريمُ إلى أحمدَ مَليّاً، ثم قال:

– لكنّها، هِيَ؛ لم يبدُ عليها أنها..

– بلى، لقد استغربَت أيضاً، لكنها تعرفُ كيفَ تُخفي مشاعرَها، وتتصرّفُ ببديهةٍ نادرة.

– طيّب، ولكن كيف عرفتَ أنها استغربت اسْمي؟

– لأنه كما قلتَ أنت قبلَ قليل؛ الناسُ هنا لا يُطلِقون أسماءَ مشترَكةً على البنين والبنات، ولهذا فمن الطبيعيّ أن يستغربَ مَن يسمعُ اسمَ فتاةٍ يُطلَقُ على شابّ، وإذا أردتَ الصراحة أكثر، فسأقولُ لك إنه بعدَ عودتِك إلى بيتِكم، جلست أختي مريمُ معنا، وأبدَت لنا تعجُّبَها من تسميتِك بهذا الاسم، كما أبدَت تعجُّبَها من شخصيّتِك.

– شخصيّتي؟!

– نعم، فقد قالت إنه بالرَغم من اسْمِك النِسْويّ، أنت تتصرّفُ وكأنَّ الأمرَ لا يَعنيك.

– لا يَعنيني؟!

– نعم!

– كلا، بل يَعنيني، لقد..

لم يُكمل مريمُ كلامَه، وآثَرَ الصمتَ والتفكير. فتركه أحمد يُفكرُ قليلاً، ثم قالَ له:

– أخبرني، إن لم يكن في الأمر مُضايقةٌ لك، لِمَ سُمّيتَ بهذا الاسم؟

– حسنٌ، سأخبرك. كان أبي لا يُولَدُ لهُ إلا إناث، هُنّ شقيقاتي، وكان الناسُ، خاصةً الرجالَ، يَعيبونَ عليه ذلك، مرّةً بعدَ أخرى، وأكثرُ ما كان يُؤذيه أن بعضَهم كان يُعزّيه في ذلك، ويقولون له إن عليه أنْ لا يفقدَ الأمل في مجيءِ ابنٍ ذكر. لكنّ هذا الأملَ لم يكن يأتي، وازدادَ منهم الهَمْزُ واللمْزُ في حقِّه. وبعدَ أن جاءت أختي الخامسة لم يعُد يحتمِل، وأقسمَ أمامَهم في يومٍ من الأيام وقد أغضبَهُ أحدُهم، أنهُ إذا رُزِقَ بذَكرٍ فسيُسمّيه مريم، ربما تحدّياً للقَدَر، لا أدري. وهكذا كان، فحِينَ جِئتُ أنا للدنيا سَمّاني مريمَ، بَرّاً بِقَسَمِه، ولكي يُريَ أصحابَهُ أنه صاحبُ إرادةٍ، لا يجرؤُ غيرُهُ على امتلاكِها، وقد أشهَدَ الناسَ على ذلك.

سكتَ مريمُ هُنيْهةً، ثم أكملَ يقول:

– علمتُ بهذا كلهِ بعدَ أن ناهزتُ البلوغ. أخبرتني أُمّي بذلك، ولم أشأ أن أُناقِشَ أبي في هذا، خاصةً بعدَ أن شعرتُ بأنهُ نَدِمَ على ما فعل. وبعدَ موتِهِ حفظتُ لهُ عهدَه، ولم أسعَ إلى تغيير اسْمي، وأيضاً لأن كثيرين من أهل البلدة أمْسَوْا يعرفونني بهذا الاسم، فلا فائدةَ من تغييره، بل لعلّ تغييرَهُ سيكونُ أسوأ.

– يظهرُ أن الاسمَ قد جَلَبَ لك العديدَ من المشاكل.

– أوه، هذا صحيح، حتى إنني خسرتُ عَمَلي مؤخَّراً، وعرّضتُ أمّي وأخواتي للحاجة.

