مريم جمعة فرج

درویش – مريم جمعة فرج

تذكرك عيون السابلة بالأشياء المعشعشة من أيام خصوبتك الطويلة لأيام الإضراب الكبير، تدوي تلك الأشياء المعشعشة في نفسك كالانفجار، أشياؤك الكثيرة إنها المحاولة الأولى لك بعد طرد إبليس من الجنة، هكذا سمعتهم يتهامسون لا يلوون على شيء، وجوه مترهلة فقط، أرجل تدب، تهبط إلى السكة.. تدوي تلك محاولتك الذائبة في فنجان القهوة وأنت ترشفه بذهول.

  • باكر إضراب.

وتترك حبات العرق الموردة لتشرئب في وجوه السابلة الممشوقة: من أين تعلمت كل هذا. تجيبهم متعجلاً: أنا لست سوى نبتة من الجنون في دوامة من خبث السابلة.. أنا.. «تجز رأسك الرطبة».

ستنداح يدا الصاحب عن عينيك المعصوبتين.

  • باكر إضراب.

ستلمح أجزاء الهزيمة تتفضض عنها امتلاءات الكروش الضيقة وستقول: هذا وقت الجوع في زمان الشبع!

سيقولون لك خذ درهماً وغادر أو درهمين كما يفعل المتسولون على الأرصفة الرطبة. ستدرك أنها المحاولة وتطيل النظر عبر الثقوب اللامعة لجلود الحريم المبللة بالماء وأصابعهن البضة الممتلئة.

  • خذ درهماً وغادر.

وتحيط بك الدشاديش البيضاء والعُقل السوداء.

  • خذ درهماً وغادر.

«ترشق رأسك بالماء».

إنها المحاولة، ستضحك، ستمسح حبات العرق العائدة إلى شروخك الجلدية مهرولاً بيدك على جلدك هروباً من العالم الفوضوي المتراكم فوقك.. وجوه مترهلة وسابلة ينتظرون ستزحلق خاصرتك وتقول لهم:

  • أنا لست هو.

وسيمزق صوتك دبيب الموسى فوق خصلته الذهبية الشقراء، وأمامك ستكون الجدار المقلوبة، عليها خط رديء وطلسمة تبتر الكلمات، مكتوبة بأيديهم، سيتم تفجير النكات ببهلوانية.

  • إضراب عمال الحفر يا شيخ درويش.

«لا زال هو يذكر كيف تجمع العمال عليه ثم اقتحموا كابينات الموظفين الخشبية الموثقة بالدعون: يسقط صاحب والمتعاونون معه وأولاد الحرام كلهم دفعة واحدة. قاوموا الهراوات وكأنهم شقوا الغبار المتصاعد بالزعيق، فتتوا الأنابيب وقطع الحديد.. تحوَّل «الكمب» إلى ركام على رؤوسنا. خرج الصاحب من عربته محروقاً كأنه مقلي في الشمس البدوية اللاهبة وتشنج».

  • إياكم أن تعودوا مرة ثانية إلى البلبلة.

طرد خمسين عاملاً يذكرهم الناس ثم هش الذباب المتراكم على وجهه ومشى.

إن حفر الزيت لا يحتمل أكثر من البقية، من فيكم سيساعدنا ولم تتحرك خوصة، ظلوا في ثيابهم المحمضة بالعرق إلى اليوم التالي حتى جاءت النساء مزغردات، الوجوه المترهلة وقطع الزجاج وعلب القصدير وأصوات الجرافات والحجر والنكات وذيول القوارض وروائح البهارات وتعليقات السابلة وكل الأشياء الأخرى المتبقية ظلت فقط تفض ذاكرتك المورمة ببضاضة، تدق رأسك كالمطرقة.

  • خذ درهماً وغادر يا مجنون قبل أن يصلبوك.

لترتعش الآلة في الفجوات الترابية ويزعق الرجال خلفك.

  • قوادون هؤلاء الإنجليز.

تحس بشيء يشبه ارتطام اللحم الآدمي ببعضه خلال التظاهرة وتصرخ.

  • مومس صديقتك الشقراء.

ثم تودعك وجوه العمال المرفوءة بالجوع كطيور الجنة العائدة من رحلة الزيت بأجنحة مهشمة.

  • نبغي زيادة درهمين حق العيال.

ويرتفع صوت الجرافات وتموج عضلات وجهك المخمورة كالغيمة وبقية لسانك المتآكل باللعاب في فمك.

  • قوادون.

وتحاصرك الرؤوس الحليقة الملفوفة في الجلابيب الصغيرة الصفراء وجلود الأولاد النيئة المسربلة بالكتان المطرز بالورود.

  • مجنون يبغي روبية.

وتتخاطفك النماذج المترهلة ويسقط ظل السدرة العجوز على وجهك كثيفاً فيهرب الأولاد وتطفأ الجدران ويبقى شبحاً يؤنس غربتك ذاك المساء المطفأ المنعش بالرطوبة والحر ورائحة السدر المعشعش في رأسك. وأمامك يجلس هو – الصاحب – فتجز رأسه بلا اكتراث وتقذفه بالحجارة.

  • هم النماذج المترهلة، بو خميس وولد جمعان وبلال بو صابر لا زالوا يقولون:
  • باكر إضراب عمال الحفر.
  • فتسقط الرأس ناضجة كأنها شيء جديد وتسمع صوتاً يشبه الرغاء يقول لك اقتله!

فيروز – مريم جمعة فرج – قصص قصيرة

1988