لولوة المنصوري

تحت سرير براغ – لولوة المنصوري

   بعد أربعين يوماً من موتي ، وقبل أن أتحلل خلف مجرى وادٍ ضخم في أقصى شمال الجزيرة العربية ، استيقظتُ في (براغ ) على سرير بارد جداً ، يشاركني عليه أحد الموتى ، كانت امرأة قد سبقتني إلى الموت منذ عشرة أيام  ، بينما بقي خيط من الدّم يفور وينزف من قلبها الذي بدا لي منذ الوهلة الأولى أنه جرح عاطفي قديم  .

  عشتُ معها في البرد والعتمة  ، رأسي على قلبها ، إحدى يديها تطوّق رقبتي والأخرى تتدلّى من السرير ،  كنتُ ألعق الدّم الفوّار من قلبها لأبرئ  الجرح النازف  ، كنتُ غارقاً بالدّم ، أتدفأ به كآخر علامات اتصالنا بالأرض .

وبما أن روحي لازالت تطوف في المجال الأرضي و لم تمضِ عليها سوى بضعة أيام ، فلا زالت حقوق البقاء عالقة فيّ كبقايا أولية تمهّد لي العبور إلى الفناء ، وعلى ذلك فإني مُنحتُ حتى الآن قدرة اختراق الأشياء الأرضية ، واستكناه رائحتها ، وتذوّق طعمها ، غير أن الدّم الفائر من قلب شريكتي بدا لي مثل طعم نهر من الرّمان ، كان قلبها ثمرة رمان نقر حباتها طائر سابق ، وكنتُ الطير اللاحق الذي هبط ليلعق ريق الرّمان  .

وهكذا صار التصاقي بدمها يزداد مع الأيام ، نسيتُ الأرض التي انتحرتُ فيها ، نسيتُ جسدي هناك يتحلل وحيداً في أقصى شمال الجزيرة العربية كأي جيفة تتعفن في الهواء وتدخل في حصى الأرض وذرات الطين .

 أنا وشريكتي جثتان تتكوّران بهناء جنيني في رحم واحد ، على سرير حديدي أبيض ،  في غرفة صغيرة داخل مبنى قديم عائد إلى القرن السابع عشر ، يقع المبنى في شارع كافكا حيث ساحة البلدة القديمة ، على يمين نافذتي يقع برج ساعة براغ ، تدق الساعة الآن ، وعن يساري الكنيسة التي تصلّي – منذ وصولي -على ضحايا غرف الغاز ، وأسفلي المقاهي والأكشاك وحوانيت الهدايا والأغنياء ، وأسفل أسفل قبو المبنى ينام المشردين والسكارى وأطفال الشوارع  وتنام الحرب العالمية الثانية ،  وأمامي محطة مهجورة وسكة حديد تمضي إلا ما لا نهاية .

شريكتي تنام في داخلي وأخترق عظامها ، لا يفصلني عن جسدها شيء ، لا مساحة للهواء بيننا ، وخمسة عشر كيلو على الأرض تفصلني عن مقبرة اليهود حيث ينام كافكا .

  أقطعها ساعة كاملة مشياً على الأقدام في حساب الساعة الأرضية ، بينما عرفتُ مؤخراً أنه بوسعي أن أقطع المسافة بطرفة عين كأي شبح في براغ  ، لكني فضلتُ أن أحمل النائمة على ظهري وأجتهد في السير  مثل حاج إلى نبيّ ميت ، نصعد سوياً ذلك الطريق الحجري المؤدي إلى قبره . تصعد آثار الدّم معنا ، ويرن في أذني وسط كل هذا ناقوس صغير يقول : ( إنها لن تكون معك ) ، وناقوس آخر رحيماً يأتي من السماء يقول : ( إنها لن تتركك ) ..

ونصل إلى حيث نريد ، أهتف بارتياح  : ( ها قد وصلنا يا عزيزتي ) .. لا تُجيب .

أقف في الطابور ، يستند قلبها على ظهري ، أسندني على حرارة دمه ، يقف جموع الناس أمامي ، مُريدين ، بانتظار أن يأتي الدور في الحوار مع  كافكا ، ( ولكن هل أنتم على يقين أن كافكا سيفتح لنا الباب ؟) لا يلتفت أحدهم إلينا – ميت يحمل على ظهره امرأة ميتة  بقلب نازف –  فكرتُ : في حضرة كافكا سأجلسها في حضني ، ونبقى صامتين كالحجارة الصغيرة التي يصفها الزائرون على شاهده الصخري المثبت في الأرض ، و الذي يبدو كسن سهم عريض سقط تواً من الزمن الحجري ، أو على هيئة قطعة من شظايا البلور .

لمحتُ رجلاً يخترق جدار المقبرة والأشجار ليختصر الطريق ، شبحاً آخر مثلنا على ما أظن ، يقف الآن في الصف الأول من الطابور ، ما إن لمحني هو الآخر حتى صاح بأعلى صوته  : – تقدّم يا أخي ، لست من هذا العالم لتقف معهم .