– وماذا ستفعل الآن؟

3

استيقظ مريمُ من نومٍ عميق، وجلسَ على فراشِهِ بهدوء. كان قد مضى أسبوعٌ منذ أن ترك العمل، ولم يذهب بعدُ إلى التاجر راشد بن خلف، ومع ذلك لم يحملْ هَمّاً، أو لم يعد يحمِلُ هَمّاً بالأحرى. لقد كان مشغولاً بأمرٍ آخَرَ يقومُ بهِ سِرّاً في الأيام الأخيرة، إذ كان يُقلِّدُ جارَتَهم مريمَ كلّما خَلا بنفسِهِ في البيت، فقد وجدَ في ذلك التقليد ما لَم يَجدهُ من قبل، وَجَدَ نفسَه. لقد كان يتوقُ إلى الانعتاقِ من حالِه، ووجدَ في تقمُّصِ شخصيّةِ مريمَ انعتاقاً. كان ينظرُ إلى المِرآةِ بين الفَيْنةِ والأخرى، ويُحاولُ أن يبتسِمَ ابتسامةً عريضةً مثلَ ابتسامتِها. لقد اكتشفَ أن ذلك ليس أمراً سهلاً بالنسبةِ له، هو الذي لم يبتسِم في حياتِهِ إلا قليلاً. ثم ماذا أيضاً؟ آه، نعم، العِطر، والملابس الزاهية. لعلّهُ يشتري ثوباً جديداً، وزجاجةَ عطر، هذا أمرٌ سيجعلهُ أفضلَ حالاً بلا شك. وماذا عن علكةِ الموز؟ فكّرَ مريمُ قليلاً، ثم ابتسمَ قائلاً في نفسِه: لا لا، هذه مرحلةٌ متقدِّمة. وبالرَغم من أن تقليدَهُ لجارتِهم مريمَ كان يُشعِرُهُ بنوعٍ من التسليةِ والارتياح، إلا أنه كان يعرفُ في قرارةِ نفسِهِ أنهُ يُقلِّدُها في الظاهر فقط، وأن الأهمَّ من ذلك أن يعلمَ ما الذي يجعلُها قويّةً وغيرَ مُباليةٍ في داخِلِ نفسِها. واستحضَرَ في ذهنِهِ ما ذكرَهُ أخوها أحمدُ من قولِها: إن الدنيا ليست سِوى حياةٍ ينبغي احتمالُها، كما ينبغي أن تُعاشَ بذكاءٍ قدرَ الإمكان، وأنه لا توجد حلولٌ أخرى. فعلاً – قال مريمُ في نفسِه – إن مَن لا يُريدُ أن يحتمِلَ الحياةَ فَلْينتحِر، أو لِيَمرَض، ومَن أرادَ الحياةَ فلابدّ أن يعيشَها بذكاء، وإلا سيُعاني. وفجأةً انتبهَ مريمُ إلى أمرٍ ما، فقالَ في نفسِه: آه، إنها طريقةُ الحياةِ إذن، إنها الطريقةُ التي اختارَت مريمُ أن تعيشَ بها، لقد اختارت أن تعيشَ بطريقةٍ غيرِ مُبالية، بطريقةٍ ذكيّة، وعليَّ أن أختارَ الآن. وتخيّلَ مريمُ مَن يقولُ له إن هذا الاختيارَ عاديّ، فكلُّ الناس يختارون طُرُقَهم في الحياة، ما الجديد؟ لكنّه ردَّ على ذلك بأنّ فاقِدَ النفسِ لا يكتشِفُ الطريقةَ إلا متأخِّراً، ومع ذلك، هو الآن مستعِد. ارتدى مريمُ ثيابَ الخروج، عازماً على الذهابِ إلى المحل، والاعتذار من راشد بن خلف، واقتربَ من المِرآةِ القديمةِ المُعلَّقةِ على الحائط، ونظَرَ إلى نفسِه، وابتسمَ ابتسامةً عريضةً مُتكلَّفة، ولم يحتمل صورتَهُ بهذه الهيئة، فانفجرَ ضاحِكاً، حتى آلَمَتهُ ضحكتُه. ثم عادَ ليبتسِمَ ابتسامةً على طبيعتِه، فرأى وجهاً لم يعرفهُ من قبل، وجهاً يُمكنُهُ احتمالُ الحياة.

حين خرجَ مريمُ إلى السِكّةِ بين البيتيْن، توقفَ قليلاً، وألقى نظرةً على بيتِ جيرانِه، فرأى البابَ مُوارَباً، وتوقعَ أن تخرجَ مريمُ إلى حاجتِها، كما حصلَ في المرةِ السابقة. وحامت عليهِ خيالاتٌ من الألوان المُبهِجة، والروائِح العطِرة، والابتساماتِ العريضة، لكنّ أحداً لم يخرج من البيت. حدّثتهُ نفسُهُ بالاقتراب من الباب، والإطلال على الداخل، لعلهُ يرى أحمدَ، فيُبادِلُهُ تحيّةَ الصباح، ولكنّه حين أطلَّ على الفِناءِ لم يَرَ أحداً، فدخلَ إلى الداخل، ووقفَ قائماً بالقربِ من شجرةِ اللوز. كان من الواضح أنه لا يوجد أحدٌ في البيت الذي بَدا خالياً من كلِّ شيء إلا من اللوزة، وحمامتيْن تتلفّتانِ بحَذَرٍ على أحدِ أغصانِها.