أدرتُ له ظهري ليراها تنام عليه : هي لا زالت منهم ، قلبها ينزف .

لم يبدو عليه أي تأثر ولا دهشة : هل تدري كيف ماتت ؟

-لا أعرف ، ينتحر الناس هنا عادة من هول الحرب ، ربما طعنت نفسها  .

–  بل بدأ الدم بعد تجربة خذلان عنيفة ، هناك من سبقت خطاه خطاك ، ثم تركها للطريق  ،  قلبها لم يمهلها البقاء ، انفجر وأنهى الحكاية .

– لكن الحكاية يا سيدي لم تنتهي ، لقد ماتت ولازالت تعبر نصّ الحياة ، قلبها لا يهدأ .

– حاول .. ربما يتوقف النزيف وتتمكن من الرحيل معك .

عمّ صمت ثقيل في الطابور ، متردد ما بين العودة والعبور ، سمعته يقول وهو يترك المكان مخترقاً آخر شاهد في المقبرة :

-لاريب أنك  مُت من الحب أيضاً  يا أخي ، فلا أحد يصل إلى قبر كافكا إلا وقد مزّقه الحب . وأنا مثلك كنت أحد الضحايا . هذه المرأة التي على ظهرك ماتت متيمة بمن سبقك إليها ، لن يبرأ جرحها ، ولا طاقة لكافكا وكل الأشباح المتحركة والساكنة هنا أن توقف النهر النازف  .

في الطابور الطويل صار دمها دبقاً على ظهري ، ومن البرد القارس راح يتجلط كقطع صمغية تزيدني  التصاقاً بها . إلى أين أمضي بها ؟

  فكرتُ أن أزرعها قرب كافكا كوردة في الثلج ، فلربما يتوقف الدّم إن صارت وردة في المقبرة ، لكن عوضاً عن ذلك عدتُ أدراجي إلى ساحة البلدة القديمة ، إلى سرير حديدي أبيض ،  في شقة صغيرة داخل مبنى قديم عائد إلى القرن السابع عشر ، على يمين النافذة يقع برج ساعة براغ ، تدق الساعة الآن ، وعن يساري الكنيسة التي منذ وصولي وهي تصلي على …… هل آخذها لقدّاس الكنيسة ؟ فليتولى شأنها غيري ، أريد العودة إلى أقصى شمال الجزيرة العربية ، لأتفقّد جسدي . لكن الهواء ….. هل الهواء نقي بما يكفي في الكنيسة ليروا دمها بوضوح منتصفاً ما بين البقاء والفناء  ؟

عائد إلى الغرفة ، يائساً أصعد السلالم ، انتبهتُ إلى انعدام صوت خطاي ، ما عاد لي صدى ولا أثر و لا عرش لي إلا  الغيب و قلبها ،  يستند قلبها على ظهري ، أسندني على حرارة دمه ، وعلى السرير بقيتُ زمناً ألتصق بها وأعانق خصرها عليه ، ألعق الجرح ما بقي لي من زمن محدود ، ألعقه متألماً بلذتي : ( من أين تأتين بكل هذا الدّم !)  .

بدا لي أن دمها يخرج من جهة أبدية ، لا يؤمن بالحدود ، هذا ما يكفل لها البقاء ، يبقيها الدّم متصلة بالأرض ، بينما أنا محكوم بالرحيل للأبد ، ولا خيط هنا ، لا دخان يربطني بهذه الأرض ،  وسيهبط المرشد أخيراً منبهاً بموعد بدء الرّحلة .

( لماذا تظن أنك باقٍ ؟) سيقول المرشد بإشفاق.. ( لن ينتهي دمها .. لن تنتهي حربها ) ، ثم يمدّ جناحاً من دخان ، بعد لحظات سأراني مبتعداً في ذلك الدخان ، وأدرك أن عظامي قد انفصلت أخيراً عن عظامها ،  سأحاول استمهاله ، وأرجوه أن يعيدني إليها ، كأي عابد نسي في صومعته أن يغلق آخر نص مقدّس ، جرحها نص مقدّس وعليّ أن أجد طريقة أغلق بها القلب المفتوح  ، لكن القدرة ليست بيديه ، هذا ما أومأ به حين أشار بأسىً إلى السماء .

( عليّ الرّحيل إذن ) قلتُ لها هامساً .

ومسكتُ الدخان  الذي حملني إلى درب لم أدرك ملامحه حتى الآن ، ولا أدري إلى أين ينتهي .  وما إن غامت آخر تلويحة  لي ،  حتى انفجر قلب المرأة إلى بركان عظيم أحمر ، ونزلت براغ كلها داخل السرير ، حيث يفور البركان الذي ينزف من جرح عاطفي قديم  ..

وتلاشت الرؤية ، لا خبر ولا صدى …