عادَ مريمُ إلى الطريقِ العامّ قاصداً السوق. وكان في السابق يسيرُ مُحاذِياً الجدار، حين كان يمضي إلى عملِه، تجنُّباً لعامّةِ الناس. أما اليومَ فقد سارَ في وسط الطريق متعمِّداً، وقال لنفسِهِ إن عليه أن يشتريَ عطراً وثوباً جديداً في أقربِ فرصة، عليه أن يكونَ أفضلَ حالاً. ثم داخَلَهُ تفكيرٌ غريب، جعلهُ يتساءَلُ عمّا إذا كان ما ينوي القيامَ بهِ سيزيدُ الأمورَ سُوءاً أمامَ الناس، فكيف يجتمعُ فيهِ عطرٌ، وابتسامةٌ، واسمُ مريم؟ ماذا سيقولُ الناس؟ ودارت في رأسِهِ خيالاتٌ، طرَدَها سريعاً بعد أن تجهَّمَ وجهُهُ قليلاً. وما إن دخلَ السوقَ حتى توجَّهَ إلى محلِّ ملابسَ وعطور، فاشترى ملابسَ جديدة، ارتداها مِن حِينِه، وزجاجةَ عطرٍ، رَشَّ منها على ملابسهِ ويَدِه، وخرجَ قاصِداً محلَّ التاجر راشد بن خَلَف، وهو يبتسِم. عليهِ الآنَ أنْ لا يُبالي. كان الناسُ في السوقِ ينظرون إليه بفضول، ينظرون إلى ابتسامتِه، وإلى يَدِهِ القويّة، التي طالَما بطشَ بها. كانوا يعرفونه جيداً، ولكنْ أربَكَهم هذا التصرفُ منه. إنهم يظنون أن العنفَ والابتسامَ لا يجتمعان. أما هو فقد رأى الابتسامَ يمتزجُ بالقسوةِ والظلم من قبل، رأى ذلك من الوجيهِ الذي أساءَ له في المَحلّ.

بعدَ مضيِّ أيّامٍ على عودتِهِ للعمل مع التاجر، أصبحَ مريمُ أكثرَ نشاطاً في العمل، وكان يبتسمُ كلّما انتبهَ إلى نفسِه، وكان التاجرُ راشد بن خَلَف سعيداً بذلك، فكان يقول:

– الحمد لله الذي هَداه.

وظنَّ أن بإمكانِهِ مساعدةَ مريم، فقالَ مُحاوِلاً نُصحَه:

– أراكَ أفضلَ حالاً الآنَ يا بُنيّ، فلِمَ لا تُغيِّرُ اسْمَكَ بالمَرّةِ إلى اسْم رجل؟

– سوفَ أرى، شكراً لك.

وفي يومٍ من الأيام كان أحدُ العرَبِ قادماً من قريةٍ بعيدةٍ إلى هذه المدينة، كي يتبضَّعَ من سُوقِها، وكان هذا الغريبُ يعرفُ أحدَ سُكان هذه المدينة، يُدعى إبراهيم، فالتقَيا، وذهبا إلى السوق. وفي أثناء جلوسهما في مقهىً قريبٍ من مَحلّ راشد بن خَلَف مَرَّ بجانبهما مريمُ، فألقى التحية مُبتسِماً، وردَّ عليه إبراهيم:

– وعليكم السلام والرحمة، حيّا اللهُ مريم.

فعَجِبَ الضيفُ الغريب، وتساءلَ بصوتٍ واضح:

– مريم؟!

– نعم.

– كيف سُمّيَ مريم؟

– إيه.. إنها قصةٌ طويلة، مُختصرُها المُفيدُ أن أباهُ لم يكن يُرزَقُ إلا بناتاً، وهُنّ خمسٌ جِئنَ قبلَ هذا الولد، فكان حين تحمِلُ زوجتهُ بعد قدوم كلّ ابنةٍ من الأربع الأُوَل؛ يقولُ فرِحاً: “لَئِن جاءَني ذكرٌ لَأُسَمِّيَنَّهُ باسم أبي”، لكنّ هذا الذكرَ لم يكن يأتي، ولم يأتِ في آخِر مرةٍ أيضاً، إذ جاءت البنتُ الخامسة، وعندَها تَملَّكَ الأبَ الغضبُ، فقالَ حالِفاً أمامَ جَمعٍ من الناس: “لَئِن جاءَني ذكرٌ لَأُسَمِّيَنَّهُ باسم أنثى”، وهكذا كان، فحِين جاءَ.. أعني حِينَ جاءَ هذا الولَد، سمّاهُ أبوهُ مريمَ، ولم يَعُد عن هذا القرار.

– عجيب! خَسَّ مِن رجلٍ.

قال الغريبُ هذه الكلمةَ وأطلقَ ضحكةً عالية، لكنّهُ حِينَ رأى صاحبَه لا يضحك، التفتَ لِيرَى مريمَ واقفاً على مدخل المحلّ الذي يعملُ فيه، وهو ينظرُ إليهما بوجهٍ كالحَجَر، فقالَ إبراهيمُ للغريب:

– يا لَلمُصيبة، لقد سَمعَ ما قُلتَ.

والتفتا، فرَأيا مريمَ عائداً إليهما، ووقفَ مريمُ أمامَ الغريب، وتجمّع الناسُ، من المقهى والدكاكين، وهم ينظرون إليه. تقدّمَ مريمُ من الغريب بهدوء، وأخرجَ من جَيبِ ثوبِهِ ثمرةَ لوزٍ ناضِجة، وأمسكَ بيَدِ الغريب، فوضعَ اللوزةَ في يدِه، ثم غادرَ المكانَ وهو يبتسمُ له.

[1] – السِميّ في الدارجةِ الإماراتية تعني: مَن اسمُهُ مثلُ اسْمك.